الدرس في كتاب الطهارة 17، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتوضيح صفة الوضوء ووجوب المضمضة والاستنشاق مستدلًا بالأحاديث النبوية، مع التفريق بين الوجوب والركنية في العبادة. يتم التركيز على أهمية هذه الأفعال في الوضوء.
يتطرق الدرس إلى تفاصيل الوضوء وأدلة وجوب غسل الأعضاء، مع شرح مفصل لحدود الوجه واليدين في الوضوء. كما يبين أن مسح الرأس مع الأذنين يجزئ في الوضوء.
يشرح المقطع تفاصيل مسح الرأس في الوضوء، ويوضح آراء الفقهاء حول إجزاء مسح بعض الشعر. كما يبين جواز المسح على العمامة أو الخمار للرجل والمرأة معًا، مستندًا إلى الأحاديث النبوية الصحيحة.
يتم ختام الدرس بعد شرح جزء من الموضوع، مع الإشارة إلى استكمال باقي الشرح في درس لاحق. تم ختام الدرس بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: ثم يرسل جميعًا وجهه، ثم يديه مع مرفقين، ثم ينسح رأسه مع أذنيه، ويجزئ مسح بعضه، والمسح على العمامة، ثم يغسل رجليه مع الكعبين، وله المسح على الجوربين. جعل هذا الكلام -رحمه الله تعالى- بذكره صفة الوضوء بعد أن ذكر التسمية وشيء من أحكامها. قال: ويتمضمض ويستنثر، وظاهر كلامه -رحمه الله- الوجوب، أي هذا الذي ذكره هو مما يجب؛ لأنه أخر -رحمه الله- المستحبات إلى الفصل الذي بعده أو الباب الذي يليه. نعم، الفصل الذي بعد هذا الباب، وقلنا أن الفصل هو كالملحق بالباب، وكذلك الاستثناء في الباب يعني مما له تعلق بالباب، ولكن له أحكام خاصة، ولهذا يجعل في فصل خاص. وأشار -رحمه الله- بالشرح إلى ما كان له دليل على الوجوب، وذكر أو أشار إلى مجموعة من الأدلة التي تدل على الوجوب، وبعض الأدلة التي تدل على الاستحباب، وأشار إلى ضعفها. فمما خلاصة ما ذكره مما استدل به على الوجوب حديث: «لقيت ابن صبرة أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: وذاك في الاستنشاق إلا أن تكون صائمة». وهذا الحديث حسنه شيخ الألباني -رحمه الله تعالى-. وقد جاء عنده -أبو داود- وغيره، وهو -إن شاء الله- حديث حسن، وله ألفاظ كثيرة. وكذلك في الصحيح المسند، فترى شيخنا -مقبل- رحمه الله في الصحيح المسند. وهذا من جهة اللفظ، وقد جاء له لفظ آخر كما أشار إليه بالشرح: «إذا توضأت فمضمض، إذا توضأت فمضمض». وظاهر هذا كذلك الوجوب، ولهذا ذهب بعض أهل العلم -كالإمام أحمد -رحمه الله- وإسحاق وجماعة إلى وجوب المضمضة والاستنشاق، خصوصًا في الغسل. فلذلك استدل المؤلف -رحمه الله- بهذا الحديث على وجوب المضمضة. وأما وجوب الاستنشاق، فاستدل بأحاديث بعضها لا يصح، وبعضها يصح. وخلاصة ما ورد هو ما جاء في الصحيح: «من توضأ فلينتثر». والانتثار هو إخراج الماء من الأنف، والانتثار يدل -إذا كان الانتثار واجبًا- فإنه يدل على أن الاستنشاق واجب؛ لأن الانتثار لا يكون إلا بالاستنشاق. وأما لفظ حديث: «من توضأ فليستنشق» الذي ذكره صاحب العمدة، وأشار إلى أنه في الصحيحين، فهو خطأ؛ بل هذا لفظ حديث عائشة عند الدارقطني، وهو ضعيف لا يصح. فعلى هذا يكون الصحيح من أقوال أهل العلم هو وجوب المضمضة والاستنشاق. لكن كما قلنا: فرق بين الوجوب وبين الركنية. فالواجب إذا سقط ليس كسقوط الركن؛ الواجب إذا سقط ليس كسقوط الركن، فهو واجب دل الدليل على وجوبه، لكن لم يدل الدليل على ركنيته. فمن نسي المضمضة والاستنشاق وضوءه صحيح؛ لأنه واجب ليس بركن. وهذا هو القول الصحيح الوسط بهذه المسألة. فقول من يقول: إنه ليس بواجب خلاف الصواب، وقول من يقول: إنه واجب وهو مثل الركن، هذا كذلك خلاف الصواب؛ بل الصواب أنه واجب، ولكنه ليس مثل الركن. وأشار -رحمه الله- لبعض الأحاديث التي عارض فيها من عارض من أهل العلم هذا الوجوب، منها حديث عائشة: «عشر من الفطرة». وهو بصحيح مسلم، لكن هذا الحديث حديث منتقد، وإن كان بصحيح مسلم، فهو من طريق نصعب بن الشيبة عن طلق بن حبيب عن عروة عن عائشة -يعني- مرفوعًا. وجاء عن جعفر بن إياس وسليمان التميمي روايتان موقوفتان عن طلق بن حبيب، ورجح عدد من الحفاظ الموقوف. قال شيخنا -مقبل- رحمه الله: والصحيح أن الحديث تم فيه الانتقاد، فهو موقوف على طلق. وقد جاء عند أبي داود من حديث عمار، لكنه موقوف؛ فابن أبي عمار لم يسمع من جده عمار. طيب، فالخلاصة أنه لا دليل في الحديث الذي أشار إليه -رحمه الله- وألمح إلماحًا خفيفًا على ضعفه، لقوله: وعلى فرض وروده -يعني- على فرض صحته، فإنه الصريح أنه لم يصح. وهذا حديث ابن عباس: «المضمضة والاستنشاق سنة». أشار -رحمه الله- إلى أنه رواه الدارقطني، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده إسماعيل بن مسلم، كما قال الدارقطني -رحمه الله- بعد أن أورد الحديث. فالخلاصة أن الحديثين السابقين يدلان على وجوب المضمضة والاستنشاق، لكن قلنا: فرق بين الوجوب والركنية. ثم قال -رحمه الله-: ثم يغسل جميع وجهه، ثم يديه. وقد جاء هذا بنص الكتاب والسنة، وقد جاء ذلك مبينًا بفعلي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في أحاديث كحديث عبد الله بن زيد، وحديث عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنهما- وغيرها من الأحاديث الكثيرة. وحد الوجه في اللغة، وكذلك في الشرع -على القول الصحيح- هو من منابت شعر الرأس في أعلى الرأس إلى أسفل الذقن إلى أطراف الأذنين، هذا هو حدود الوجه. وأدخل بعض أهل العلم ظاهر الأذنين من الوجه، وعلى هذا تدخل ظاهر اللحية من الوجه والشارب. وأما بعض اللحية فيدخل إذا كان ظاهرًا، وإذا كان غير ظاهر -إذا كانت اللحية كثيفة- فإنها لا تدخل؛ أي البشرة الداخلية للوجه التي هي تحت اللحية؛ لعموم الأدلة المشقة تجلب بالتيسير، وللدليل الخاص فيما يتعلق بتخليل اللحية. وهذا هو القول الوسط الذي تقتضيه الأدلة. ثم قال: ثم يديه مع مرفقين. وهذا كذلك بنص الكتاب والسنة؛ لما سبق، فإنه يغسل يديه إلى المرفقين؛ فما قال جل وعلا: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وإلى في القول الصحيح من أقوال أهل العلم الذي دلت عليه الأدلة الشرعية والقواعد اللغوية أن «إلى» تفيد إدخال المغسول؛ المغسولين «أيديكم إلى المرافق» فإنها تفيد إدخال المرفق في اليدين؛ أي يدخل المرفق في الغسل. قال: ثم يمسح رأسه مع أذنيه. ويجزئ مسح بعضه. وقوله: يمسح رأسه مع أذنيه؛ لأنه قد صح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن الأذنين من الرأس. قد حسنه الشيخ الألباني -رحمه الله- بمجموع طرقه، وإن كان أكثر طرق هذا الحديث فيها كلام، لكن بمجموع طرقه يصل -إن شاء الله- إلى درجة الحسن. وهكذا كذلك إذا غسل الأذنين مع الرأس، أو غسل بعض الأذنين مع الوجه، بعضها مع الرأس أجزأه ذلك. المقصود أنه يغسل أذنيه، هذا هو الأحوط والأكمل. قوله: ثم يمسح رأسه ويجزئ مسح بعضه. هذه الجملة ظاهرها أنه يقول بإجزاء مسح بعض الشعر، وهذا قول الشافعية والحنفية. ولكن الظاهر -والله أعلم- يحمل كلامه على مسح البعض إذا كان البعض الآخر عليه حناء أو ما كان بمعناه، فيكمل عليها. هذا الظاهر الذي أراده -رحمه الله تعالى-؛ لأن الذي دلت عليه السنة هو تعميم الشعر بالمسح، كما في حديث عبد الله بن زيد بأنه يقبل بهما ويدبر مرة واحدة. هذا الذي دل عليه الدليل الصحيح. وليس من السنة مسح الرقبة، ولم يرد حديث صحيح صريح يدل على مسح الرقبة؛ بل مسح الرقبة -على القول الصحيح من أقوال أهل العلم- من البدع المحدثة التي لم يعرفها سلف الأمة، ولا فعلها نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا أمر بها. قال: والمسح على العمامة. أي: ثم يجوز كذلك المسح على العمامة. فكان بهذا ذكر المؤلف -رحمه الله- ثلاثة أوجه لمسح الرأس: إما أن يمسح رأسه مع أذنيه، وهذا يدل على المسح الكامل للرأس. وإما أن يمسح بعض الرأس ويكمل على العمامة أو ما على الرأس مما هو بمعنى العمامة. وهذا كذلك دل عليه الدليل، كما أشار إليه -رحمه الله- في الشرح. وكذلك الوجه الثالث، وهو المسح على العمامة فقط. أما المسح على الرأس، والمسح على بعض الرأس والكفيل على العمامة فقد دل عليه الدليل الصحيح، كما قد أشار إليه بالشرح. وأما المسح على العمامة، فقد وردت فيه أحاديث، وأحسن وأصح ما روي هو ما جاء في حديث ثوبان أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بمسح العصائب والتساخين. والعصائب هو ما يربط على الرأس، والتساخين هو ما يربط على الرجل مما يحمي من الحر أو يحمي من البرد، وهو غير الجورب؛ بل يربط ربطًا ويلف لفه على الأرجل ليحميها من الحر أو ليحميها من البرد، فيجوز أن يمسح عليها. وهذا الحديث حديث حسن في قول أكبر أهل العلم، وقد أشار -رحمه الله- إلى ذلك في الشرح. وأما حديث بلال أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على الخفين والخمار، فأصله بصحيح مسلم، وهو حديث معلول، كما أشار إلى ذلك الحفاظ، ولكن معناه صحيح؛ يدل عليه حديث ثوبان المتقدم. فالخلاصة: هذه ثلاثة أوجه فيها تنوع أوجه المسح على الرأس. وليس من شرط العمامة أو ما على الرأس أن يلبس على الضهارة لخلاف الخفين، كما سيأتي -إن شاء الله-. وهكذا إذا جاز المسح على العمامة، فمن باب أولى أن يجوز المسح على الخمار بالنسبة للمرأة؛ يجوز للمرأة ثلاثة أوجه كما يجوز للرجل. الوجه الأول: مسح كل الرأس، تقبل بهما في اليدين وتدبر مرة واحدة، ومنها الأذنين. والوجه الثاني: أن تمسح على بعض الرأس وتكمل على الخمار، مثل الرجل في العمامة وما كان بمعناها. والوجه الثالث كذلك: أن تمسح على الخمار فقط. وقد وردت آثار تدل على صحة ذلك. فهذه ثلاثة أوجه. نكتب بهذا، ونكمل ما تبقى -إن شاء الله- بدرس لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.