شرح كتاب الطهارة  28

شرح كتاب الطهارة 28

الدرس في شرح كتاب الطهارة 28، الدرس الثامن والعشرون (السادس الموالاة ... والوضوء مرة لأن النبي توضأ مرة مرة لحديث رواه ابن ماجه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الموالاة في الوضوء وأهميتها

الموالاة في الوضوء تعني غسل الأعضاء متتالية دون تأخير، وهي فرض من فروض الوضوء. استدل الشيخ على ذلك بحديث الرجل الذي صلى وفي قدمه لمعة لم يصبها الماء.

دور النية في الطهارة والعبادات

النية شرط لصحة الطهارة والأعمال، وتفرق بين العادة والعبادة وبين العبادات المختلفة. جمهور العلماء يوجبون النية للطهارة دون نطقها.

فرائض الوضوء والنية في العبادات وتطبيقها

النية ضرورية في العبادات التي قد تلتبس بالعادات، مثل الوضوء والغسل، ولا يجب التلفظ بها. الوضوء الواجب يكون مرة واحدة بإسباغ.

خاتمة الدرس والصلاة على النبي

المقطع الأخير يشير إلى نهاية النص ويتضمن صلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يظهر الاحترام والتقدير للنبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وبعد، أخذنا في الدرس السابق تتمة فروض الوضوء، وكان آخر ما أخذناه ما يتعلق بالترتيب، وهو الفرض الخامس. واليوم ندخل، إن شاء الله، في الفرض السادس. قال رحمه الله تعالى: السادس الموالاة، وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي قدمه لمعة لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء، رواه أحمد وغيره. والنية شرط لطهارة الأحداث كلها، لحديث عمر المتفق عليه. أولا، قوله رحمه الله: السادس الموالاة، يعني من فروض الوضوء الخاصة بالوضوء. الموالاة، فالموالاة معناها مفسر بقوله: وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله؛ لأنه لو نشف الذي قبله لم تحصل موالاة، فحصل بذلك عدم غسل للعضو، فحصل مثل الانقطاع بين العضو المغسول والعضو غير المغسول. واستدل على ذلك بقصة الرجل الذي صلى وفي قدمه لمعة، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء. والحديث قال: رواه أحمد وغيره. فهذا وجه للاستدلال. ووجه آخر أن صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كان فيها موالاة، فكل من وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بالموالاة، يتبع العضو بالعضو، ولا يتأخر عنه. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ عنه أحكام الطهارة والصلاة وسائر الأحكام، وهو القائل: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». فيخشى لمن تعمد ذلك أن يبطل وضوءه؛ لأنه عمل عملا ليس عليه أمر النبي عليه الصلاة والسلام. لكن قد يقع الخلاف، قد وقع فيما إذا كان هذا التأخير لعذر. فهل الوضوء يبطل؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. وسبب الخلاف هو أن هذا الحديث الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله روي بروايتين، أي بمعنى روي في الصحيح مسلم، وليس فيه صريحا الأمر بإعادة الوضوء. ورواية خارج الصحيح، وفي إسناده مقال، في بعض الضعف، حسنه بعض أهل العلم بمجموع طرقه، وضعفه بعضهم. وكان سببا، أي اختلاف أهل العلم في الحديث بهذا اللفظ، صحته، في اختلافهم في هذه المسألة. ولا شك أنه على كل الأحوال، الأحوط والأكمل والأحسن هو إعادة الوضوء؛ لأن عموم الأدلة يدل على ذلك. حتى الحديث الذي في الصحيح مسلم، فيه أمر بالرجوع ليحسن وضوءه، ويسبغ وضوءه. فكمال إحسان الوضوء يكون بإعادة الوضوء. ولهذا كان الصحيح التفصيل في هذه المسألة، فيقال: إذا كان هذا المتوضئ يستطيع أن يرجع فيعيد الوضوء، وكان مفرطا، يجب عليه أن يعيد الوضوء، ما دام يستطيع وهو مفرط. وإن كان لا يستطيع أن يرجع فيعيد الوضوء، إما لعدم الماء أو لأي سبب آخر، ولم يكن مفرطا، كالجاهل بالحكم أو الناس، أو من عرض له شيء، فإنه لا يقال لمثل هذا أن وضوءه باطل، ما دام أنه غسل جميع أعضاء الوضوء. والذي حصل هو فقط التأخر في متابعة الأعضاء. وهكذا يقال مثله في من غسل الأعضاء وبقي شيء لم يغسله، فيقال للمفرط ومن يستطيع إعادة الوضوء: أعد وضوءك من جديد. ويقال لغير المفرط ومن لا يستطيع إعادة الوضوء إلا من حيث المكان الذي أصابه: أغسل المكان الذي لم تغسله وما بعده. هذا هو الأحوط. علمنا بما سبق أن في معنى الموالاة مسألتان: المسألة الأولى هو تأخير غسل العضو عن العضو الذي قبله حتى ينشف العضو الذي قبله. وعلمنا أن الصحيح التفصيل على ما سبق. وأن سبب الخلاف كان بسبب عدم وجود شيء صحيح صريح يدل على إعادة الوضوء. وهكذا كذلك في المسألة الثانية، على التفصيل الذي سبق. وتحت المسألتين تفاصيل، ليس هذا مقام ذكرها. ثم قال رحمه الله تعالى: والنية شرط لطهارة الأحداث كلها، لحديث عمر المتفق عليه. ومعناه كأنه يشير رحمه الله إلى أن النية من فروض الوضوء، لكنه فرض ليس من الفروض الخاصة بالوضوء، بل هو فرض في كل عمل من الأعمال التي هي أفعال لا تروك. كما سيأتي، إن شاء الله، في المسألة التي بعدها. فهو ليس خاصا بالطهارة، في الطهارة وفي الصلاة وفي الصيام وفي الحج، وفي كل عمل من الأعمال التي يطلب منها الفعل. فلذلك كأنه يقول: من ذكر من أهل العلم أن فروض الوضوء ستة؛ لأن هذا نقل في مذهب الإمام، هو مشهور عند كثير من أهل العلم أن فروض الوضوء ستة. ليس معناه أن هؤلاء نسوا أو تناسوا أمر النية وأنه فرض، ولكن لأنهم يذكرون فروض الوضوء الخاصة بالوضوء. والنية من الفروض، لكن ليس خاصة بالوضوء، بالوضوء وبغير الوضوء. فكأنه يقولون: هو أمر معلوم. فإذا من قال أن فروض الوضوء سبعة، فذكر النية له وجه. ومن قال ستة، فله وجه على هذا التفصيل. وقوله: لطهارة الأحداث كلها، يريد الحدث الأكبر والحدث الأصغر. ويريد أن يشير كذلك إلى ما سيأتي الإشارة إليه، إن شاء الله، في المسألة التي بعدها: أن هذا فيما طلب فعله، لا فيما طلب تركه؛ لأن الصحيح من أقوال العلماء أن النية شرط في الأعمال التي هي أفعال، وليس التروك. ثم قال: لحديث عمر المتفق عليه، أي حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فهو أصل هذا الباب، وتدخل تحته مسائل كثيرة، دليلها هذا الحديث. والنية يؤتى بها لمعنيين: المعنى الأول للتمييز بين العادة من العبادة. فأنت بالنية تميز بين الغسل الذي هو للتبرد والغسل الذي هو لرفع الحدث والجنابة مثلا. وهكذا كذلك النية يؤتى بها للتمييز بين العبادة والأخرى التي تلتبس بها. فأنت بالنية تميز بين الصلاتين التي تصليهما معا، كالظهر والعصر مثلا، عند الجمع بينهما لمرض أو سفر. فالنية تميز صلاة الظهر عن صلاة العصر. لما يباح لما لا يباح إلا بها. قال الشيخ تقي الدين: وتجب النية لطهارة الحدث والخبث، وهو مذهب جمهور العلماء. ولا يجب نطقها بها سرا باتفاق لأئمة الأربعة. واتفق لأئمة الأربعة على أنه لا يشرع الجهر بها، ولا تكرارها. وينبغي تأديب من اعتاده. وكذا في بقية العبادات، لا يستحب النطق بها، والجهر بلفظها منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة المسلمين. ويعزل عن الإمامة إن لم يتوب. أولها قال: فينوي رفع الحدث أو يقصد الطهارة لما لا يباح إلا بها. يعني النية لماذا؟ النية لرفع الحدث؛ لأن الحدث عبادة تريد أن تميزه عن العادة. فإذا لا بد لها من نية. هذا في الجنابة ظاهر؛ لأن الجنابة يوجد عادة تشبهها الغسل. الغسل للتبرد يشبه الغسل لرفع الحدث. فتحتاج إلى نية. أقول: هذا المعنى في الغسل ظاهر؛ لأن غسل العبادة قد يلتبس بغسل العادة. فأنت تقتسل للتبرد وتقتسل لرفع الجنابة. فالنية تحتاجها لرفع الحدث حتى يحصل منك قصد لرفع هذا الحدث. ولهذا قال العلماء بالإجماع: أن ما كان من العبادات يلتبس بالعادات تجب لها النية. وقوله رحمه الله تعالى: ولا يجب نطقها بها سرا باتفاق لأئمة الأربعة. ومعنى نطى نطقا بها سرا، قال: ولا يجب نطقه بها سرا باتفاق لأئمة الأربعة. ومعنى نطقه بها سرا: أي إمرار لفظ النية على القلب، أو بدون الجهر بالنية، يسر يتكلم بها بحركة لسانه دون شفته. كلا الأمرين بمعنى: حديث النفس. فإمرار لفظ النية، كما ذكر شيخ الإسلام في مواضع من كتبه: أنه كذلك من البدع. ومعنا قبل أن التلفظ بالنية من البدع، وأنه نقص في العقل والدين. وكذلك أن ينطق بها سرا هو من البدع، وليس من الدين لما تقدم. وقوله: واتفق لأئمة الأربعة على أنه لا يشرع الجهر بها. هذا أشد بدعة من الأول. الأول خفي، والفرق بين الأول والثاني: أن الأول السر، يمرر اللفظ دون النطق به جهرا. مثلا الجاهر بالنية يقول في الصلاة: نويت أن أصلي صلاة الظهر أربعا حاضرا مأموما إلى آخره. هذا التلفظ، كما قال: لا يشرع، بل هو من البدع. وكما قال شيخ الإسلام: نقص في العقل والدين، ونقصان العقل، نقصان الدين؛ لأنه شيء مفتدع لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولا صحابته رضي الله عنهم، ولا نقل عن أحد من الأئمة المعتبرين. ونقصان العقل؛ لأنه من العبث. فالمجنون هو الذي يحدث الناس بما سيفعله، ويحدث نفسه بما سيفعله. ليس كل شيء يفعله الإنسان يحدث نفسه به، هذا نوع من الجنون، وقلة العقل. فالذي يسر يمرر هذا اللفظ على قلبه، يعني يقول في قلبه: نويت أن أصلي صلاة الظهر أربعا مأموما إلى آخره. ولكن لا شك أن الذي يجهر بها أشد. ثم قال رحمه الله تعالى: والوضوء مرة. أي الوضوء الواجب؛ لأنه يتكلم الآن على فرائض الوضوء. فالوضوء الواجب مرة واحدة، بإسباغ، يعني بغير تقصير في إيصال الماء إلى هذا العضو في كل موضع منه. قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، لحديث رواه بن ماجه. بل أصله في صحيح البخاري، من حديث بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة. وكونه توضأ مرة مرة عليه الصلاة والسلام، يدل أن الواجب هو العدد الأقل الجائز. فلما ذكر فرائض الوضوء هنا، أراد أن يشير إلى أن الواجب أقله مرة واحدة. لكن مرة بإسباغ، كما تقدم معنا في الدروس الماضية: أن يسبغ الوضوء، لا يقصر في إيصال الماء في موضع من مواضع الوضوء، ولو مرة واحدة. كما أنه ليس من شرط المرة أن يكون بماء كثير، بل ولو كان ماء قليلا، مادام يحصل به إسباغ الوضوء، أي إيصال الماء إلى جميع العضو المطلوب غسله والذي يجب غسله، فإنه يجزئ. وبهذا نكون قد انتهينا من مسائل فرائض الوضوء، وبه ننتهي. وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.