الدرس في كتاب الطهارة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تنبيهًا حول أخطاء الإمام الشوكاني في بعض مباحث العقيدة، خاصة في باب الأسماء والصفات، مع الإشادة بجهود العلماء في نصرة السنة. يُشير إلى أهمية الإنصاف وعدم الاغترار بكل ما جاء عنهم.
كان الإمام يواجه المخالفين بأصول السلف والأدلة الشرعية، وتأثره بمذهب الظاهرية أثر على فقهه. نقل عن المخالفين ليدفع شرهم ويبين ضلالهم، وكتب رسائل فقهية مستندة إلى الكتاب والسنة والإجماع.
يشرح أهمية كتاب الطهارة كأول كتاب في المؤلفات الفقهية، ويبين سبب تقسيم العلماء لكتبهم إلى كتب وأبواب. يشير إلى أن كتاب الطهارة يأتي أولًا لارتباطه بشرط الصلاة.
يشرح أهمية معرفة أحكام المياه لأنها شرط أساسي للوضوء. يبين أن معرفة أنواع المياه وما يجوز الوضوء به أمر ضروري لصحته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة القيمة في هذه الرسالة الفقهية المسماة بـ«الدرة البهية» للإمام المحدث الفقيه العلامة، إمام زمانه وناصر السنة وقامع البدعة، الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، رحمه الله تعالى. هذا الإمام الذي أفنى عمره، رحمه الله تعالى، في نصرة السنة عقيدة وفقهًا وأخلاقًا وسلوكًا وأدبًا، فقد كان رحمه الله إمامًا مجاهدًا في زمانه، رحمه الله تعالى. وقد نصر الله عز وجل به السنة في هذه البلاد اليمنية، ففضل الله جل وعلا على أهل هذه البلاد، ثم جهود العلماء العاملين والداعين للسنة، كان له السبب في ظهور السنة في هذه البلاد، مع تسلط الشيعة وتعنتهم وتشددهم في هذا الباب. ولا يخفى ما عند الشيعة من تشدد وتعنت، فكان من فضل الله عز وجل، ثم جهود هؤلاء العلماء، ومنهم هذا الإمام الذي لا يزال أثره على هذه البلاد اليمنية في نشر السنة في كتبه ومؤلفاته ورسائله الكثيرة، الذي كان له الأثر الواضح الظاهر في ظهور السنة في فقهه. وكذلك تبين أهل هذه البلاد اليمنية أن هذا الإمام العلامة، كما سمعنا، قد بلي بلاء حسنًا، ومع هذه الفضائل وعلمه الغزير الذي يظهر في كتبه، وكذلك تجرده الظاهر الذي قل أن يوجد مثله في أهل العلم، مع ذلك من باب الأمانة والإنصاف، فإننا كذلك ننبه هنا أنه قد حصلت له بعض الأخطاء، وهو كغيره من العلماء يصيب ويخطئ، ويحسن ويسيء. وما من عالم إلا وله هفوة، وما من جواد إلا وله كبوة، وليس المراد من هذا في هذا المقام القدح والتنقيص من شأن هذا الإمام الفقيه المحدث العلامة، رحمه الله تعالى، ناصر السنة وقامع البدعة، ولكن المراد من ذلك الحذر وعدم الاغترار بما قد وقع في هذا الإمام على جلالته وفضله وعلو منزلته. فإنه لا يعني ذلك أن نأخذ كل ما قد جاء عنه، فإنه ربما يكون في ذلك الإضرار بطالب العلم، فمن الأمانة في مثل هذا المقام أن ينبه أنه على جلالته وفضله، رحمه الله تعالى، فإنه قد وقع في بابين، المراد منهما الحذر والتنبه، حتى لا يقع إنسان فيما وقع فيه، رحمه الله تعالى. الباب الأول في بعض مباحث العقيدة، وخصوصًا فيما يتعلق بمبحث الأسماء والصفات، فإنه متذبذب، رحمه الله تعالى، بهذا الباب، خصوصًا في أول أمره، ككتابه التفسير المسمى بفتح القدير، فإنه قد تأول في الصفات في عدد من ذلك من الكتاب. ومن قرأ ذلك من الكتاب ظهر له أنه كان من أوائل مؤلفاته، رحمه الله تعالى، ويعبر بذلك أنه كان يبرأ في كتب السنة ويطلبها، ولكنه لا يتيسر له الوصول إليها جملة، لما كان في واقع زمنه، رحمه الله، من انتشار كتب المعتزلة، ومن نسبة أئمة المعتزلة إلى أئمة أهل السنة. وهذا الذي ضل بسببه كثير من الأئمة والفحول، وعذر به المحققون من أهل العلم، من دلت قدمه في هذا الباب، فانظر إلى الإمام ابن حزم، رحمه الله وتعالى، على جلالته وعلو قدره، فإنه زل في هذا الباب، ومع ذلك وعظم وكبر زلته في هذا الباب، أي بباب العقيدة، حتى ذكر عنه الإمام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام، بأنه له بعض المقالات، ما فيها تجهم، ليس فقط تمشعر أو شيء من التأويل، بل كذلك في بعض مقالاته شيء من التجهم. ومع ذلك فقد عذره، رحمه الله تعالى، لأنه بالجملة كان يريد منهج أهل السنة وطريقة أئمة الحديث، فعذره بذلك، كما نقله، رحمه الله، في كتابه المنهاج، فذكر ابن حزم، رحمه الله، وقال: يُعذر ويُغفر له أنه لم يعرف طريقة أهل الحديث. قال: فإنه كان يقول: أنا على ما عليه الإمام أحمد، ولكنه للأسف جهل ما هو الذي كان عليه الإمام أحمد، رحمه الله. وهذا الكثير من العلماء كانوا يريدون طريقة أهل السنة بباب الاعتقاد جملة وتفصيلًا، لكنهم لا يتيسر لهم الوصول إلى هذه العقيدة السلفية جملة وتفصيلًا، بسبب قلة كتب أهل الحديث، وكذلك ندرة الوصول إليها، مع كثرة من ضل في هذا الباب، وغلطهم في تسمية مذاهب أهل الباطل من الأشاعرة والماتريدية ونحوهم، بأنه هو مذهب أهل السنة والجماعة في باب الصفات. ولهذا نبه الشيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، على هذا في كتابه «درء تعارض العقل والنقل»، بأن الناظر في كتب الاعتقاد والباحث في كتب الملل والنحل، يتعجب من كثرة النقولات التي ينقلها هؤلاء، إما في كتبهم، وكثرة الأقوال، ونسبة تلك الأقوال لقائليها، مع عدم ذكر قول أهل السنة في تلك الأقوال، حتى يظن الضعفاء أن قول أهل السنة إنما هو أحد هذه الأقوال المذكورة بالكتب، وليس كذلك. وأشار بذلك إلى الشهرستاني وغيره ممن ألف في الملل والنحل، فكان مثل هذا وغيره سببًا في زلة بعض هؤلاء الفحول وهؤلاء الأفاضل والجهابذة، لعدم استطاعتهم للوصول إلى الحق. ولكنه اضطلع مؤخرًا على عدد من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فصحح الكثير مما كان وقع في كتاباته المتقدمة في هذا الباب، فكان آخر ما قال كرسالته الصغيرة المختصرة العظيمة المسماة بـ«الحديقة في عقيدة السلف». ومن قرأ هذه الرسالة رأى فيها ذلك من نفس السلفي، وذلك من التصحيح الذي اختلف تمامًا عن كلامه ومنهجه فيما كتبه في تفسيره المسمى بفتح القدير، فهذا الملاحظ الأول في حياة وترجمة هذا الإمام الجهبد محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني، رحمه الله تعالى. فإنه كان، رحمه الله، على فضله وجلالته، قد وقعت له زلة في هذا الباب، صححها في آخر عمره، رحمه الله. وكتاب «السيل الجرار» كما تبقى كتاب عظيم في بابه، وهو بالجملة يشمل عقيدة أهل السنة والجماعة، إلا مواضع يسيرة، لكنها لا تخرجه بالجملة عن عقيدة أهل السنة والجماعة، كما نبه على ذلك العلماء المحققون في هذا الباب. والتنبيه الثاني مما ينبه عليه في منهج هذا الإمام الجهبد، رحمه الله تعالى، أنه كان في ضمن مواجهته للمخالفين للسنة من الشيعة، الذين عندهم من التعصب المذهبي ما لا يخفى على عامة الناس، فضلًا عن خاصتهم من طلبة العلم وعلمائهم، كان يواجه هؤلاء ويقابل ما عندهم من تعصب وما عندهم من انحراف في منهجهم الفقهي بأصول السلف والأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. ودفعه ذلكم الانحراف الفقهي عند أولئك القوم، وما به من توسع في باب الفقهيات، أن يميل كثيرًا ويجنح إلى مذهب الظاهرية، فإنهم هم الطرف الثاني في هذا الباب، فيجمع عنده، رحمه الله، في فقه بعض الملاحظات من جانبين: الجانب الأول كثرة اطلاعه ودراسته لكتب هؤلاء الشيعة، أدخل عليه بعض الأقوال، وضعف كذلك الآراء التي في الحقيقة أهل السنة في غنى عنها. ولهذا أنكر بعض أهل العلم على هذا الإمام الجهبد نقله في كتبه عن بعض هؤلاء الظلال من المعتزلة والشيعة، فينقل عن الزيدية وعن غيرهم في كتبه، مع أنهم ليسوا من أهل الفقه المعتبر عند أهل العلم. لكن يُعذر لذلك من وجهين: الوجه الأول أنه أراد بذلك أن يرد أقوالهم، فاحتاج أن يذكرها، والوجه الثاني أنه يعيش في مجتمع يعتمد هذه الأقوال، بل هو الفقه المعتمد في الزيارة اليمنية العليا، فاحتاج أن يذكرها، وكذلك يشير إليها في كتبه، رحمه الله تعالى. والمثلة الثانية مسألة ما وجد في كتبه، رحمه الله تعالى، من بعض الأقوال الشاذة التي هي من أقوال أهل الضلال، ويُعذر بذلك أنه أراد أن يدفع شر هؤلاء، الذين يفسدون الإسلام بذلك من التقليد والتعصب، بما نقل في كتبه من آراء الظاهرية، وهم أكثر الناس نقلًا للآثار واعتمادًا على الأدلة. فأثر ذلك فيه في إيجاد بعض الأقوال الشاذة، لكنه بالجملة فقهه، رحمه الله، من أحسن الفقه، ولا زال العلماء المحققون يحيلون ويشيدون بكتبه، رحمه الله. وكل من صدف وقرأ كتب هذا الإمام، علم واستيقن أنه سلك طريقة سلفية في معرفة مسائل الفقه، وعلم تمام العلم أن الإمام، رحمه الله تعالى، فبحاول بكل ما يستطيع من قوة أن ينصر الحق بمنهج أهل السنة والجماعة في باب الفقهيات. ولأجل هذا نبه بهذا التنبيه؛ لأنه سيمر بنا في خلال هذه الرسالة طرف من هذا الباب، مما يكون به إعذار لهذا الإمام، رحمه الله تعالى، فهو إعذار وتنبيه، إعذار حتى لا يظن إنسان بهذا الإمام الظن السيء، خصوصًا إذا تمعن من بعض أهل العلم بعض هذه الانتقادات، وكذلك تنبيه أن لا يتابع على خطأ، ويظن أن كل ما بالكتاب من أوله إلى آخره جملة وتفصيلًا صواب ليس به خطأ. لكن كما تبين بالجملة، بل في أكثر المسائل بالتفصيل، إن لم تكن جلها، هي على الطريقة السلفية لفهم الفقه، بل هو من أحكم الكتب الفقهية في ذكر مسائل الفقه. وأما هذه الرسالة التي سماها بـ«الدرة البهية» فهي رسالة مستوفية في مباحث الفقه، لم يجعلها، رحمه الله تعالى، شاملة لجميع تفاصيل الأحكام الفقهية، ولكنه جعلها لأهم المسائل الفقهية، خصوصًا التي مستندها الكتاب والسنة والإجماع. فلم يتعرض كثيرًا للمسائل الخلافية، وإن ذكر منها شيئًا، يذكر الشيء الراجح الذي دل عليه الدليل. وأما ما وقع به الخلاف مما هو في باب الأقيسة أو الاستصحاب أو غير ذلك من أجلة الكتاب والسنة والإجماع، غير هذه الأجلة الثلاثة، فإنه لم يعرج عليها في هذه الرسالة. بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد من أمرنا بالتفقّه بالدين، وأشكر من أرشدنا إلى اتباع سنن سيد المرسلين، وأصلي وأسلم على الرسول الأمين، وآله الطاهرين، وأصحابه الأكرمين. ابتدأ المؤلف، رحمه الله تعالى، هذه الرسالة بالبسملة، اقتداءً بكتاب الله عز وجل، وبرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في كتاباته، فإن الكتاب العزيز افتتح بالبسملة، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفتتح رسائله وكتبه بالبسملة، كما في حديث ابن عباس في قصة أبي سفيان حين أرسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتابًا إلى هرقل عظيم الروم، كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى هرقل عظيم الروم». فالرسالة أو الكتاب، هذا يدل على أن ما تركه المؤلف، رحمه الله، سلك به ما قد علمه مما هو متلقى من الكتاب والسنة، وتتابع عليه العلماء، فصاروا يفتتحون كتبهم ومؤلفاتهم بالبسملة، اقتداءً بكتاب الله، وبما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا ثنى بالحمد، قال: «أحمد من أمرنا بالتفقّه بالدين»، والتثنية بالحمد كذلك اقتداءً بكتاب الله، وكذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم القولية، التي كان يفتتح فيها بالحمد والثناء على الله جل وعلا. وثنى هذا الحمد بمعاني، كما يسمى عند أهل البلاغة «براعة الاستهلال»، فإن براعة الاستهلال أن يكون في مقدمة المقدم ما فيه إشارة إلى المقصود الذي يريد أن يتكلم به، فهذا فيه تهيئة وتوطئة للدخول في الموضوع. فهو قال، رحمه الله: «أحمد من أمرنا بالتفقّه بالدين، وأشكر من أرشدنا إلى اتباع سنن سيد المرسلين»، وهذا فيه إشارة إلى خصلتين: الخصلة الأولى التنبيه على أهمية التفقه في الدين، فإن الله عز وجل أمرنا بالتفقه في الدين، فأوجل ذلك بكتابه، وأوحى به إلى رسوله عليه الصلاة والسلام. فتكلم بمعنى ذلك، قال الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، وهكذا كذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث معاوية رضي الله عنه الذي في الصحيحين: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وهكذا كذلك إشارة في هذه التوطئة أخرى إلى أنه كما أنه أمرنا بالتفقه في الدين، كذلك أرشدنا إلى اتباع سنن المرسلين، أي أن التفقه في الدين ما يكون بالرأي، ولا يكون بالهوى، ولا يكون بالاستحسان، ولكن يكون باتباع سنن سيد المرسلين، يعني أنه يكون بالدليل والبرهان والحجة. وهذان أمران عظيمان ينبغي أن يعتنى بهما طالب الفقه: أولًا أن يهتم بأن هذا من الدين الذي أُمر بالأخذ به، فيهتم بالفقه، وثانيًا أن يعلم أنه لا طريق إلى هذا الفقه إلا بالدليل، وهذا وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة في التفقه في الدين. وهذا الأصل جلت عليه دلائل كثيرة. وقوله: «أو أشكر من أرشدنا إلى اتباع سنن سيد المرسلين»، اتباع سنن سيد المرسلين، وذلك كقوله سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. وكقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». وكقوله عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا: كتاب الله وسنتي». وهذا الأخير جاء من حديث العرباض عند الحاكم وغيره، بسند حسن، والذي قبله جاء عند أبي داود وغيره من حديث العرباض بن سارية في بعض طرفه. وقوله: «وأشكر من أرشدنا» فيه ما يجب أن يفرح به السني من الاضبطاط بالسنة والتوفيق إليها، فإنها من أعظم نعم الله عز وجل عليه، أن الله عز وجل وفقك لمنهج أهل السنة والجماعة، عقيدةً وفقهًا وسلوكًا وخلقًا ومنهاجًا في كل شيء، وفق إلى اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «اتباع سنن سيد المرسلين»، أي نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأصلي وأسلم على الرسول الأمين، وتنى بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، تنى بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، اقتداءً بفعله عليه الصلاة والسلام، بقرنه وقوله. وآله الطاهرين وأصحابه الأكرمين، وهذه اللفظة وإن كانت من ألفاظ الشيعة، لكن إذا عبر بها الإنسان وأراد معنًى صحيحًا، فإنه لا يؤاخذ بها، فإن الشيعة يريدون بهذه اللفظة القدح بغير آل البيت، كأنه لا طاهر إلا آل البيت، وأنه من سوى آل البيت فهو ليس من الطاهرين. ولهذا تجد الشيعة يحرصون على هذا اللفظ في ذكر آل البيت، ولكن إذا ذكر معهم كذلك الصحابة الذين يفتري فيهم الشيعة، فإنه يذهب هذا اللغو، وإن كان الأكمل لا شك ترك التعبير بالألفاظ التي يرغب فيها المعتزلة، خصوصًا إذا أرادوا بها مصدًا تيئًا. وقوله: «وآله الطاهرين»، عطف الآن على ذكر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، له أصل، له أصل في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو ما يذكر بعد التشهد، لكن الصحيح من أقوال أهل العلم أن المراد بالآل في التشهد ليس هم أهل بيته وخاصته، وإنما هم عموم أتباعه عليه الصلاة والسلام. فلما ذكرهم وذكر هذا اللفظ، ذكر بعضهم الأصحاب، ليكون الأول هم أهله، أهل بيته، والثاني هم أصحابه عمومًا، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ثم قال، رحمه الله تعالى: «باب»، أي هذا مدخل، فالباب لغة هو ما يدخل منه ويخرج، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام معينة في هذا الموضع. ولم يقسمه، رحمه الله تعالى، إلى كتب، لعله لأجل الاستيفاء، أو أنه لم يدخل في هذا الباب ما يجعله ينقسم ذات التنظيم الذي ينبغي أن يكون عليه، ويكمل به الكتاب. فقال: «باب»، أي مدخل لمعرفة أحكام معينة، ما هذه الأحكام؟ جعلها، رحمه الله، فيما يتعلق بأحكام المياه، فيما يتعلق بأحكام المياه. ولا أدري إذا كان في نسخ أخرى عُزي مقدمة كتاب الطهارة عندك، طيب. بعد هذه المقدمة القصيرة، كتاب الطهارة، طيب. يقول أحد الأقوال: في نسخة «كتاب الطهارة»، فعلى هذا، هذا الأكمل أن يذكر الكتاب أولًا، ثم يذكر الباب ثانيًا: «كتاب الطهارة»، هذا مكتوب في أحكام الطهارة، هذا مكتوب في أحكام الطهارة. والكتاب لغة ما قُطع في الفرقاط أو على الفرقاط لفظًا، ما قُطع على الفرقاط لفظًا. والعلماء يقسمون كتبهم إلى كتب وأبواب، لثلاثة فوائد، قد ذكر من ذلك ثلاثة فوائد: من يذكرها؟ مرت معنا في دروس ماضية. من يذكر هذه الفوائد الثلاث؟ واحدة: أنه يسهل لطالب العلم الاستمرار بهذا الكتاب، ويبعد عنه السآمة، فهو كالمراحل بالنسبة للمسافر، مسافر إذا قطع طريقًا ليت فيها موقف واحد، يشعر بالسآمة والملل، لكن إذا كانت فيها مواقف، فإنه ينشط للاستمرار، كلما انتهى من مرحلة رغب وتنشط للدخول في الذي بعده. وهكذا إذا قسم الكتاب إلى كتب وأبواب، فكل كتاب يتشوق الإنسان للدخول به، وإنهائه، فإذا أنهى، تشوق للدخول بالذي بعده. والفائدة الثانية: تسهيل حفظ العلم، تسهيل حفظ العلم، فإن العلم يُشفظ إذا سهل، لماذا؟ إذا سهل بتقسيمه. فإنك إذا جعلت أبواب الطهارة لوحدها، والصلاة لوحدها، والزكاة لوحدها، والنكاح لوحدها، والبيوع لوحدها، فإنك بهذا تستطيع أن تحفظ العلم، بالتنقل إلى طلب مرة طهارة، مرة صلاة، مرة نكاح، ثم بعده قليل، مرة طهارة، مرة صلاة، مرة نكاح، مرة بيوع، فإنك بهذا ما تستطيع أن تحفظ العلم، تختلف عليه المسائل والمعلومات، ولا تستطيع أن تخرجها وتحفظها. بخلاف إذا كان باب قاصر للطهارة، كتاب قاصر للطهارة، باب قاصر للبيوع، وهكذا، كتاب للبيوع، كتاب للطهارة، باب للمياه، ونحو ذلك. وذلك إذا التفتج هذا، ذكر التفتج، حفظ العلم، فهمه وحفظه، إذا كان ذكر الحفظ، يبقى الفهم، أن الفهم، فهم العلم وحفظه يكون كذلك بهذا التقسيم. التقسيم هذا يسهل حفظ العلم، كما أنه يسهل فهمه كذلك، هذه ذيل الفوائد، ذكرها العلماء في فائدة التقسيم، كتبهم إلى هذا. وقوله، رحمه الله: «الطهارة»، شيئًا الكلام عليه، إن شاء الله، لكن السؤال أولًا: لماذا قسم العلماء كتبهم إلى هذا التقسيم، وابتدأوا بكتاب الطهارة؟ والجواب: أنهم ابتدأوا بكتاب الطهارة، اعتمادًا على حديث جبريل عليه الصلاة والسلام، الذي يسمى بحديث مراتب الدين، فإنه جاء جبريل عليه الصلاة والسلام ليعلم الناس دينهم، فذكر فيه مراتب الدين، وأول ما ذكر من مراتب الدين الصلاة، وأول شروط الصلاة ماذا؟ الطهارة. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، حديث أبي هريرة بالصحيح، فهذا يدل: لا يقبل الله صلاة أحدهم إذا أحدد حتى يتوضأ، حديث ابن عمر: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، فهذا يدل على أن من أول شروط الصلاة طهارة، فلهذا ذكر العلماء في أول الكتاب كتاب الطهارة، استنادًا على حديث جبريل. ثم لأن الطهارة أول شروط الصلاة، وذكروا في كتاب الطهارة أول باب فيه الكلام على المياه؛ لأن الذي يريد أن يتوضأ أول ما سيبدأ سيبدأ بالماء، إذن لابد أن تعرف ما هو الماء الذي يجوز لك الوضوء به، وما هو الماء الذي لا يجوز لك الوضوء به، وكيف كذلك تعرف أنواع المياه ونحو ذلك من أحكام. فلذلك ذكروا هذا الفصل أو هذا الحكم في أول هذا الكتاب، طيب. لانتهاء الوقت، نكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله بالدرس اللاحق نقبل ما تبقى.