كتاب الإمارة  23

كتاب الإمارة 23

الدرس في كتاب الإمارة 23، باب قوله صلى الله عليه وسلم:لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بقاء طائفة من الأمة على الحق

يشرح الحديث النبوي حول بقاء طائفة على الحق إلى قيام الساعة، ويبين أهمية الإمارة والجهاد في سبيل الله. يُذكر شرح أحاديث المغير بن شعبة ومعاوية.

خصائص الطائفة المنصورة

يتناول خصائص الطائفة المنصورة، حيث يبرز أهمية العلم الشرعي والعمل الصالح، ويشير إلى دور العلم في الظهور والثبات على الحق وجهادهم بقيادة أهل العلم.

استمرار طائفة الحق في آخر الزمان

يتناول آراء العلماء حول استمرار طائفة الحق، ويبين أنهم يختلفون في وجودها في فترات مختلفة وتجمعهم في الشام في آخر الزمان، مع ضرورة الرجوع لأهل العلم لتمييز الحق.

درجات الابتعاد عن الإيمان

يشرح وجود درجات متفاوتة للوصول إلى الكفر، حيث يختلف الناس في مدى ابتعادهم عن الإيمان واقترابهم من الكفر، مبيناً تفاوت هذه الدرجات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم». قال: حديث المغير بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون». قال: أخرجه البخاري بكتاب المناقب، باب حدثني محمد بن المثنى. قال: وحديث معاوية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال: أخرجه البخاري بكتاب المناقب، باب حدثني محمد بن المثنى. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره لأحكام الإمارة وما فيه من أحاديث. ووجه مناسبته كون الأمة أو الطائفة المنصورة والفرقة الناجية باقية إلى قيام الساعة، فكذلك الإمارة باقية إلى قيام الساعة، والجهاد باق إلى قيام الساعة. فإذن لا تنقطع الإمارة، وهكذا كذلك لا تنقطع أو لا ينقطع الجهاد، ولكن هو بحسب المصلحة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم». الطائفة من صيغ القلة، وهذا يدل أنهم قليل بالنسبة لغيرهم. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في ابتلاء أهل الحق، فهم دائما أو الغالب هم الغالب يكونون قلة، كما جاء في أدلة الكتاب والسنة: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وأورد حديث المغير بن شعبة، وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود قال: حدثنا يحيى عن إسماعيل قال: حدثنا قيس قال: سمعت المغيرة فذكره بلفظه. وحديث معاوية، وأخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا الحميدي قال: حدثنا الوليد قال: حدثني ابن جابر قال: حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية رضي الله عنه يقول فذكر الحديث بلفظه، غير أنه زاد في آخره بعد قوله: «وهم على ذلك». قال عمير -وهو أحد رواة الحديث عمير بن هانئ-: قال عمير فقال مالك بن يخامر: قال معاذ وهم بالشام. فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول: وهم بالشام -يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذين الحديثين مسائل من أهمها هذه المسائل الثلاث. أولها: أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق، أي لا تنقطع عن الأرض، وهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. وهو يتضمن كذلك بقاء الإمارة إلى قيام الساعة، كما صح لحديث ما تقدم أن الإمارة باقية إلى قيام الساعة، وأنها في قريش، حتى لو بقي رجلان لكانت في قريش. وهكذا كذلك فيه ثالثا: بقاء الجهاد في سبيل الله، فهو باق إلى قيام الساعة. وتقدم معنا كيف استدل الإمام البخاري رحمه الله بحديث الخيل في نواصيها الخير إلى قيام الساعة على بقاء الجهاد في سبيل الله إلى قيام الساعة. وهكذا هذا من باب أولى، ولكن كما تقدم لا يلزم استمراره، وإنما بحسب المصلحة. وكذلك بقاء هذه الطائفة لا يلزم في كل الأرض، فقد يكون في أرض دون أرض، وفي بلد دون بلد، وقد يكون في أكثر البلاد، وقد يكون في بعض الأزمان في بلدة واحدة أو جزء منها. ولكن على العموم لا تنقطع الطائفة المنصورة والفرقة الناجية من الأرض، بل بنص هذا الحديث هي باقية إلى قيام الساعة. وفيه من المسائل كذلك أن ظهور هذه الطائفة بالعلم. وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله بابا يدل على ذلك، لما جاء في بعض الروايات. جاءت هذه الرواية عند البخاري: افتتح الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، «لا تزال طائفة من أمتي...» الحديث. وقد استدل به الإمام البخاري رحمه الله على أن الظهور من أعظم أسبابه العلم. ولهذا صار من أعظم مميزات وخصائص الفرق الناجية والطائفة المنصورة اعتناؤها بالعلم الشرعي، اعتناؤها بالعلم الشرعي. ومن تأمل هذه الطائفة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا وجدهم أنهم أولى الناس بالعلم، أولى الناس بالعلم. فلو سألت وقلت: من العلماء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بعده؟ لقلت: الصحابة، وهم لا شك خيار هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذن هم أولى الناس بهذا الوصف: الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. وبعدهم كذلك أئمة التابعين، وبعدهم أتباع التابعين، وبعدهم كذلك إلى الأئمة الأربعة ومن بعدهم. وهكذا لا تأتي في زمان إلا وتجد أن من أعظم صفات الطائفة المنصورة والفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- اعتناؤها بالعلم، وليس علم مجرد، بل علم مقرون بالعمل. وهذا من توفيق الله عز وجل، فهم أحرص الناس على العلم وأحرص الناس على العمل بالعلم. وهذه من أعظم خصائصهم ومميزاتهم. وبه كان الظهور، وجاءت روايات أنهم على الصراط المستقيم، كذلك به كان الثبات على الصراط المستقيم. وجاء في بعض الروايات أنهم على الحق، وبه كانوا كذلك على الحق، أي بالعلم النافع والعمل الصالح. فهذا من أعظم خصائصهم ومميزاتهم. ففيه إذن أهمية الاعتناء بالعلم، وأن الاعتناء بالعلم من أعظم أسباب الثبات على الحق والظهور به. والظهور به حتى الجهاد في سبيل الله، إذا كان جهاد بجهل فإنه لا يحالفه النصر إلا أن يشاء الله. وأما إذا كان الجهاد في سبيل الله يقوده أهل العلم فهو بإذن الله حليفه النصر. لأن أهل العلم هم أعلم الناس بالجهاد المشروع والجهاد الممنوع. ولهذا كثير من الناس يدعي الجهاد ويكون فعلهم فساد وإفساد. وأما أهل العلم هم الذين يميزون بين الجهاد المشروع والجهاد الممنوع، ويعرفون ضوابط الجهاد: كونه يكون مع ولي أمر، كونه يكون باجتماع، كونه يكون كذلك بتوفر شروطه وانتفاء موانعه إلى آخره. وهكذا كذلك مراعاة المصالح من المفاسد. فلذلك كان العلم من أعظم أسباب الظهور، حتى الظهور بالحج والبرهان، ما يمكن أن ينصر ذلك وهو من الجهاد في سبيل الله، ما يمكن أن ينصر إلا بالعلم. حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من الجهاد في سبيل الله، فلا يمكن أن يكون إلا بالعلم. وفيه كذلك من المسائل أن هذه الطائفة تبقى إلى قيام الساعة، تبقى إلى قيام الساعة، كما صحت به الأحاديث في روايات هذا الحديث بطرقه وشواهده ومتابعاته. وكذلك فيه فضل لأهل الشام. وقد اختلف أهل العلم هل هذا مستمر أم هو في فترة دون فترة أم هو في آخر الزمان على أقوال في هذا الباب. والظاهر مما علم من الأدلة، وكذلك وما كان عليه واقع الناس، وعمومات الأدلة تؤيده أنه في فترة دون فترة، ولكنه يكاد يجتمع في آخر الزمان. لأن آخر الزمان كما دلت الأدلة يجتمع أهل الحق في أرض الشام، فهي أرض المحشر، وفيها ينزل عيسى بن مريم، ويكون المهدي المنتظر، والكثير من أشراط الساعة تكون في أرض الشام. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى. وعلى هذا يحمل قول معاذ رضي الله عنه: أنهم بالشام وأكناف الشام. فبيت المقدس من الشام، ودمشق من الشام، وما حولها مما جاءت به الأحاديث الكثيرة فيما يكون في آخر الزمان من أشراط الساعة، كله يدل ويؤيد هذا المعنى. فإذن كونهم بالشام في زمان دون زمان، ويتأكد هذا في آخر الزمان. وإلا فلا يمنع أن يكونوا في غير الشام، بل ربما يكون لهم قوة في غير الشام في غير ذاك الوقت. فقد كانوا فترة في بغداد، وقبل ذلك وبعد ذلك وإلى يومنا هذا هم بأرض الحرمين مكة والمدينة، وهكذا في اليمن، وهكذا كذلك قد يكون في فترة في بعض بلاد الهند أو غير ذلك. فالمهم هذه الطائفة لا تنقطع. وفيه من المسائل كذلك أن هذه الطائفة لمعرفتها بالحق وثباتها عليه لا يضرها من خذلها ولا من خالفها. وبه يعلم كذلك أن المخالفين لأهل الحق صنفين: صنف مخالف، وصنف مخذل. قد يكون من أهل الحق لكن ليس عنده شجاعة أهل الحق، فهو بهذا يخذل أهل الحق. وفي هذا تحذير وتنبيه لأهل الحق أن لا يقبلوا كل قول قد يرد عليهم ولو ممن ينتسب إليهم، لأن بعض تلك الأقوال من التخذيل. وما هو الضابط؟ الضابط هو العلم والحق والرجوع إلى أهل الرسوخ، الرجوع إلى الأكابر من أهل العلم أهل الرسوخ، كما أمر الله عز وجل في كتابه، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام في سنته. وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاع به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين استنبطوه منهم. فأهل الاستنباط هم الأكابر أهل الرسوخ. وفي حديث ابن عباس: «البركة مع أكابركم». رواه الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه. وهكذا كذلك المخالفين، سواء ممن هو خارج عن هذه الأمة كالكفار والمنافقين والمشركين، أو كذلك من كان مخالفا ممن ينتسب لهذه الأمة من أهل البدع والأهواء. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». فإذن أهل الحق واحدة، فرقة واحدة، والمخالفة لأهل الحق ممن ينتسب إلى الإسلام 72 فرقة. أي أصول الفرق والضلالة التي لم تصل أو لم يصل ضلالها إلى الكفر. أما التي يصل ضلالها إلى الكفر فكثير، يكفي أن اليهود 71 فرقة، وأن النصارى 72 فرقة، فما بالك بالملحدين والمشركين وغير ذلك من أهل النفاق والكفر والشرك؟ فهم كثير. لكن ممن ينتسب إلى الإسلام أصولهم ترجع إلى 72 فرقة، كلها ممن خالف الحق وخرج عنه، لكن لم يصل إلى الكفر. وأما الذي يصل إلى الكفر فهم أكثر.