شرح السياسة الشرعية  3

شرح السياسة الشرعية 3

الدرس في شرح السياسة الشرعية 3، الدرس الثالث:من( مقدمة ... وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله رواه الحاكم في صحيحه وروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمرروي ذلك عنه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة وتوطئة في السياسة الشرعية

يبدأ ابن تيمية كتاب السياسة الشرعية بالحمد لله والشهادة، ويشرح معنى السياسة الشرعية وأهميتها. يُفصّل الشيخ ابن عمر معاني المقدمة ومقاصدها.

الآيتين الأساسيتين للكتاب ودلالتهما

يشرح ابن تيمية الآيتين اللتين بنى عليهما كتابه واللتين تتعلقان بواجب الراعي والرعية، ويبين أقسام طاعة ولاة الأمور.

أهمية طاعة أولي الأمر وتولية الأصلح

يناقش أهمية طاعة أولي الأمر في غير معصية الله، ويشرح مفهوم المصالح المرسلة وتولية الأصلح في الولايات كما دلت عليه الشريعة.

تطبيق عملي على أداء الأمانات: قصة آل شيبة

يذكر قصة رد النبي ﷺ مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن طلحة واستمرار آل شيبة في السدانة والحجابة كدليل على أداء الأمانات.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. رسول الله ﷺ الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام بن تيمية، رحمه الله تعالى، في كتاب سياسة الشرعية. بسم الله الرحمن الرحيم، مقدمة. وهذا من كلام النساخ. قال الشيخ الإمام العالم المفتي، فرق ناصر السنة، تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية، رحمه الله: الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقصد، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز. وختمهم بمحمد ﷺ الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأيده بالسلطان النصير، الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة، ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزيز. قال: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة خلاصة ذهب الإبريز. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ، عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، شهادة يكون صاحبها في حرز حريز. بدأ رحمه الله تعالى بهذه المقدمة، والتي كما نرى فيها من براعة الاستهلال ما تدل على المقصود من هذا الكتاب. وهذا معنى من المعاني البلاغية التي يستعملها العلماء في كتبهم، فيستفتحون كتبهم بما يكون فيه من معاني استهلال الكتاب، مضمنا في تلك المقدمة. فقوله: «الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان» في إشارة إلى معنى السياسة الشرعية. فالسياسة الشرعية مجتمعة من الكتاب والسنة، وهو الوحي الذي أرسلت به الرسل وختم به رسالة نبينا ﷺ بكتابه العظيم القرآن وسنته ﷺ. «وأنزل معهم الكتاب والميزان»، الكتاب هو بالنسبة لنبينا ﷺ القرآن، والميزان قيل في تفسيره أقاويل كثيرة، والمقصود من ذلك أن الميزان هو العدل، سواء بالشرع أو كذلك بما يكون من سيرة النبي ﷺ وأتباعه. وهذا هو معنى السياسة الشرعية الذي تساس به الأمم. ولهذا قال: «ليقوم الناس بالقصد»، «وأنزل الحديد فيه بأس شديد»، وهذا معنى آخر كذلك. فالسياسة الشرعية كما تكون بالحجة والبرهان، كذلك تكون بالسيف والسنان والحديد كناية وإشارة إلى ذلك. ثم قال: «ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز وختمهم بمحمد ﷺ». فما تقدم فيه سنة الله جل وعلا في خلقه في نصرة الحق وأهله برسوله وأتباعهم وأتباعهم، وكذلك معادات أعداء الرسل. والله جل وعلا معين وناصر أهل الحق. وكذلك السياسة الشرعية من يقوم بها يبتلى بالأعداء والمخالفين، ولكنه بالله منصور ومؤيد. وقوله: «وختمهم بمحمد ﷺ الذي أرسله بالهدى ودين الحق»، والهدى ودين الحق العلم النافع والعمل الصالح كما تقدم معنا كثيرا من كلام أهل العلم في تفسير الهدى ودين الحق. «ليظهره على الدين كله وأيده بالسلطان النصير»، والمراد بذلك أي ما أيد به ﷺ من قوة النصر، وأنه جمع له ذلك أي السلطان النصير. كان نصره وسلطانه على أعدائه ومخالفه قد اجتمع فيه معنى العلم والقلم للهداية والحجة، وهذا هو سلطان العلم الذي عبر عنه بذلك في مواضع من كتبه ككتاب النبوات والفتاوى وغيره. ومعنى القدر والسيف، وهذا هو سلطان السيف والسنان والأعوان. فذكرها هنا سلطانان: سلطان الحجة والبرهان والبيان، وسلطان السيف والسنان والأعوان والسلاطين التي يكون بها النصر كثيرة. فهناك سلطان الحكم، وهناك سلطان العقل والفطرة، ولكن ترجع كلها عند الاختصار إلى هذين السلطانين. وقدم سلطان العلم لأن الانقياد به أعظم، فالناس تنقاد للحجة أعظم من انقيادها للسيف والسنان. ولهذا إذا ضعف السيف والسنان من خضع لأجل السيف والسنان يتراجع، وأما من خضع بالحجة والبرهان فلا يزال باقيا في هذا الخضوع لأنه أقوى وأعظم، فهو يأسر القلوب ويكون به ومعه النصر هو التأييد. وقوله: «والتعزيز» هكذا في بعض النسخ، وفي بعض النسخ بالراء «والتعزير». وصوب شيخنا رحمه الله التعزيز لأنه من العزة والتقوية، وهو مناسب مع سلطان السيف والسنان. ثم ذكر الشهادة، فثن بها: «وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة خلاص ذهب الإبريز»، يعني في الصفاء والنقاء. «وأشهد أن محمدا ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا شهادة يكون صاحبها في حرز حريز»، يعني بتحقيقه لمعنى الشهادتين. قال: «أما بعد، فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والإيالة النبوية». هكذا في هذه النسخة. وفي بعض النسخ «والرعاية النبوية»، وهذا أصح. «فسياسة إلهية ورعاية نبوية»، السياسة بالتشريع، والرعاية بالتدبير. فالنبي ﷺ راعي يرعى هذه الأمة بسيرته وهديه وسمته وحياته وأمره ونهيه وتعليمه بقوله وفعله ﷺ. وما دام في بعض النسخ «الرعاية» فالرعاية أقرب هذه المعاني في هذا المقام والله أعلم. قال: «لا يستغني عنها الراعي والرعية اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور»، كما قال النبي ﷺ فيما ثبت عنه من غير وجه في صحيح مسلم وغيره: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». والحديث كما أشار في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة. وجاءت بعض الجمل معناها عن غيره. فأشار بهذا أن هذه الرسالة احتوت على جوامع من السياسة الإلهية. ففي قوله «جوامع» اعتذار أو إعذار منه أنه لم يحوي كل شيء، وإنما حرص على أن يذكر جوامع مسائل السياسة الشرعية. وكونه خرج في بعض المواضع بذكر بعض التفاصيل، ذلك لأن إتمام الفائدة أو الحاجة إليها اقتضته. ثم قوله رحمه الله: «لا يستغني عنها الراعي والرعية» ليس مثل هذا المقام من التزكي المذمومة، ولكنه من الدلال والحث على العلم الذي ينتفع به. وقوله: «اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور» كذلك إشارة منه إلى سبب تأليف هذا الكتاب، فهو ليس مستشرفا ولا كذلك متحفا باب علم، لكن المقصود من ذلك أعظم من هذا، أعظم من هذا وهو سؤال استوجب جوابا. ثم ذكر الحديث والشاهد منه: «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم»، وهذا هو الشاهد. فمدام أن ولاة الأمر طلبوا منه، فهذا من باب أولى أن تكون فيه الإجابة والتأليف. وقد مر معنا في المقدمة أنه ألفه طلبا لبعض السؤال من بعض الأمراء في ذلك. قال رحمه الله: «وهذه رسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾». قال العلماء: نزلت الآية الأولى في أولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات لأهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل. ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله تعالى. فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وإن لم يفعل ولاة الأمر ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله، لأن ذلك من طاعة الله ورسوله. وأدوا حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله، ويعينوا على البر والتقوى، ولا يعاونوا على الإثم والعدوان. وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، فهذا جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة. أشار بهذا إلى أن مبنى هذا الكتاب على هذه الآية وما يتعلق بها من أحكام، أو هاتين الآيتين وما يتعلق بهما من أحكام. فأما الآية الأولى فهي تتعلق بمجمل واجب الراعي، وأما الآية الثانية فهي تتعلق بمجمل واجب الرعية، مع كذلك موجب الرد عند الاختلاف والافتراق. وقوله: «نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور» يعني من جهة المعنى، وإن كان ذكر بعض المفسرين أنها نزلت كذلك في ولاة الأمور، وأن سبب نزولها كذلك. وأشار بعض المعلقين إلى ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وشهر بن حوشب ومحمد بن كعب وغيرهم في ذلك، ولكن ليس منه شيء مرفوع صحيح. وأما معنى الآية على هذا المدلول الذي دل عليه وأشار إليه المؤلف رحمه الله فهو ظاهر. فالآية الأولى تأمر جميع أهل الأمانات بأداء الأمانات، وأول من يدخل في ذلك ولاة الأمور، فعندهم أعظم الأمانات وأكثر الأمانات. وفيها كذلك الأمر بالحكم بالعدل، وأول من يدخل في ذلك ولاة الأمور، فهم أعظم وأولى من يحكم، وأولى من يدخل في هذا العموم. ومن دونهم يدخلون كذلك في هذا الحكم، فيمن حكم في قليل أو كثير، وصغير أو كبير. فقاضي حاكم، والمصلح بين الزوجاتين حاكم، حتى ما يكون في فدية الصيد حكم سماه الله عز وجل حكم. وفي الآية الثانية الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، وأولي الأمر. وقد نبه العلماء إلى لطيفة في هذه الآية في إعادة العامل، وهو فعل «أطيع» في حق طاعة الله وطاعة رسوله، وعدم ذكره في طاعة ولاة الأمر. إشارة كما ذكر العلماء والمحققون إلى أن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ أصل، وطاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله. ولذلك لم يذكر بإعادة العامل فيه. ولهذا كان عند التنازع واجب الرجوع في ذلك إلى حكم الله ورسوله، كما قال: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر». وقد ذكر العلماء أن طاعة ولاة الأمور وولاة الأمور يتناولها هنا العلماء والأمراء. وكما قال العلماء: الأمراء تبع للعلماء، لأن الأمراء أمروا أن يأمروا بالشرع، ولا علم لهم بالشرع، فوجب رد ذلك إلى العلماء. ومعنى ذلك جاء عن عدد من المفسرين، وتدل عليه عمومات الشريعة. وذكر العلماء أن طاعة ولاة الأمور تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولا أن يأمروا بما أمر الله به أو رسوله، فتجب طاعتهم فيه. وثانيا أن يأمروا بما نهى عنه الله ورسوله، فلا يجوز طاعتهم فيه ما دام محرما، لقول النبي ﷺ: «إنما الطاعة بالمعروف». وأشار المؤلف رحمه الله إلى ذلك: «فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وصح معناه عن النبي ﷺ في أحاديث، من حديث علي وغيره. والثالث أن يأمروا بما لم يرد فيه أمر ولا نهي عن الله ولا عن رسوله ﷺ، فهنا تجب طاعتهم ابتداء لعموم الأمر بطاعتهم في نصوص الكتاب والسنة. ثم بعد ذلك ينظر: إن كان يؤدي أو يفضي إلى طاعة الله ورسوله بما تقتضيه العمومات وتستدعيه المصالح، تمت الطاعة. أو كان يؤدي ويفضي إلى معصية الله بما تقتضيه العمومات أو توصل إليه في آخر الأمر وما ترتب معه من المفاسد، فهنا يناصحون، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولكن الأصل هو طاعتهم في ذلك. ومنه المصالح المرسلة التي قد يأمر بها ولي الأمر، وليس فيها أمر من كتاب الله ورسوله، ولا كذلك فيها نهي. والمصالح المرسلة الصحيح فيها التفصيل، فما تبين أنه تقتضيه المصالح وتندر به المفاسد، فهو مما تأمر به الشريعة بعمومات أدلتها، فيتأكد بذلك طاعة أولي الأمر فيه. وما كان العكس، فكذلك عمومات الشريعة تدل على المنع منه. وما لم يتبين فيه شيء، فالأصل طاعة أولي الأمر فيه. وكثيرا ما تكون أوامر لا يعلم الرعية المصلحة منها، فربما ظن بعض الناس أن عدم العلم بالحكمة مجيز لعدم الطاعة، وليس الأمر كذلك. يعني كونك لم تعلم الحكمة لا يعني ذلك أنك تعصي وأنك لا تمتثل، بل الواجب والأصل في هذا الباب الطاعة والامتثال لعموم الأدلة في هذا الباب. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا المعنى معنى ما سمعنا من عمومات وتفاصيل، لكن على وجه الإجمال وذلك في قوله: «وإن لم يفعل ولاة الأمر ذلك وأطيع فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله» إلى قوله: «ولا يعانون على الإثم والعدوان». وعمومات الشريعة تدل عليه. قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وجاء ذكر هذه الآية في بعض النسخ. ففي بعض النسخ أنه زاد رحمه الله هذه الآية. وقوله: «وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات لأهلها والحكم بالعدل، فهذا جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة» يعني بأداء الراعي ما عليه، وأداء الرعية ما عليها. قال رحمه الله تعالى: «قال الفصل الأول: تولية الأصلح». وفي بعض النسخ «استعمال الأصلح»، وهو بمعنى متقارب. قال: «أما أداء الأمانات ففيه نوعان: أحدهما الولايات». وهو كان سبب نزول هذه الآية. فإن النبي ﷺ لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة، طلبها منه العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت. فأنزل الله هذه الآية بدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة. فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل. قال النبي ﷺ: «من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين». وفي رواية: «من قلد رجلا عملا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين». رواه الحاكم في صحيحه. وروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر. قوله رحمه الله تعالى: «الفصل الأول» يعني من هذا الكتاب. وقوله: «تولية الأصلح واستعمال الأصلح» يعني هذا المبحث الأول من مباحث هذا الكتاب فيما يتعلق بالراعي. ولهذا قال: «أما أداء الأمانات ففيه نوعان: أحدهما الولايات» يعني هو من الأمانات. قال: «وهو كان سبب نزول هذه الآية» يعني سبب نزول هذه الآية في الولايات. وأن الأمانات المذكورة في الآية هي الولايات. وذكر ذلك من طريق ابن جريج عن مجاهد مرسلا، ذكره الأزرقي رحمه الله تعالى. وذكر معناه ابن جرير في تفسيره. وهذا الإسناد معنا ومرسل، فابن جريج عنعن، وهو ممن تضر عنعنته. ثم جاء عن مجاهد مرسلا، فلا يصح سبب نزول هذه الآية بهذا المعنى، أي أنها في الولايات. وأما ما ذكره من أن النبي ﷺ لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة، طلبها منه العباس لآخره، هذه القصة بهذا التفصيل ذكرت في مواضع ولم تصح. وقد أشار العلامة الألباني رحمه الله في «الضعيفة» حديث رقم ثلاثة وستين ومئة وألف إلى هذا الحديث. والذي في أوله: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وفي آخره: أن النبي ﷺ رد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وهو من بني شيبة. وكانت الحجابة أي حجابة البيت عند بني شيبة. فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء». وقد روي هذا مرسلا، والمرسل من قسم الضعيف لا يصح. لكن روي معناه من طرق أخرى، وإن لم يرو بنفس اللفظ. لكن روي من طرق أخرى بعضها ضعيف، وبعضها يدل على المعنى من بعيد وهو صحيح. فقد جاء عند الطبراني والحاكم من حديث ابن عباس أنه أعطاها لعثمان بن طلحة، وقال: «خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها عنكم أو منكم إلا ظالم». وهو بهذا الإسناد فيه ضعف، فيه عبد الله بن المؤمل ضعيف، وهو القرشي المكي منكر الحديث. وجاء كذلك عن مصعب بن الزبير أنه دفع إلى شيبة وعثمان بن طلحة، وكذلك فيه ضعف. وجاء عند ابن سعد من طريق عثمان بن طلحة معناه، وفيه ضعف. لكن لو تأمن هذه الطرق تدل أن القصة لها أصل، فيستأنس بما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى راحلته، وهو مردف أسامة بن الزيد، ومعه بلال وعثمان بن طلحة، وهو من الحجبة. هكذا جاء في الصحيحين، حتى إذا أتى المسجد طلب من عثمان المفتاح. وفي رواية لمسلم أن عثمان ذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه المفتاح، وهددها بالسيف فأعطته المفتاح. فأعطاه المفتاح، وجاء إلى النبي ﷺ فدخل النبي ﷺ ولم يذكر أنه لم يرده إليه. والأصل أنه رده إليه، خصوصا وأن ابن عمر قال: «وكان من الحجبة» يعني من حجبة البيت. ففيه إقرار أن السدانة والحجبة بقيت في آل شيبة أو في بني شيبة. وهذا يؤيد هذا المعنى. طيب نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم. شكرا.