كتاب العلم وفضله وما يتعلق به  2

كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 2

الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 2، الدرس الثاني:من( أولاً:كتاب العلم وفضله وما يتعلق به ... فألهم الله تعالى الكل الاستغفار لهم جزاء لحسن صنيعهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في فضل العلم وأهميته

يتناول هذا الفصل أهمية العلم وفضله كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، ويبرز علو مكانة العلماء. يُشدد على أهمية تقسيم العلم لتسهيل الحفظ والفهم.

بيان فضل العلم والعلماء وفضل طلب العلم

يُبين هذا الفصل أن العلم علامة على حب الله للعبد، وأن العلماء ورثة الأنبياء، ويوضح أن طلب العلم طريق للهداية والنجاح في الدنيا والآخرة.

أثر العلم على الأفراد والمجتمع وشرح حديث الهدى والعلم

يشرح هذا الفصل أثر العلم في هداية الناس وصلاحهم، ويبين أن طلب العلم طريق إلى الجنة، ويشرح حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم يشبه فيه الهدى والعلم بغيث أصاب الأرض.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى أولًا: كتاب العلم وفضله وما يتعلق به. قال الله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام. وقال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾. وفي الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». وعن بأمامة رضي الله عنهم، قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النمل في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير». رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وفي حديث آخر، قال: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب». و«إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر». أورد رحمه الله تعالى هذه الآيات والأحاديث، وابتدأ بهذا الكتاب: كتاب العلم وفضله وما يتعلق به. وقد علمنا أن المؤلف رحمه الله قسم الكتاب إلى أربعة أرباع، الربع الأول في العبادات، وابتدأه بالعلم؛ لأن العلم مفتاح العلوم جميعًا، ومفتاح العبادات كذلك. فلذلك ابتدأ به؛ فلا شيء يتوصل إليه إلا بالعلم. والمراد بالعلم هنا علم الكتاب والسنة، كما سيأتي، وفهم سلف الأمة المفسر لنصوص الكتاب والسنة. ثم ذكر الآيات والأحاديث، وسيأتي بعضها كذلك في هذا الكتاب. وأصل الكتاب هو ما خط على القرطاس لحفظه، وهو فعال بمعنى مفعول، يعني مكتوب. والمعنى: هذا مكتوب يتعلق بمسائل العلم وفضله وما يتعلق به. وفائدة تقسيم الكتب إلى كتب وأبواب وفصول ثلاثة أمور ذكرها العلماء: أولها: تقسيم العلم يسهل في حفظه. وثانيها: تقسيم العلم يسهل في فهمه؛ لأن مسائل العلم المتشابهة إذا جمعت، كل شيء مع جنسه، كان ذلك أسهل في فهمه، بخلاف إذا خلطت مسائل العلم، مثلًا، لم يكن هناك تمييز بين أحاديث الصيام والصلاة والزكاة وسائر الفرائض الأخرى. هل تستطيع أن تتصور كيف يكون إدراكك لهذه الأحاديث مختلطة بعضها ببعض، ليس فيها تمييز ولا هي محصورة في كل في جهة؟ لا شك أن هذا سيسبب شيء من الخلل في الحفظ وخلل في الفهم. لكن إذا جعلت كل مجموعة متشابهة في جهة، أعان ذلك على تسهيل الحفظ والفهم. وفائدة ثالثة: أن تقسيم كتب أهل العلم لكتب وأبواب وفصول هو من الترويح للقارئ والسامع، مثل مراحل السفر. السفر إذا كان سفرًا طويلًا واحدًا مل المسافر وتعب، لكن إذا كانت هناك نقاط توقف وراحة، فإنه يستروح بهذه النقاط، يعني يجد الراحة ويتنشط. كل من تهى من مرحلة تشوق للدخول في الثانية، وهكذا كذلك كتب وأبواب وفصول العلم. ونستفيد من هذا أن طالب العلم ينبغي أن يرتب نفسه، كما أن العلماء رتبوا الكتب والعلوم. طالب العلم ينبغي أن يرتب نفسه في محفوظاته، يرتب نفسه في فهمه، ويرتب نفسه كذلك في كيفية أخذه للعلم على وجه يستروح فيه ولا يمل. إن الله لا يمل حتى تملوا. وهذا مفيد لطالب العلم، حفظ القرآن مثلًا. أنت إذا حفظت القرآن استحضر الآيات المتشابهة وفرق بينها. تنظر إلى آيات متشابهة في سورة البقرة مثلًا، وسورة آل عمران، وآيات متشابهة في سورة البقرة وفي سورة الأعراف، وآيات متشابهة في سورة الأنعام وسورة يونس، وآيات متشابهة كذلك في مواضع أخرى. أنت تنتبه لمثل هذا وتفرق: هنا يوجد واو، هنا لا يوجد واو، هنا يوجد فاء، هنا لا يوجد فاء، هنا بالجمع وهنا بالإفراد، وهكذا. فأنت تستفيد من هذا التمييز. وهذا مما ينبغي أن يعتني به طالب العلم، وهكذا في حفظ السنة، وهكذا كذلك في طريقة الحفظ وطريقة الفهم وطريقة القراءة في كتب أهل العلم، تجعله مراحل؛ لأن من أخذ العلم جملة فاته جملة. خذه مراحل، فهذا مما يستفاد من تقسيم الكتب على هذا الوجه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله هذه الآيات، والآيات في فضل العلم كثيرة، لكن اقتصر رحمه الله على هذه الآيات الثلاث. «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» وهي في الحقيقة آية عظيمة. عدم الاستواء يدلك على البون الشاسع، أي الفرق العظيم بين من علم ومن لم يعلم. لو مثلت في علوم الدنيا، فإنك ستجد لذلك فرقًا عظيمًا. فعلم الآخرة وما يوصل إلى رضا الرحمن أعظم. هل يستوي الذين يعلمون الذين لا يعلمون؟ لا يستوون. وهذا يدل على أهمية العلم؛ فهو سبب لكل خير، وسبب للانكفاف والحماية والوقاية من كل شر. وهكذا الآية الثانية: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. هذه الرفعة غير رفعة الإيمان. رفعة الإيمان شيء، ورفعة العلم شيء آخر. فإذا كان العالم مؤمنًا قائمًا بإيمانه، رفعهم الله درجات فوق درجات المؤمنين بما كان معه من العلم. وكما قال بعض أهل العلم: كما كان العالم نورًا معنويًا يستضاء به في الدنيا، فهو كذلك في منازل الكواكب في الآخرة، يرفعه الله جل وعلا تلك الرفعة. كما كانت له الرفعة في الدنيا. رفعة الدنيا كانت بتعب ونصب؛ لأن العلم الوصول إليه يحتاج إلى تعب ونصب أولًا، والعمل به يحتاج إلى تعب ونصب. ليس العمل بالعلم سهلًا؛ لأن الجاهل معذور، ما عنده علم يُعذر، ما يكلف بمسؤوليات ولا أمانات. لكن من عنده علم يتحمل مسؤوليات وأمانات عظيمة، فهو بهذا يبتلى في الدنيا أشد من غيره من الناس. فلذلك استحق أن يرفع الدرجات العالية يوم القيامة بقدر علمه وعمله بالعلم. وهذا هو قوله: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. ولاحظ قوله: «والذين أوتوا العلم درجات» بعد قوله: «يرفع الذين آمنوا منكم» بأن رفعة العلماء فوق رفعة سائر الناس. وفسره بأثر ابن عباس، وهو تقريب للمعنى. والآية الثالثة: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾. الخشية هو الخوف مع العلم. الخشية: الخوف مع العلم، خصها ربنا جل وعلا للعلماء. من يخاف الله بعلم هم العلماء، فلذلك هم الذين يخشون الله حق خشيته؛ للعلم الذي عندهم، بخلاف غيرهم. فعندهم من الغفلة بسبب الجهل ما يمنع معهم وجود الخشية. قد يكون عندهم خوف وقت البلاء والمحنة والفتنة، يأتي خوف للكل إذا ابتلي الناس، أصاب الجميع الخوف. لكن الخشية في وقت الرخاء والشدة إنما يخشى الله من عباده العلماء؛ لما استقر في قلوبهم من العلم والإيمان. وفي هذا فضيلة أخرى للعلم، وكل هذه محامد وممادح تهيئ للإنسان أن يحرص على تحصيل العلم. ثم ذكر هذه الأحاديث الثلاثة: حديث معيوية رضي الله تعالى عنه: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». وهو حديث عظيم، فيه معانٍ كثيرة، لكن الشاهد منه فيه أن علامة إرادة الله عز وجل بعبده الخير أن يفقه في الدين. يعني يعلمه العلم الذي به يقيم دينه على الوجه الذي يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه. ليس إعطاء المال علامة حب، ولا إعطاء المنصب علامة حب، ولا إعطاء الجمال والحسب والنسب علامة حب، ولا الرئاسة في الدنيا الصغيرة أو الكبيرة علامة حب. ولكن علامة الحب أن يعطيك الله عز وجل الفقه في الدين. «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». والعكس صحيح: إذا لم يرد الله عز وجل بعبده خيرًا، جعله جاهلًا معرضًا عن الدين. وهذا حال الكثير من المحرومين. يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة وهم غافلون، كالكفار والفجار في الدنيا. فإذا هذا يدفعنا كذلك للحرص على التفقه في الدين. وحديث بأمامة، وما بعده حديث في الدرداء، فيه كذلك فضل العلم بهذا التفضيل الذي ذكره نبينا عليه الصلاة والسلام. فالحديثان فيهما معانٍ كثيرة، ومنها هذا المذكور على وجه الاختصار. يقال فيه: أن فضل العالم على العابد كفضل النبي عليه الصلاة والسلام على سائر الناس. ما هو الفرق بينهما في الفضل؟ الجواب: شيء ما يتصور، وكذلك شيء لا يتصور في الفرق بين العالم والعابد، فكيف بين العالم والجاهل؟ كيف بين العالم والفاجر؟ هذا أشد وأشد، هذا أشد وأشد. فالعالم نور يصطبع به، يضيء لنفسه ويضيء لغيره. أما العابد فهو يتعبد لله عز وجل، ينفع نفسه فقط. هذا إذا أحسن في عبادته، وإلا فالكثير من العباد يخطئ في عبادته، ربما عبد الله بجهل، فأضر بنفسه فضلًا عن أن يضر بغيره. فكيف بحال من لم يكن عالما ولا عابدا؟ هذا حاله أشد، يتخبط في هذه الدنيا. وأنت تنظر إلى أحوال الكثير من الناس، وترى كيف يتخبطون في هذه الدنيا بسبب حرمان العلم، يتخبطون تخبطًا عظيمًا بسبب حرمان العلم. إما ركب خلف الدنيا: من شهوة إلى شهوة، ومن فتنة إلى فتنة، ومن منصب إلى آخر، حتى يكبه الله في قبره، فيلقى الله عز وجل وهو محروم محروم من الخير، ومليء بالسوء والشر. لما هذا؟ لما هذا التخبط؟ بسبب الجهل والبعد عن العلم. لكن إذا الإنسان حرص على العلم، قليل من العلم يضيء له الطريق، فينتفع به خيرًا كثيرًا لنفسه ولأزواجه ولذريته، وهكذا. ترى الناس يتفاوتون في التخبط في هذه الدنيا بسبب إعراضهم عن العلم. وحديث الدرداء الذي أشار إليه، وكلها أحاديث صحيحة، فيه: أن العلماء ورثة الأنبياء، فمنزلتهم عظيمة؛ حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم ورثة الأنبياء. لماذا؟ فسره النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ به، أي أخذ بالعلم، فقد أخذ بحظ وافر. من يحب أن يكون آخذًا لتركة النبي عليه الصلاة والسلام؟ من أحب ذلك فعليه بالعلم؛ فإذن للعلم شرف وفضل، وهو طريق الأنبياء. من أخذه فقد أخذ بطريق الأنبياء. لو قال: قال: «أنا أحب النبي عليه الصلاة والسلام، وأريد أن أصل إلى حيث وصل ومن معه من محبيه». فيقال له: «خذ بطريقه». طريقه من جهة العلم، طريقه من جهة العلم. خذ بالعلم تصل إلى الطريق الذي وصلوا إليه. أنت تقول: «اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم». هذا الصراط الذي تطلب الله عز وجل أن يهديك إياه، بأي شيء يهديك؟ هل بالجهل؟ الجواب: لا. هل بالمعاصي؟ الجواب: لا. لكن بماذا؟ بالعلم النافع والعمل الصالح. وهذا العلم النافع والعمل الصالح هو العلم الذي كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا فسرت بالآية الأخرى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾. ثم قال رحمه الله: عن صفوان بن عسال رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها أو أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يطلب». رواه الإمام أحمد وابن ماجة، وهو حديث صحيح. وأما الحديث الأول الذي قبله، قد يقول قائل: ما معنى «إن الله وملائكه على السماوات والأرض حتى النملة وحتى الحوت يصلون على معلم الناس الخير»؟ الجواب: شكرًا لهم على ما كان من حرصهم على العلم وتعليم الناس. والصلاة هنا: الحنو والعطف، يعني الحفظ والكلاءة والإعانة، وهو من الله عز وجل الرحمة كذلك مع هذه المعاني. وهنا «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يطلب» يعني: تعين طالب العلم. قال رحمه الله: قال الخطابي في معنى «وابعي أجنحتها» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بسط الأجنحة. الثاني: أنه بمعنى التواضع تعظيمًا لطالب العلم. الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران. وكل هذه المعاني الثلاثة لا يمنع أن تكون صحيحة. كيف يقال: الملائكة تعين طالب العلم؟ فتبارك له في وقته وفي قوته، وفي كذلك طاعته لربه، وبعده عن مساخطه. تبسط أجنحتها إعانة وحماية لطالب العلم؛ حتى كما قال ابن القيم رحمه الله: «رب إنسان حرص على الخير يغفل عنه لسبب من الأسباب، فيجد كأن أحدًا يوقظه لطريق خيره». كنائم نام من تعب عن صلاة الفجر، ما يدري إلا وكأن أحدًا يصرخ في أذنه فيقوم ويدرك صلاة الفجر. أو كأن أحدًا ضربه في رجله فيقوم فيدرك صلاة الفجر. بينما غيره ربما ينام من غير تعب أصلا، ونومه ثقيل على عادته السيئة. وهذا من إعانة الله عز وجل للصالحين. وهكذا كذلك التواضع تعظيمًا لطالب العلم، الملائكة تتواضع تعظيمًا لطالب العلم. وطالب العلم ربما ما يدري، لكن كما جاء في الحديث الآخر: «إذا أحب الله عبدًا قال لجبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماوات، وهكذا حتى يصل إلى أهل الأرض، فيوضع له القبول في الأرض». يوضع لهذا الإنسان القبول في الأرض، يعني يصير عند الناس إنسانًا مقبولًا محبوبًا. كيف هذا؟ هذا بتواضع الملائكة وتعظيمها. وهكذا المعنى الثالث: أن الملائكة تحضر مجالس العلم، كما جاء في حديث أبي هريرة: «فإن من الجوائز في حضور مجالس العلم أن الملائكة تحفها وتكون شهداء على من حضرها». قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». رواه مسلم. وفيه: أن طريق العلم طريق إلى الجنة، وتحته معانٍ كثيرة، لكن يختصر فيقال: وجهه أن العلم هو في الحقيقة مفتاح كل خير يوصل إلى رضى الرب سبحانه وتعالى. فلذلك كان طريقه طريق الجنة. «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». أنت تذهب تحضر درسًا في التفسير، هذا الدرس يأخذ بقلبك وجوارحك إلى طريق الجنة. تحضر درسًا آخر في الحديث، يأخذ بقلبك وجوارحك إلى طريق الجنة؛ لما يقذف في قلبك من الإيمان واليقين، فضلًا عن معارف كثيرة لا تعرفها، وعلوم لم تكن اطلعت عليها. تفتح لك أبواب خير كثيرة، تفتح لك أبواب خير كثيرة. فإذا كان كذلك، فينبغي للإنسان أن لا يبخل على نفسه في شيء من أمر العلم، ولا يستصغر شيء من أمر العلم؛ لأنه له مقابل عظيم. إذا قيل لك: «خذ بوزن هذا الكتاب ذهبًا». من يرده من الناس اليوم؟ ما أحد يرده. يمكن تجد المسجد هذا، سره من هذا المسجد إلى عدن، كلهم يريدون الكتاب، وزنه ذهبًا. أشتري كتابًا وأضعه، وأخذ مقابله ذهبًا، هل سيتردد أحد؟ الجواب: ما أحد سيتردد، كل الناس يريدون هذا لأجل دنيا فانية تنتهي في أيام معدودات. فكيف بخير لا يزول، ونعيم لا ينقطع، من علم نافع وعمل صالح يوصل لجنة الله سبحانه وتعالى؟ هذا ينبغي أن لا يتساهل فيه. ولهذا قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». كان بعض المشايخ يقول، وهو يحث الطلاب على اغتنام كتب العلم: أن الإنسان ينبغي أن يحضر مجلس العلم بكتاب. يقول: «من يشتري إيمانًا ببضعة دراهم؟ من يشتري إيمانًا ببضعة دراهم؟» فقال: «اغتنم كتابًا». يقول لطالب علم: «اغتنم كتابًا، احضر درسك بكتاب». فأنت تشتري إيمانًا ببضعة دراهم؛ لأنك إذا كنت تابعًا بكتاب، كان ذلك شيء من الجدية، الأكثر في تحصيل العلم جدية أكثر في تحصيل العلم. وهذا يعني دخول علم وعمل إلى القلب أكثر. كيف إذا كان بكل لحظة أنت تؤجر بهذا الكتاب؟ أنت اشتريت الكتاب لماذا؟ اشتريته لأجل العلم. فإذا كل ثانية والكتاب موضوع في الرف أو محمول في يدك أو تقرأ فيه أو لا تقرأ فيه، يكتب لك به حسنات؛ لأنك اشتريته تحتسب به وجه الله، تريد أن تتعلم العلم. فكل لحظة تكتب لك به حسنات. وإذا قرأت به زادت الحسنات. وإذا كانت الكتابة المكتوبة في العلم كثيرة زادت الحسنات. وفي حملك إياه وذهابك لك فيه حسنات. وفي فتحك في كل درس لك فيه حسنات. ومتابعتك لقراءة المدرس لك فيه حسنات. وقلب الصفحة لك فيه حسنات. وتصحيح الكلمة بالقلم لك فيه حسنات. كل هذه حسنات ما تنقطع، واحدة وراء الأخرى، واحدة وراء الأخرى. كيف نضيع مثل هذا؟ ما نضيع مثل هذا. قال: وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من جاء الموت وهو يطلب العلم يحيي به الإسلام، كان بينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة». وفيه أخبار كثيرة، والحديث ضعيف كما أشار المعلق. فيه محمد بن الجعد، وهو متروك. لكن العلم له فضل كثير، وفضائل كثيرة، فالأحاديث الصحيحة تغني عن هذا. قال: وكان بعض الحكماء يقول: «ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من أدرك العلم». ومعناه: أن من أدرك العلم لم يفته شيء، ومن فاته العلم لم يدرك شيء، ولو أدرك الدنيا كلها؛ لأنه في الحقيقة خاسر، في الحقيقة خاسر. قال: ومن فضائل التعليم ما أخرجاه بالصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم». ومعناه: أن هداية إنسان إلى الدين وتعليمه إياه خير من حمر النعم. وحمر النعم كان من أرفع أموال العرب، مثل أفخر سيارة اليوم. أفخر سيارة اليوم قيمتها كم؟ ثلاثمائة ألف سعودي، برش ولا ماذا؟ إيش من سيارة؟ حمر النعم في ذاك الزمان مثل أفخر سيارة اليوم. «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من ذلك». فكيف بعلم يهدي الله به على يديك أمم من الناس؟ في دروس، في خطابة، في تعليم، في تربية نفسك، تربية أولادك، تربية زوجتك، تربية آبائك، دعوتك لجيرانك. أنت نور بهذا العلم حيثما حللت، نفع الله بك بين أهلك، بين طلابك، بين جيرانك، بين رفقائك، بين من تصاحب وتمشي معه في السوق، في السيارة، في أي مكان. نور يستضاء بك. قال: وقال ابن عباس: «إن الذي يعلم الناس الخير تستغفر له كل دابة، حتى الحوت في البحر». وليس هذا بمبالغة؛ فقد صح به الحديث. لأن الحيتان لها إرادة وإدراك، وتدرك أن العالم يصلح الله عز وجل بهم العبادة والبلاد؛ كما أن الدواب تلعن الكافر والفاجر، كما صح عن ابن عباس وغيره. حتى العقرب تلعن الكافر والفاجر، تقول: «بهؤلاء منعنا مطر السماء». كما قال الله عز وجل: ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾. أي: كل من يستطيع أن يلعن، حتى الدواب تلعن الكافر والفاجر؛ لماذا؟ لأنهم كانوا سببًا لحرمان الخير عن أهل الأرض. فكذلك العكس: من يجري الله على يديه الخير لأهل الأرض، يصلح الله به العباد والبلاد، يدعو الناس إلى الخير وإلى الفضيلة وإلى ترك الجريمة وإلى المؤاخاة وإلى الفضيلة. بينما الناس يتخبطون في أنواع من الشهوات والشبهات وأنواع من المعاصي، ويذهبون ويرجعون ويفعلون ما يفعلون، وهو في ذاك الخير مستمر. هذا يستحق أن تستغفر له كل شيء، حتى الدواب، حتى الحوت في البحر. فإن المنصف يعرف أن هذا حق وصدق. قال: وروي نحو ذلك في حديث مرفوع للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد تقدم الحديث. قال: فإن قيل: ما وجه استغفار الحوت للمعلم؟ قال: فالجواب: إن نفع العلم يعم كل شيء، حتى الحوت. فإن العلماء عرفوا بالعلم ما يحل وما يحرم، وأوصوا بالإحسان إلى كل شيء، حتى إلى الدواب والحوت، فألهم الله تعالى الكل الاستغفار لهم جزاء لحسن صنيعهم. وليس هذا فحسب؛ لأن بالعلم يوضع كل شيء في موضعه الذي يكون به كمال العدل والإحسان. إن الله يأمر بالعدل والإحسان. قال: وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا...». إلى آخر الحديث. وإلى هنا والله تعالى أعلم. ونترك الباقي إلى درس لاحق.