كتاب الصلاة  63

كتاب الصلاة 63

الدرس في كتاب الصلاة 63، الدرس الثالث والستون:من( الحديث الثاني والتسعون:عن أنس بن مالك رضي الله عنه ... لأن الصلاة مناجاة لله فينبغي أن تكون على أحسن هيئة وأفضل صفة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

كيفية السجود والاعتدال في الصلاة

يشرح كيفية السجود الصحيحة في الصلاة وضرورة الاعتدال فيها. يبين أهمية وضع الكفين ورفع المرفقين وضمة العقبين.

كراهية التشبه بالحيوانات في العبادات

يتناول حرص الإسلام على أداء العبادات بحيوية ونشاط وينهى عن التشبه بالحيوانات فيها، مشيرًا إلى أهمية اتباع سنة النبي.

حكم التشبه بالحيوانات وتطبيقاته العملية

يناقش حكم التشبه بالحيوانات في الصلاة وغيرها، ويوضح الفرق بين التشبه المحرم وغير المحرم بناءً على الغرض من الفعل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، الحديث الثاني والتسعون. قال عن أنس، مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعتدلوا بالسجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه بسط الكلب». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لصفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مما اتفق عليه البخاري ومسلم بهذا اللفظ. بنفسه، فقد رواه الإمام البخاري رحمه الله في باب «لا يفترش ذراعيه بالسجود»، فقال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن قتادة، أو قال: سمعت قتادة عن أنس، فذكر الحديث بلفظه. وهكذا رواه مسلم في صحيحه بمثله، من طريق شيخه أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن شعبة عن قتادة عن أنس بلفظه. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتدال في السجود، وذلك بأن يكون المصلي على هيئة حسنة بالسجود، حيث يجعل كفيه على الأرض ويرفع ذراعيه، ويجافيهما عن جنبيه. وعلمنا معنى وكيفية المجافاة فيما سبق من دروس سابقة. وكونه يجعل كفيه على الأرض ويرفع ذراعيه؛ لأن هذا معنى أن لا ينبسط انبساط الكلب. وقد جاء ذلك صريحًا في بعض الروايات، ففي حديث ابن عمر، ونحوه من حديث عائشة عند الحاكم، ابن خزيمة بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تبسط ذراعيك بسط السبع»، وفي رواية: «بسط الكلب»، قال: «وادعم على كفيك وتجافى عن ضبعيك؛ فإنك إن فعلت ذلك سجد كل عضو منك معك». فأمره عليه الصلاة والسلام بأن يدعم بكفيه، إشارة إلى أن هذا معنى الاعتدال في السجود، فيكون الاعتماد في الاتكاء على الكفين، ليس على المرفقين. فوضع المرفقين على الأرض هذا هو سجود السبع والكلب. وتعرفون جلسة الكلب إذا جلس بسط ذراعيه، فكان ذلك مثله وضع المرفقين على الأرض بالنسبة للساجد. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ أولًا لأنه تشبه بالحيوان، وقد مر معنا أن من أجناس ما نهى المسلم عن التشبه به الحيوان. وثانيًا لأنه ينافي الكمال والاعتدال في السجود، وذلك يكون بترك وضع المرفقين على الأرض. ولهذا قال في هذا الحديث: «اعتدلوا في السجود». وقال في حديث ابن عمر، ومعناه من حديث عائشة: «فإن فعلت ذلك سجد كل عضو منك معك». ومعناه أن سجود كل عضو يكون بالتعبد لله عز وجل بهذه الكيفية التي تتناول جميع أعضاء الجسد. أولها: وقوع سبعة أعظم على الأرض: الجبهة والأنف واحد، والكفان اثنان، والركبتان، وهكذا كذلك القدمان، فهذه سبعة. وثانيها: بعدم وضع المرفق على الأرض، بل يرفع المرفق من الأرض ويجافي. ولهذا جاء كذلك معناه في حديث البراء: «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك». والحديث الصحيح عند مسلم: «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك». لا بد عند وضع الكفين من رفع المرفقين، لا تجعل المرفقين يقعان على الأرض. والمجافاة أفضل، ولكن كما قلنا: بغير مبالغة وبغير أذية؛ إذا كنت مأمومًا فربما المجافاة تؤذي من بجانبك عن يمينك وعن يسارك. وهكذا من كمال الاعتدال في السجود: رص العقبين، يعني: التصاق العقبين بعضهما ببعض عند السجود، لا تفارق بينهما، تجعل رجلًا في المشرق ورجلًا في المغرب، لا، ضم الرجلين. وقد ثبت معناه في الصحيح من حديث عائشة حين افتقدته في ليلة من الليالي، فتلمست النبي عليه الصلاة والسلام فوجدته ساجدًا وقد ضم بين عقبيه. وفي رواية عند ابن خزيمة الصحيح عنها: فوجدته ساجدًا راصًا عقبيه، يعني: ضم كل عقب إلى الآخر. فالرجلان تضمان، وما يفعله بعض العامة من المفارقة خلاف السنة، مع ما فيه كذلك من التكشف أحيانًا، مبالغة المفارقة يحصل به تكشف. فإذا هذه الكيفية بالحرص على هذه الأوضاع يكون بها الاعتدال في السجود. والضرورات لها أحكام، فإذا وقعت الضرورة يكون لها حكم بحسبها، حتى إنه يجوز للمريض أن يصلي من غير أن يضع جبهته على الأرض، يصلي وهو قاعد، كما في حديث عمران بن حصين. قال رحمه الله تعالى: ويرفع ذراعه ويجافيهما عن جنبيه؛ لأن هذه الحال عنوان النشاط والرغبة المطلوبين في الصلاة، ولأن هذه الهيئة الحسنة تمكن أعضاء السجود كلها من الأخذ بحظها من العبادة؛ لأنك تتعبد لله بهذه الأفعال، فتخرج نفسك من العادة إلى العبادة. فرق بين أن تصلي وأنت لا تبالي بحركاتك، وبين أن تصلي وأنت تتعبد لله بكل حركة تحرص عليها، فتكون صلاتك حية، وصلاة غيرك ليس فيها حياة؛ لأنها صلاة أشبه ما تكون بالعادة. أما صلاة من يتتبع السنة في كل حركة وسكنة، فصلاته حية. قال رحمه الله تعالى: ونهى عن بسط الذراعين بالسجود؛ لأنه دليل الكسل والملل، وفيه تشبيه أسوأ حالات العبادة بحال أخس الحيوانات، وأقدرها، وهو تشبيه بما لا يليق، يعني: لا يجوز للمسلم أن يتشبه بالكلب، مع ما فيه كذلك - كما قلنا فيما سبق - منافاة لكمال الاعتدال في السجود والعبودية لله الكاملة فيها. وكذلك - كما ذكر رحمه الله - ذلك يدخل الكسل على المصلي، ولذلك المصلي إذا رمى بمرفقيه في السجود وطال السجود يأتيه النعاس، وإذا جافى - مهما كان متعبًا أو ناعسًا - فإنه ما دام حريصًا على المجافاة، حرصه على المجافاة يدفع عنه النعاس. أليس كذلك؟ حتى لو مسكت قلمًا، خذ قلمًا هكذا، إذا كنت ناعسًا سيسقط القلم، لكن إذا حرصت على رفع القلم - أنت بهذا تجاهد النعاس - وكذلك حرصك على المجافاة يكون معينًا لك على النشاط في العبادة والانتباه فيها. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولًا: مشروعية الاعتدال في السجود على الهيئة المشروعة. فعلمنا أن الاعتدال في السجود هو وضع كل عظم في موضعه بحسب ما أمر به الشرع، وليس المقصود بالاعتدال مثل الاعتدال في القيام، لا، لكن لكل موضع من مواضع الصلاة اعتدال خاص به، فالركوع له اعتدال، والسجود له اعتدال، والقيام له اعتدال. قال: ثانيًا: النهي عن بسط الذراعين في السجود؛ لأنه دليل الكسل، وفيه تشبيه بجلوس الكلب. فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة يدعو إلى تركه في الصلاة. أي: الإسلام، إيش عندكم؟ يدعو، أو يدعى، يدعو بالواو. طيب. قال: ثالثًا: يأخذ منه أيضًا كراهة مشابهة الحيوانات، خصوصًا في حال أداء العبادات، فلا يجوز للمسلم أن يتشبه بالحيوانات عمومًا، وفي الصلوات والعبادات على وجه الخصوص. وبه نعرف خطأ ما يتوسع به بعض الناس في وقت الأعياد وغيرها بأن يتشبه بالحيوانات، هذا يلبس لباس الكلب، وذلك يلبس لباس الأسد، وذلك يلبس لباس النمر، وغير ذلك، ولو كان على وجه المزاح، ولو كان على وجه كذلك الترفيه. لا يجوز للمسلم أن يتشبه بالحيوان حتى ولو كان على وجه المزاح؛ أولًا لأنه يؤثر عليه في أخلاقه، ويذهب كذلك ثواب الدين، مع ما فيه كذلك من الانتقال إلى معنى الحياة التافهة التي انشغل وتوسع فيها الناس كثيرًا. ولا يعني ذلك أن تغلق أبواب المباحات، لا، هناك مباحات واسعة كثيرة لا تعد ولا تحصى، فيها غنية عن مثل هذه التوسعات. قال: فائدة جليلة: ورد الأمر من الشارع بمخالفة الحيوانات الخسيسة والشريفة في هيئات الصلاة، فنهى عن التفات كالتفات الثعلب - يعني في الصلاة - والتفات الثعلب تعرفونه يمنة ويسرة. ومعنى أن المصلي لا يلتفت، أي: لا يلتفت برأسه، برأسه، كذلك لا يلتفت بقلبه. فنهي المصلي عن التفات حسي، وهكذا عن التفات معنوي، وهو بخروج من الصلاة بما يشغله عنها، بل ينبغي أن ينشغل بالصلاة، كما أنه يقبل بوجهه في صلاته على صلاته، كذلك يقبل بقلبه على صلاته، أقوالها وأفعالها وما يتعلق بها. قال: وافتراش كافتراش السبع عند الافتراش، وهو خطأ، صوابه: افتراش. وافتراش السبع هو افتراش الكلب، لكن جاء في بعض الروايات: السبع، وهو أعم من الكلب، فيشمل الكلب والأسد والنمر وغير ذلك من السبع. قال: وإقعاء كإقعاء الكلب، عندي تكرار، صوابه: وإقعاك إقعاء الكلب، ليس مرتين. وعلمنا فيما سبق إقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب. ونقر الغراب المراد به التعجل في السجود. قال: وإشارة بالأيدي كأذناب الخيل الشمس. وأشار عندكم بالتعليق إلى تخريج هذه الأحاديث. ومعنى كأذناب الخيل الشمس، يعني: لا يكثر من الحركة. الخيل إذا جلست في الشمس تحرك ذيلها، لعلكم تعرفون هذا من عرف الخيل عرف ذلك، كل قليل لحظة تحرك الذيل، كل قليل تحرك ذيلها، وهي تفعل هذا بسبب وبدون سبب، أحيانًا تذب الدباب وغيرها من الحشرات عن نفسها، وأحيانًا بغير سبب. فالشاهد المقصود أن يسكن المصلي في صلاته، ولهذا جاء في آخر الحديث: حديث جابر بن عبد الله، وهو في صحيح مسلم: «ما لأرى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ ليسكن أحدكم في الصلاة»، يعني: يهدأ، لا تتحرك أطرافه. وبرك بروك الجمل. وهذا الحديث الذي مر معنا مختلف فيه، واختلف كذلك في تفسيره، في صحته وفي تفسيره. والمقصود أنه نهي عن التشبه بالحيوانات في جميع أفعالها. قال: وغير ذلك مما نهى عنه الشارع من مشابهة الحيوانات؛ لأن الصلاة مناجاة الله، فينبغي أن تكون على أحسن هيئة وأفضل صفة. وهذا الأحسن والأفضل ليس بالعقل ولا بالعاطفة والهوى، ولكنه بتتبع السنة. فلذلك يحتاج المسلم أن يتعلم صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بما وردت به السنة، ونقلها خير الأمة من سلف هذه الأمة. وقد ألف علماء في ذلك مؤلفات، ومن أحسنها مؤلف الشيخ العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله. وهناك كذلك مؤلفات أخرى مختصرة، كمؤلف الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، وغيره من الأمة والمحدثين وكبار أهل العلم. طيب، لهنا والله تعالى أعلم. يقول: ما حكم أن يتشبه بالحيوان؟ يريد أن يلعب مع أطفاله الصغار، يعني: إذا كانت زي بزي، فلا. وأما إذا كان يصف له حيوانًا أو يصف له صوتًا، فإن شاء الله لا بأس. وقد لاطف النبي صلى الله عليه وسلم أخًا لأنس، فقال: «يا أبا عمير، ما فعل النقير؟ يا أبا عمير، ما فعل النقير؟» فملاطفة الصغير بالمشروع جائزة. يقول: هل يؤاخذ الإنسان بما يأتيه من وساوس في قلبه؟ وقد كان فيه من صغره مرض وهو الخوف والوسواس، وقد كان يأتيه ويذهب، والآن يأتيه دائمًا وساوس في العقيدة؟ هذا إذا كان هو يجاهد نفسه في دفعه، فهو من صريف الإيمان، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح. فعلى المسلم أن يجتهد في مدافعة ذلك، كما ينبغي أن يتخذ العلاج الصحيح في مدافعة هذه الوساوس حتى لا يتسلط عليه الشيطان. ومن ذلك قطع الخواطر، وهذا من أهم الأشياء. الشيطان يرمي في قلب الإنسان خواطر لا ينبغي أن يبحر معها ويسترسل فيها، بل كل مسلم علم ما يجب في هذا المقام وجب عليه أن يبادر بقطع هذه الخواطر أول ما يرمي الشيطان وساوسه وخواطره في قلب الإنسان، اقطعها وانتقل إلى غيرها. إذا لم تستطع، قم فاقرأ في كتاب، أو اسمع في شريط، أو حتى اعمل عملًا، خذ لك مطرقة ومسامير وابدأ اشتغل في بيتك، إذا كان شيء يحتاج إلى عمل اعمل، خذ لك خرقة ونظف في مطبخ بيتك أو في أدوات بيتك، لا تجعل للشيطان سبيلًا يتسلط عليك. وهكذا الخلوة من أعظم أسباب تسلط الشيطان وإدخال الوسوسة، الخلوة إذا أكثر الإنسان من الخلوة بنفسه كثرت عليه الخواطر وتعب منها. فلذلك يحرص على الخلطة، يخالط الصالحين، مجالس العلم وغيرها النافعة التي تزيل عنه هذه الخواطر. وهكذا كذلك الدعاء، يحرص على الدعاء، وإن شاء الله سيوفقه الله سبحانه وتعالى. ولا يتحمل، يحرص أن لا يتحمل بهذه العوارض التي تعرض عليه. يقول: هل يجوز التشبه بالحيوان إذا احتيج إلى ذلك؟ مثل ماذا؟ هذه الحاجة: السباحة، كيف؟ لا، بس، هذا ليس تشبهًا بالحيوان؛ لأن أنت ما تفعل نفس فعل الحيوان، إنما الذي يسبح الموافقة فقط في الصفة التي تعين على السباحة، المقصود السباحة، سواء سميت سباحة ضفدع أو سباحة دلفين أو سباحة أي شيء آخر، أو سباحة الكلب، النمل، نمر، المهم لا بأس بهذا إن شاء الله؛ لأن المقصود ليس التشبه. نعم، زاد الله خيرًا. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.