الدرس في كتاب الطهارة 38، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ حكم قراءة الحائض للقرآن ودخولها المسجد، مستدلاً بعدم وجود دليل صحيح صريح يمنع من ذلك، ويرد على أدلة المخالفين. كما يفسر حديث النبي حول الطهارة وأحكامه، ويستعرض آراء أهل العلم في دلالته على أحكام الحائض والجنب.
يتناول المقطع حكم الدم النازل بسبب استعمال اللولب أو حبوب منع الحمل، ويوضح أنه إذا لم تتمكن المرأة من تمييزه، فالأصل أنه دم حيض إذا كان في أوقات الحيض، وقد يعتبر دم استحاضة مع استعمال هذه الوسائل.
يشرح المقطع كيف أن الضرورات تبيح المحظورات وتؤثر على الأحكام الشرعية، ويبين أن في حالات الضرورة يمكن أن تتغير الأحكام وتُرخّص المحظورات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مرة معنا في آخر ما تكلمنا عليه من مسائل باب الحيض، أحكام الحائض وأحكام المستحاضة، وقلنا: إنه سينبه في الدرس اللاحق، إن شاء الله، على بعض المسائل والأحكام التي يختم بها هذا الباب. فمن هذه المسائل والأحكام التي يختم بها هذا الباب أن المؤلف -رحمه الله تعالى- في ذكره لهذه الأحكام واتصاله عليها، إشارة منه -رحمه الله- أنه لا يلزم الحائض أحكام أخرى، أي: لا يلزم الحائض أشياء أخرى، فإنه قال بالنسبة للحائض: لا تصلي ولا تصوم ولا توطأ، وعلمنا جل ذلك حتى تغتسل وتقضي الصلاة والصيام، ليس الصلاة كما مر معنا تفصيل ذلك. وهذا معناه إشارة منه إلى أنه لا يلزمها غير هذا المذكور. ونريد بهذه الإشارة أن ننبه على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن الحائض لا تقرأ القرآن ولا تدخل المسجد، فهذا قول مرجوح، ولو قال به جمهور أهل العلم، فإنه لا يوجد دليل صحيح صريح يمنع من ذلك، بل دلت الأدلة بعمومها وبعض خصوصها على جواز ذلك. وقد أجاب بعض المحققين من أهل العلم على ما ورد من أدلة استدل بها جماعة من أهل العلم، وما ينسب إلى جمهور أهل العلم في المنع. وأعظم ما يستدلون به قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر». فأما الآية، فتفسير هذا مجمع عليه من عدد من السلف أن المراد بـ «لا يمسه» الضمير يعود على اللوح المحفوظ، وليس على القرآن، وهذا هو الصحيح، ويؤيده قوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فإنهم الملائكة كما جاء عن ابن عمر وغيره، وليسوا بني آدم. وفرق بين طاهر ومطهر، فالمطهر مطهر من أصله، وبني آدم الطهارة صفة كسبية، وليست صفة أصلية. مطهر صفة أصلية، وطهارة الإنسان مكتسبة ووصف مقيد، ولا يوصف بأنه مطهر، بل يوصف بأنه طاهر. وهكذا كذلك أجيب عن الحديث بأن الحديث به ضعف أولًا، وعلى تقدير صحته، فإنه يفسر بأنه لا يمسه إلا طاهر، أي: إلا مؤمن. وهذا التفسير أصح من قول بعض أهل العلم أن المراد به إلا طاهر، أي: من الحدث الأصغر والأكبر، وذلك لأمور: الأمر الأول أن الحديث جاء في كتاب النبي -عليه الصلاة والسلام- لأهل اليمن، وأهل اليمن ليس لهم خصيصة حتى يخصوا بهذا الحكم، إلا كون فيهم أهل كتاب، فيرجح أن المراد بهم مؤمن، وليس طاهر من الحدث. ويؤيد ذلك أنه لم يرد في حديث واحد آخر أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أهل مكة أو أهل المدينة بهذا المعنى، مع أن أهل مكة أو أهل المدينة أحوج لهذا الحكم من أهل اليمن. ولم يذكر ذلك، أي: لم يذكر هذا الحكم في أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- وأحكام الطهارة ونحوها، فيما يتعلق بمن في مكة والمدينة، وهم أهل الإسلام، وهم أحوج بهذا الحكم من أهل اليمن، فعين بذلك أن القول الراجح لتفسير هذا الحديث، على صحته، أن المراد به مؤمن، وليس المراد به طاهر من الحدث الأصغر أو الأكبر. وأهل العلم كذلك استدلوا بذلك في هذا الموضع لبعض الآثار المروية عن بعض الصحابة. وعورضت بأن هذه الآثار عورضت بأشياء أخرى منقولة تدل على خلاف ما دلت عليه هذه الآثار. فمن ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «كان يذكر الله على كل أحيانه». وهذا عام يشمل الحدث الأصغر والأكبر. ومن ذلك قراءة القرآن، ويدل على ذلك كذلك حديث عائشة، بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت». والحاج يقرأ القرآن، ولم يمنعها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من قراءة القرآن. وهكذا كذلك بالنسبة لدخول المسجد، يستدلون بحديث: «أنه لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». والحديث ضعيف في إسناده من جسر بنت دجاجة، وهي ضعيفة. وفيه علل أخرى. ومع ذلك ثبت ما يخالفه. فمما يخالفه ما جاء في البخاري من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لعائشة: «ناوليني الخمرة من المسجد». قالت: يا رسول الله، إني حائض. قال: «إن حيضتك ليست في يدك». وهذا صريح على أن عائشة دخلت المسجد وهي حائض. وهذا إن دل على شيء، دل على جواز هذا الأمر. ومع هذا لا يعني ذلك التساهل فيلوث المسجد، ولكن معناه أن المرأة إذا دخلت، دخلت متحفظة، ولا تدخل إلا لحاجة لابد منها. وعلى هذا المعنى اعتزال الحيض للمصلى في حديث أم عطية، لأنهم استدلوا بهذا الحديث أنه لا معنى لاعتزالهن للمصلى إلا أنهن لا يجوز لهن الدخول إلى المسجد. وأجيب عن ذلك بأوجه: الوجه الأول أن مصلى العيد ليس بمسجد أصلا، مصلى العيد ليس بمسجد، ولو كان مسجدًا لوجبت له تحية المسجد، ولم تجب، فهو ليس بمسجد. وأجيب ثانيًا بأن هذا المعنى يوجد له معارض، وهو معنى أول منه، وهو أن المرأة عدم التلويث، لا حرمة المكان، إذ أن المكان لا حرمة له، فالمرأة تمر بهذا المصلى، تمر بهذا المصلى، ولا كراهة، نعم، ولكن المراد هو مضنة التلويث، هذا أقل ما يمكن أن يقال بهذا الموضع. فكيف إذا صار هذا الدليل محتملًا وعورض بذلك الدليل الصحيح الصريح فيما مر، وصح في البخاري أن عائشة -رضي الله عنها- دخلت المسجد وهي حائض، فهذا يدل على أن هذا لا بد أن يكون له معنى آخر. ثم إنه ينبه على بعض المسائل اليسيرة التي يبتلى بها بعض النساء، ويحتاج أن ينبه عليها، كما يقال: ينتبه لها، والعلم بالشيء خير من الجهل به. وذلك أننا علمنا أن الدم الذي ينزل من المرأة إما دم حيض أو دم استحاضة، وبمعنى دم الحيض دم النفاس. وقد يشكل على بعض النساء بعض الدماء، وقلنا: إنه إذا أشكل ولم تعرف، فالأصل هو أنه دم حيض، إلا إذا دلت القرينة على أن هناك ما يدل أنه ليس بدم حيض. ومما يضرب مثالًا في هذا الموضع ما يفعله بعض النساء من استعمال اللولب، فكثير من النساء التي تستعمل اللولب يبتلين بالنزيف ونزول بعض الدم قليلًا أو كثيرًا، ولا تدري ما هذا الدم، هل هو دم حيض أم هو دم استحاضة؟ وربما استمر معها هذا الدم، فإذا استمر لا شك أنها تأخذ كما سبق بعادة إذا لم يتميز لها الدم، وتجعل الباقي استحاضة. لكن الإشكال إذا كان وقع في مضان أوقات الحيض، لأن وقت الحيض أحيانًا عند المرأة يتقدم قليلًا أو يتأخر، فكيف تصنع؟ فإذا لم تستطع أن تميز كما قلنا، فالأصل أنه دم حيض، إلا بهذا الموضع، فإنه غلب أو كثر أن هذا الفعل يهيج نزول الدم، فإذا لا تعتمده حيضًا حتى يدخل وقت الحيض اليقيني. فمثلًا إن كان الدم أتاها قبل وقت الحيض أو في أيام اتيان الحيض الذي يأتي أحيانًا في يوم السادس، وأحيانًا يأتي في يوم السابع، واليقين يأتي في يوم التاسع، فبدأ بيوم السادس، فلا تعتبره شيئًا، السابع لا تعتبره شيئًا، حتى يأتي يوم التاسع الذي هو يوم اليقين الذي يأتي فيه معها الحيض، فإنها تعتبر به. مع التنبيه إلى أن هذه الأشياء في الحقيقة تضر، فكثير من النساء يشتكين من هذه أو هذا ما يسمى باللولب، بل بعض النساء تضررن بالعقم، أصيبت بالعقم بسبب هذا اللولب، يحصل لها احتقان في مجاري الولد، فينسد، تنسد عليها المجاري بسبب هذا اللولب، وبعضهن تتسبب بجراح وغير ذلك. والواجب على المسلمة أنها تجتنب ما يضرها إذا ثبت أن هذا يضر، وإذا ثبت أن الضرر يأتي من بعض الأشياء، فهذا شيء آخر. مع أن هذا كذلك فيه مفسدة أخرى، والتكشف على العورات في غير ضرورة في الغالب. أما إذا وجدت الضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات. والأمر الثاني كذلك مما يشبهه استخدام الحبوب، حبوب منع الحمل، فإنه كذلك يجعل المرأة تضطرب في أمر دم الحيض، والكثير من النساء يسألنا ويشكل عليهن أمر الدم بسبب هذه الحبوب. وكذلك يقال فيه بمثل ما قيل في الذي قبله. وكذلك يحذر من آثاره وأضراره كما حذر بالذي قبله. وعلى المسلمات والزوج المسلم والأب المسلم أن يحرص على أن يعتني بهذا الباب بسؤال أهل الخبرة المأمونين، فإنه ربما تضرر أو تضررت هذه المرأة بسبب عدم التثبت في هذا الباب، ربما والنساء تصاب كذلك بالعقم بسبب هذه الحبوب، تتمنى الولد بعد ذلك فلا تستطيع أن تأتي بالولد. فإن قال قائل: كيف تصنع المرأة إذا احتاجت إلى أن تؤخر الحمل لسبب تتابع الولادات والرضاع؟ إذا احتاجت أن تؤخر، أجاز العلماء التأخير بحقوق الرضاع سنتين إذا كان لتنظيم، ليس لضرر. وممكن أن تستعمل العزل، وممكن أن تستعمل كذلك بعض الأعشاب الطبيعية التي يعرفها بعض النساء ويعرفها بعض أهل العطارة ونحو ذلك مما يؤخر الحمل، وهذا لعله الأرفق بها من الحبوب، ومن كذلك هذا اللولب. وكذلك إذا وقعت الضرورة، يجوز لها أن تؤخر أكثر من ذلك، والضرورات تبيح المحظورات. وبهذا ننتهي إن شاء الله من هذا الباب، ونكمل إن شاء الله باب النفاس في درس قادم. والحمد لله رب العالمين.