الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 9، الدرس التاسع:من( ويحل للمحرم بعد التحلل كل شيء حتى عقد النكاح ... أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف توضأ فهذا لا يدل فإنه كان يتوضأ لكل صلاة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع مسائل الحج من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، ويشرح تفاصيل السعي للمتمتع والقارن والمفرد، وحكم التحلل الأول للمحرم. يبين حكم من أتى أهله قبل أو بعد التحلل الأول، ويشرح مسألة التعجيل في المبيت في منى.
يناقش حكم طواف الوداع لمن خرج من مكة لغير الحج، ويبين أنه خاص بالحجاج فقط. يتناول بعض البدع المرتبطة بالطواف مثل الرجوع إلى الوراء عند الخروج من المسجد الحرام واعتمار الحاج في مكة.
يُناقش حكم تكرار العمرة في رمضان أو بعد الحج، ويُوضح أن تكرارها بدون سفر جديد يُعتبر بدعة. كما يناقش حكم الوضوء قبل الطواف، ويستدل على أن الوضوء للطواف ليس بواجب، ولكن قد يكون مستحباً عند بعض أهل العلم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق، مرت علينا مسائل من مسائل الحج من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، مما ذكره عنه البعلي، رحمه الله تعالى. وكان آخر ما وقفنا عليه الكلام على السعي بالنسبة للمتمتع، وعلمنا في ذلك تفصيلا. ما خلاصة التفصيل في الكلام بالنسبة للسعي للمتمتع والقارن والمفرد؟ سعيان أم سعي واحد؟ نعم، الخلاصة عند من؟ عند من عازم على الحج هذه السنة، إن شاء الله؟ السؤال عنده: ما في حجي جمعنا؟ أو عند السؤال: ذهبوا الحجاج. عند من الجواب؟ على المتمتع سعيان، نعم. والقارن والمفرد سعي واحد، على الصحيح. بالنسبة لي، القارن والمفرد لا خلاف بأنه لا يسعى إلا سعي واحد. لصراحة ما ورد من الأدلة، قال رحمه الله تعالى: "ويحل للمحرم بعد التحلل الأول كل شيء حتى عقد النكاح". هذا منصوص أحمد، إلا النساء. وهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم. وأشار البعلي، رحمه الله، إلى اختيار شيخ الإسلام في هذه المسألة. فقوله: "ويحل للمحرم بعد التحلل الأول كل شيء" كما تقدم، لحديث عائشة وغيرها من الأحاديث. طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل إحرامه، وحين رمى جمرة العقبة. معناه دلت عليه الأحاديث الصحيحة في صحيح مسلم، وفي غيرها. وقوله: "حتى عقد النكاح" يعني أنه يدخل في معنى ما يحل للمحرم؛ لأنه ورد معنا. وقد سبق حديث عثمان في النهي عن ذلك. قال: "هذا منصوص أحمد" يعني الذي روي منصوصا عليه، لا تخريجا. وهو قول المذهب. بل هي رواية صحيحة، ونص عن الإمام أحمد. "إلا النساء" يعني مما استثني في ذلك، كما مر معنا، للآثار الكثيرة المروية في هذا الباب. فإنه لا يجوز للمحرم، ويجوز للمحرم أن يأتي امرأته حتى يطوف بالبيت، فيتم له بذلك الحج كاملا. ويدل على ذلك الآثار المروية في هذا الباب، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في قصة صفية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد منها ما أراد، فقالوا له: إنها لم تطف، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أحابستنا هي؟ حلقا". وهو لفظ يذكر في مثل هذا المقام، مما يقع فيه الشيء خلاف الصواب. يعني: لماذا أخرت الطواف؟ ظن النبي عليه الصلاة والسلام أنها لم تطف طواف الحج. فلما علم أن مرادهم طواف الوداع، بيّن عليه الصلاة والسلام أنه لا حرج عليها أن تنطلق من دون طواف الوداع، فأمرهم بالانطلاق. فأفاد الحديث أولا: أن من لم يطف طواف الحج، لا يجوز له أن يأتي امرأته، ولا يجوز كذلك لها أن تأتي زوجها. ودل ثانيا: أن من لم يطف طواف الوداع، فلا حرج عليه أن ينطلق، إن كان به ما فيه الحرج، من مرض أو غيره. ومن ذلك: الحائض والنفساء، كما قال ابن عباس. إلا أنه خفف عن الحائض. وهكذا كذلك أفاد أشياء أخرى. وهذا أهمها فيما يتعلق بهذا الموضع خاصة. ومر معنا أثر ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمر -عبد الله بن عمر اثنان- فكلهم روي عنهم معنى الفدية: فيمن أتى أهله بعد التحلل الأول، ومن أتى أهله قبل التحلل الأول. ماذا عليه؟ سبق معنا ماذا عليه؟ نعم. واحد: الفدية. وأن يعيد الحج. ثلاثة أشياء: من أتى أهله قبل التحلل الأول، فعليه ثلاثة أشياء: إتمام الحج للآية، و"أتموا الحج والعمرة لله". وثانيا: عليه كذلك الفدية، وهو أن يذبح بدنة. وثالثا: أنه عليه كذلك أن يعيد هذا الحج مرة أخرى؛ لأنه أفسده بهذا الفعل، وهو محظور من أكبر محظورات الحج. وأما من أتى أهله بعد التحلل الأول، فعليه أمران: الأول: إتمام الحج للآية. والثاني: الفدية. فإن لم يستطع الفدية، فماذا عليه؟ قال بعض أهل العلم: يسقط عنه. وقال بعضهم: بل عليه أن يخرج مكانه بقيمته طعاما. فإن لم يستطع، قوم هذا الطعام صياما. قوم هذا الطعام صياما. وقد رويت في هذا بعض الآثار، قياسا على الصيد. وهذا هو الأحوط، والله أعلم. قال رحمه الله: "وليس للإمام المقيم للمناسك التعجيل لأجل من يتأخر". قاله أصحابنا. وإن خرج إنسان غير حاج. فظاهر كلام أبي العباس: لا يودع. من نظر إلى هذه العبارة أشكل عليه معناها. "وليس للإمام المقيم للمناسك التعجيل". ما هو التعجيل المقصود ها هنا؟ لكن من عرف أعمال الحج، تبادر إلى ذهنه أن المراد بالتعجيل: أي التعجيل في المبيت في منى. وثانيا: من عرف المصدر الذي يأخذ منه هذا الإمام البعلي، رحمه الله، ورجع إليه، عرف وتيقن معنى هذه العبارة. فالبعلي يأخذ كثيرا عن تلميذ شيخ الإسلام، ابن مفلح، رحمه الله. ويأخذ عنه ذلك من كتابه "الفروع". فالبعلي -المتوفى في ثمانمائة وثلاثة- أكثر في هذه الاختيارات من النقل عن ابن مفلح -المتوفى في سبعمائة وثلاثة وستين- من نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله. فابن مفلح كثيرا ما ينقل في "الفروع" اختيارات شيخه، شيخ الإسلام، فيقول: "وهو قول شيخنا". وقال شيخنا. وغير ذلك من العبارات. فيأتي البعلي فيأخذ هذه الاختيارات التي نقلها ابن مفلح، ويجعلها في هذا الكتاب. وهكذا من مواضع أخرى، بعضها من مواضع أخرى. فإذا هذه العبارة قد ذكرها ابن مفلح في "الفروع" بنصها، ولكن ذكرها في سياق كلامه على مسائل التعجيل، أي في المبيت في منى. فقوله: "وليس للإمام المقيم للمناسك التعجيل لأجل من يتأخر". لا يفعل ذلك الإمام؛ حتى لا يحرج على الناس، ولا كذلك يحبط عليهم حرصهم في الخير. فالله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. يجوز للحاج أن يتعجل في يومين، أي من أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، بعد يوم العيد، وهو العاشر. ويجوز له أن يتأخر، أي ثلاثة أيام من أيام التشريق، بعد يوم العاشر، فيزيد الثالث عشر. وهذا هو الأفضل، بنص الآية، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، لمن اتقى. فإذا قوله: "وليس للإمام المقيم للمناسك التعجيل لأجل من يتأخر". أفاد أولا: أنه لا ينبغي أن يفعله بهذا القيد، أي قيد دفع الناس للتعجيل؛ لأن في هذا فعل منه يكون فيه إضرار على من يريد التأخير، وحرمان لهم من الأجر. وربما يكون مع الزمان إماتة لسنة التأخير. أما إذا جرى للإمام عارض، فلا حرج عليه أن يتعجل. أو كان هذا الإمام ليس هو المقيم للمناسك، يعني ليس محل اقتداء وإتساء، وليس الحجاج يأخذون منه، فإنه كذلك لا حرج عليه. وقوله: "قال أصحابنا" يعني في مذهب الحنابلة. وإن كان بعض أهل العلم يرى الأولى ترك مثل هذه العبارات التي تفضي إلى معنى المذهبية المقيتة، من التعصب لأقوال. وبعضهم يقول: هو من الاصطلاح الذي يحصل به التمييز، ولا حرج، ولا مشاحة في الاصطلاح. قال رحمه الله تعالى: "وإن خرج إنسان غير حاج". فظاهر كلام أبي العباس: "لا يودع". ومعنى كلامه: "وإن خرج إنسان غير حاج" أي لغير الحج، سواء أكان هذا الغير عمرة، أو كان هذا الغير زيارة من غير حج ولا عمرة. فهل يلزمه التوديع؟ أي التوديع بالبيت، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "ليكن آخر عهدكم بالبيت الطواف". في هذا خلاف بين أهل العلم. واختيار شيخ الإسلام -كما نقله هاهنا، رحمه الله، وذكره غيره من تلاميذه، أي من تلاميذه شيخ الإسلام- أنه ليس عليه طواف وداع. وهذا هو الصحيح؛ لأن النص الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام إنما ورد في الحج. وقد تكررت للنبي عليه الصلاة والسلام أربع عمرات، واعتمر أصحابه كذلك، ولم يثبت في حديث واحد أنه عليه الصلاة والسلام علم أصحابه طواف الوداع. ولو كان سنة، فضلا عن واجب، لعلمهم عليه الصلاة والسلام. فلما لم يرد مثل ذلك، علم أن الأصل في هذا الباب العدم. وأما قول من قال من أهل العلم: فيما جاء في بعض روايات حديث يعلى بن أمية: "واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك". فليس فيه دليل على هذه المسألة. فهو -لو صح من جهة دلالته على الحج- لم يصح دلالته كذلك على العمرة. ولا شك أن الاستدلال بالعموم في موضع خاص، وليس مما يكون به الصواب. بل روي على الإمام أحمد، رحمه الله، أن أكثر الخطأ يقع من المجمل والقياس. وهذا من المجمل، من الاستدلال بالمجمل. قال رحمه الله: قال وذكر ابن عقيل، وابن الزاغواني: "قال: لا يولي المودع البيت ظهره حتى يغيب". قال أبو العباس: "هذا بدعة مكروهة". ومعنى "يولي" يعني يرجع إلى الوراء، ولا يعطي البيت ظهره. فهذا خطأ، بل هو من البدع والمحدثات. ونبه على ذلك؛ لأن بعض الفقهاء -بجهلهم وتقليدهم- ذكر ذلك، كأنه سنة. وأنتم ترون الكثير من العامة، من الحنفية والشافعية وغيرهم، إذا خرجوا من البيت الحرام، ودعوا -أي طافوا طواف الوداع- فإنهم لا يخرجون إلا القهقراء، يعني لا يعطون البيت ظهورهم. وإذا سئلوا، قالوا: ذكر هذا بعض الفقهاء. و"بيت الله أحق بالتعظيم من الملوك". فيقال: هو خطأ مع الملوك، وهو كذلك خطأ مع بيت الله؛ لأن الله لم يأذن به، ولم يشرعه. فلم يؤذن لكم أن تفعلوه مع ملوككم، ولم يؤذن لكم أن تفعلوه كذلك مع بيت الله. وهذا الباب توقيف، لا يتعد فيه القرآن والحديث. فلا يجوز التعبد لله بشيء لم يأذن به الله سبحانه وتعالى. ولهذا نبه شيخ الإسلام، رحمه الله، على مثل هذا العمل. قال: "ويحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقا". كذلك ذكر هذا، تبعا لما ذكر هذه البدعة التي فيها الغلو، الذي يكون مدعاة للوقوع في الشرك. فإن الغلو من أعظم ما أهلك الأمم السابقة. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. وهو كذلك مما أهلك بعض من في هذه الأمة، باتباعه لسنة من ضل من أهل الكتاب وغيرهم. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو، قال: "إياكم والغلو". فنبه بعدها على هذه المسألة، وهي كذلك قد تقع من باب الغلو في غير البيت. فقال: "ويحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقا"؛ لأن الطواف عبادة، ولا يجوز صرف العبادة لغير الله. قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. فدل هذا السياق على الحصر. فلا يجوز التطوف بغير البيت العتيق. أولا: لأنه عبادة. وثانيا: لأنه ورد بصيغة الحصر، بصيغة تشعر بالحصر. فذلك مما يتبين به حرمة الطواف بغير البيت. بل هو من الشرك. فمن طاف بقبر أو تابوت أو غير ذلك، حتى ولو كان ذلك قبر نبي أو غيره، فهو من الشرك بالله عز وجل. وقول: قال رحمه الله: "واتفقوا أنه لا يقبله ولا يتمسح به". فإنه من الشرك، والشرك لا يغفره الله، ولو كان أصغر. كذلك تبع للطواف بغير البيت. فلا يجوز أن يقبل غير البيت، ولا يتمسح به -المسح هكذا على الكف، أو حتى أصبع واحدة- أي على وجه التعبد. فإنه من الشرك، والشرك لا يغفره الله، ولو كان أصغر. وفيه دليل أن هذه الأعمال قد تكون شركا أصغرا، وقد تكون شركا أكبر. الشرك الأكبر: أن يفعل ذلك على وجه التعظيم والمحبة والخضوع والذل، الذي ينافي ما هو لله سبحانه وتعالى من الإخلاص له بذلك. فإن زاحمه ونافاه، فهو الشرك الأكبر. وأعظم من ذلك: أن يكون معه رجاء الخير والطمع في ذلك. وكذلك الرهبة من الشر، ورجاء أن يدفع ذلك: هذا المتمسح به، أو المقبل، أو المطاف به. فإن كان معه القصد بمعنى النفع والضر، فهو الشرك الأكبر. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو. فإن فعل ذلك على وجه التقليد، ليس في قلبه تعظيم ولا محبة، فيها غلو، ولكنه يجاري المجتمع. وربما فعله حياء ومجاملة -كحال الكثير من الناس الذين يخالطون أو يبتلون بمثل تلك المجتمعات الشركية الوثنية- تجد مسؤولا من المسؤولين يدعى إلى أحد الزيارات، فيطلب منه أن يؤدي مناسك الزيارة. ومن ذلك: ربما يطوف، أو يتمسح، أو يقبل، أو يأخذ خرقة أو غير ذلك. فيفعله مجاملة. هذا شرك أصغر، وهو أعظم من الكبائر. الشرك الأصغر أعظم من الكبائر. فلا يجوز أن يفعل ذلك. وأما إن فعله، وهو في قلبه شيء من التعظيم لهذا الذي يقبله ويتمسح به -تعظيما وإجلالا وخضوعا وذلا ينافي الإخلاص لله عز وجل في هذه العبادات- فإنه يكون من الشرك الأكبر، فضلا أن يكون عنده رغبة ورهبة في هذا الذي تعلق قلبه به. قال رحمه الله تعالى: "ويكره الخروج من مكة لعمرة تطوع". وذلك بدعة، لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه في عهده، لا في رمضان ولا في غيره. ولم يأمر عائشة بها، بل أذن لها بعد المراجعة، تطيبا لقلبها. وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقا. وخروجه عند من لم يكرهه على سبيل الجواز. وهذه مجموعة من المسائل تتعلق بعمرة التطوع. فالصحيح أنه لا يشرع، ولا يستحب. بل كما قال: "وذلك بدعة". فلا يستحب، فضلا أن يقال: أنه يجوز. بل على الصحيح: أنه بدعة. أن يأتي الحاج بعمرة، سواء في ثنايا حجته أو بعد حجته. فما يفعله الكثير من العامة من تكرار العمرات في وقت الحج، هو من البدع المنكرة التي لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام ولا صحابته. وهي غير مقبولة. تجد أحدهم إذا فعل عمرة الحج، يأتي مثلا في شهر ذي القعدة، فيفعل عمرة الحج، يتحلل منها، ثم يستمر من ذاك التاريخ إلى يوم الثامن -يوم الابتداء في الحج، أي الثامن من ذي الحجة- وهو يأتي بعمرات لا تعد ولا تحصى. حتى بعضهم يكاد أن يهلك نفسه. ربما يأتي في اليوم بخمس عمرات، يذهب ويأتي، ويذهب ويأتي. ومسجد عائشة: زحمة الناس، مكثورون على مسجد عائشة. وبعضهم ربما قطع رأسه -كالقطع- كأنها قطع أراضي. فيكون فيه مخالفات شرعية كثيرة. يعمل حلقة في الجبهة، جزء من الجبهة في المقدمة، ثم العمرة الثانية التي بجانبها، والثالثة والرابعة. قد قسم رأسه قطعا، على قدر العمرات التي يرجوها. فصار عبثا، وكذلك تشويها، ومخالفة للسنة، وغير ذلك، مع ما فيه من فعل العمل الذي لم يشرع، بل هو من البدع، كما نص عليه أهل العلم، وكما ترون كلام شيخ الإسلام في ذلك، وغيره من أهل العلم. وهكذا كذلك على الصحيح، حتى بعد الحج. فإن استدل مستدل بحديث عائشة، بيّن شيخ الإسلام، رحمه الله، هاهنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أولا لم يأذن لها من أول الأمر. بيّن لها أن طوافها يغنيها عن حجها وعمرتها. فلما أبت وبكت، أذن لها أن يذهب معها أخوها عبد الرحمن. فدل ذلك -كما قال العلماء- على القول الصحيح: على الجواز، لا على الاستحباب. المستحب: أن من كان حاله كعائشة، فلا يأتي بعمرة، بل يكفيه أن يكثر من الطواف. فذلك بمثابة العمرة والزيارة. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. وهذا أفضل من العمرة. لو سأل سائل: أنا أريد أجرا أكثر. فيقال: الأجر الأكثر بالطواف. طف، وكل طواف ركعتين، بمثابة العمرة. ولا حاجة لك لعمرة. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أذن لعائشة؛ لأنها لم تأت بعمرة. ولهذا قال العلماء: من كان حاله كحال عائشة -يعني أتى بحج فقط، سواء أكان مفردا أو كان متمتعا للضرورة، أدخل العمرة في الحج مثل عائشة- أو كذلك من كان بمعناها، كرجل مريض، ما استطاع أن يأتي بالعمرة. فيجوز له، ولا يستحب. فرق بين أن نقول: يستحب، وبين أن نقول: يجوز. يجوز له أن يأتي بعمرة بعد الحج، ولكن يخرج لأدنى الحل: التنعيم، أو عرفة، أو غير ذلك. وليس شرط التنعيم، لكن كون النبي عليه الصلاة والسلام كان بالقرب من التنعيم؛ لأن طريق المدينة بجانبه. فأمر عائشة أن تعمر من قبل أخيها عبد الرحمن، من التنعيم. فما يظنه بعض العام -ما هو الكثير- حتى من طلبة العلم: أن العمرة إنما تستحب، ولا تصح إلا من التنعيم. هذا خطأ. إذا كانت العمرة على الوجه المشروع، فهي من أي مكان من الحل. فمن كان في جهة التنعيم، فمن التنعيم. ومن كان في جهة عرفة، فمن عرفة. ومن كان في أي جهة أخرى، فمن تلك الجهة. أهم شيء: يخرج إلى أدنى الحل، أي أقرب الحل. فقوله رحمه الله: "ويكره الخروج من مكة لعمرة تطوع". على ما تقدم. "وذلك بدعة". لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه في عهده، لما تقدم، لا في رمضان ولا في غيره. يعني لا يشرع ذلك، لا في الحج، بل ولا كذلك في رمضان. وهكذا هذا الخطأ، وهذه البدعة تتكرر في رمضان. بعض الناس يأتي في أول رمضان، يأتي بعمرة، ثم يستمر كل يوم يأتي بعمرة. بل ربما في اليوم أتى بأكثر من عمرة، حتى ينتهي الشهر. وهذا خطأ. فلو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عمرة في رمضان كحجة معي". وأنا أريد أجر حجات كثيرة. فيقال: إنما الأجر بموافقة السنة. فقليل في اقتصاد خير من كثير واجتهاد يكون عليك مردودا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد". أي مردود عليك. فلذلك لا يستحب في رمضان تكرار العمرة، إلا ما استثناه أهل العلم فيما إذا أنشأ سفرا جديدا، وكان بين السفرتين قدر ما ينبت فيه الشعر. يعني بعضهم قال: عشرة أيام. ويروى عن إمام أحمد، قال: "حتى يسود أو يتفحم الرأس". قدره بعضهم بعشرة أيام. فإن مضى بين العمرتين عشرة أيام، أجاز بعض أهل العلم أن يأتي بعمرة أخرى. وإن كان الأفضل والأكمل ألا يأتي بعمرة أخرى. وهل معنى هذا أنه لا يشرع ولا يستحب في رمضان إلا عمرة واحدة؟ الجواب: إن كانت سفرة واحدة، فلا يستحب ولا يشرع إلا عمرة واحدة. وإن كانت أكثر من سفرة، فلا بأس أن يأتي بعمرة أخرى. مثلا: رجل أتى بعمرة في أول رمضان، وهو من أهل المدينة. ففي وسط رمضان، أو في آخر رمضان، جاء بعض أهله من مكان بعيد، وطلبوا منه أن يرافقهم في العمرة؛ ليرشدهم ويعلمهم ويعينهم. فهل نقول لمثل هذا: لا يجوز لك أن تأتي بعمرة أخرى؟ الجواب: لا يجوز؛ لأنه مضى وقت طويل بين العمرة الأولى والعمرة الثانية، وهو لم يتعمد، ويتقصد تكرار العمرات في رمضان، بل حصل ذلك وفاقا. وأنشأ له سفرا جديدا، وقصدا جديدا. فلا حرج أن يأتي بعمرة أخرى. وأما من كانت نيته تكرار العمرة، فهو من الحرج الذي لم يأذن به الله، والتكلف الذي لم يشرع. وقد نهينا عن التكلف، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح. وجاء معناه خارج الصحيح. وقد جاء من حديث عمر، وسلمان. فالشاهد: لا يجوز الإنسان أن يكرر العمرة، حتى في رمضان؛ لأن بعض الناس ربما يقول: إذا كان لا يشرع من مكة، إذن أنا عندي مال، الحمد لله. سأذهب إلى المدينة وأرجع، كل يومين أذهب إلى المدينة وأرجع، أريد الأجر. فيقال: لا يكفي كونك تريد الأجر، أن تقصد النية الحسنة. بل ينبغي أن تسأل: هل هذا مما صحت به السنة، وفعله سلف الأمة، وأذن فيه أهل العلم؟ أم هو على خلاف ذلك؟ الجواب: هو على خلاف ذلك. فلهذا لا يستحب مثل هذا العمل، والله أعلم. وقوله رحمه الله: "ولم يأمر عائشة بها، بل أذن لها بعد المراجعة تطيبا لقلبها". لأجل أن يعلم -كما تقدم- أنه ليس بمستحب، بل هو جائز. وليس طيب النبي عليه الصلاة والسلام قلب عائشة ببدعة أبدا. ولكنه طيب قلبها بجائز، وخلاف الأفضل؛ لأنها لم تأت بعمرة. فأراد أن يطيب أمرها وقلبها بجائز ومشروع، وإن كان خلاف الأفضل. وفي حديث عائشة -وأصله في الصحيحين- دليل كذلك على غلبة عاطفة النساء. وهو معنى من معاني نقصهن. ليس نقصهن تنقص، ولكن نقصهن كمال. فلما كانت المرأة في واجبها وخلقتها، وكذلك حياة المرأة تحتاج لمعنى العاطفة. كان لها في فطرتها ذلك. حكم من الله سبحانه وتعالى؛ لما تقوم به من واجب التربية. فيحصل بغلبة هذه العاطفة نقص في مواضع كثيرة. وهذا من معاني هذا النقص. يعني: كون المرأة قد يغلبها العاطفة في حب الخير، لكن على خلاف الأفضل، على خلاف الأفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى الأفضل. فبكت رضي الله عنها، ظنا منها أنها تخرج. وهذا يدل على فضيلة عائشة: أنها كانت ممن يحب الخير والعبادة والطاعة. فهي لم تبك إلا لذلك. فلهذا طيب قلبها النبي عليه الصلاة والسلام بأن أمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم؛ ليعمرها. فإذن الخلاصة: هذا يدل على الجواز، لا على الاستحباب. وقوله: "وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقا". معناه: أن طوافه بالبيت، بتكرار الطواف، وكل طواف معه ركعتين، يركع ركعتين. فكل طواف يكون فيه الإتيان بالركعتين. فهذا أفضل من العمرة. وهذا معنى قوله: "من الخروج" أي الخروج إلى العمرة؛ لأن أهل مكة، ومن أتى بالعمرة إلى مكة، لا يشرع له تكرارها؛ لعدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ذلك. ولو كان مستحبا وخيرا لسبقون إليه. وقوله: "عند من لم يكرهه على سبيل الجواز" يعني: الطواف بالبيت أفضل من الخروج إلى العمرة بالاتفاق. وخروجه عند من لم يكرهه على سبيل الجواز. يعني: إذا خرج المعتمر أو الحاج -أي في رمضان أو الحاج- فخروجه عند من لم يكره ذلك، يكون على سبيل الجواز. يعني: بعض أهل العلم قال بالجواز، ولكن هل معنى ذلك أن شيخ الإسلام يرخص ويأذن ويسهل؟ الجواب: لا؛ لأنه قد ابتدأ هذه الفقرة بقوله: "وذلك بدعة". لكن أراد أن يبين: يا من تتعبون أنفسكم، وتهلكون أموالكم وقوتكم. من أذن بهذه العمرة التي تفعلون؟ لم يقل أبدا بالاستحباب. إنما قال: ماذا؟ بالجواز. يعني: أجر الاستحباب ليس لكم. حتى يتأمل الإنسان: بماذا بعقله؟ إذا لم يتأمل بدينه، فإنه سيعرف أن من أجاز، لم يجز على وجه الاستحباب. وإنما على وجه الجواز، يعني رخصة. وليس مستحب. ومعنى أنهم يخافون أن لا يكون فيه أجر، أي أجر الاستحباب. قال رحمه الله: "والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم دليل أصلا". وما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف توضأ. فهذا وحده لا يدل؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاة. علق شيخنا رحمه الله على هذه العبارة، فقال: أي والطواف له صلاة تليه. فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم لهما. هذا مقتضى كلام الشيخ. ما أن مجرد الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب. لكن إذا كان بيانا لمجمل، كان واجبا. وكذلك الأصل فيما فعله في الحج الوجوب؛ لأنه بيان للمجمل. وكان يقول: "خذوا عني مناسككم". والله أعلم. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: هل الطواف بالبيت صلاة؟ فوعظه مستدل بأثر ابن عباس، الوارد في هذا الباب: بأن الطواف بالبيت صلاة، إلا أنه أجيز فيه الكلام. فروي مرفوعا، وجعله بعضهم أن له حكم الرفع. وروي مرفوعا، ولم يصح. فيقول شيخ الإسلام، رحمه الله: كون النبي صلى الله عليه وسلم توضأ -إذا ثبت هذا أنه توضأ لما طاف- فهذا لا يدل على الوجوب. لماذا؟ قال الشيخ: لأنه ربما توضأ لأجل الصلاة بعد الطواف. هذا وجه. والوجه الآخر: أنه ربما توضأ من باب فعل الأفضل. ولهذا قال شيخ الإسلام: "فإنه كان يتوضأ لكل صلاة". يعني: كون الرجل يتوضأ لكل صلاة، وهو على وضوء. هل يدل على وجوبه؟ لا. لا يدل على وجوبه، بل يدل على استحبابه. ولا شك أن فعل الطاعات -خصوصا التي فيها ذكر وخير- يستحب لها الطهارة. فالنبي صلى الله عليه وسلم تيمم قبل أن يرد السلام على الرجل. واستدل العلماء بهذا على ماذا؟ هل على وجوبه؟ أو على استحبابه؟ على استحباب ذكر الله على طهارة. فإذا على صحة ذلك، فإنه يحمل على الاستحباب، لا على الوجوب. وما روي عن ابن عباس: إن قيل: أنه من الموقوف الذي له حكم الرفع. فيقال: هو ليس بصريح. فإن قيل: لأجله الأحوط أن يتوضأ. لكان هو الأفضل والأسلم. لكن عند المشقة الشديدة -بل المشقة التي تقترب من الضرورة- ينبغي أن يتنبه المفتي إلى مثل هذا الكلام الدقيق، من مثل هذا الإمام. فيضعه في موضعه. يأتيك إنسان كبير في السن، أو امرأة ضعيفة، وفي شدة الزحام الذي لا يخفى عليكم في مثل هذا الزمان -إما طواف يوم العاشر، أو كذلك ما كان بمعناه من الطواف الذي يكون فيه الزحام شديد- فيأتي فيقول لك: أنا أتيت بعمرة، أو طواف الحج. فلما كان الشوط السادس أو السابع، كأني أحدث، أو نزلت مني قطرات. ثم أكملت طوافي. فلما خرجت من الزحام، توضأت، وصليت ركعتي الطواف، وأنهيت عمرتي، أو أنهيت طوافي. فماذا علي الآن؟ ماذا ستقول له؟ ستقول له: الطواف في البيت صلاة. ارجع فأعد عمرتك، أو ارجع فأعد طوافك. أو كان السؤال بعد انتهاء الحج، فتقول له: الطواف -طواف الحج- ركن من أركان الحج. فإذا حجك باطل؛ لأنك لم تأت بهذا الركن بطهارة. هذا لا شك أنه فيه إشقاق ومضرة. فالترخص بمثل هذه الرخصة -ما عدم وجود الدليل الصحيح الصريح- هو لا شك أنه الأولى. لكن لو قال لك قائل: هل علي أن أطوف إذا طفت بالبيت؟ تقول: نعم، عليك أن تطوف. أخذا بحديث ابن عباس. فرق بين أن يأتي الشيء ابتداء، ولا تكون فيه المشقة. وبين أن يكون فيه مشقة ونحو ذلك. مسائل كثيرة تأتي بمثل هذا المعنى. ومنه: تلك الفتوى التي شنع بعضهم بها على شيخ الإسلام، في قضية المرأة إذا حاضت أو نفست. إذا حاضت أو نفست، ولم تطف طواف الحج. وكانت رفقتها تسافر. فكيف تصنع؟ ذكر بعض أهل العلم: أنه يجب عليها أن تبقى على إحرامها حتى ترجع مرة أخرى. وذكر بعضهم: أنه يجب عليها أن تبقى، ولو ذهبت رفقتها. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: أنه يجوز لها أن تترخص بمن أفتى بمثل هذه الفتوى التي سمعنا معناها، خصوصا وإنها خشيت على نفسها المضرة، وعدم الرجوع. وهذا هو الواقع: أن الكثير من الناس لا يستطيع ينتظر، خصوصا الذي يأتي من بلاد بعيدة. فإنه لا يؤذن له بالانتظار، بل لا بد أن يمشي على موعد رحلته. أو كذلك إذا ذهب: كيف يمكن أن يبقى سنوات طويلة بإحرام؟ وربما هو لم يتيسر له أن يحج إلا مرة في عمره. لا يستطيع أن يجمع المال مرة أخرى. فهي فتوى غير واقعية. ولهذا كان الأخذ بهذه الرخصة، وفتوى شيخ الإسلام في هذا الباب، هو الذي تقتضيه سماحة الشريعة المنضبطة بماذا؟ بالشرع، ليس بالعاطفة؛ لأنه ليس هناك شيء صحيح صريح يدل على المنع. ولهذا كان شيخنا محمد بن صالح، رحمه الله، يفتي بنحو هذه الفتوى لمن لا يستطيع الرجوع، خصوصا من أهل البلاد البعيدة. فإن كانت المرأة مثلا من أهل المدينة، أو أهل جدة، أو أهل الطائف، فتؤمر بالرجوع. يقال لها: