الدرس في شرح الفرائد البهية 51، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول شرحًا للقاعدة الأربعين من القواعد الفقهية التي تنص على تفضيل المباشرة على السبب، مع تقديم أمثلة توضيحية. كما ناقش المقطع الثاني القواعد المختلف فيها في الفقه الإسلامي.
يناقش المقطع الثاني القواعد المختلف فيها، مثل التفرقة بين المباشر والمتسبب والمغرر، ويذكر أن هناك عشرين قاعدة مختلف فيها. كما ناقش المقطع الثالث القاعدة الأولى في كتاب القواعد المختلف فيها.
يناقش المقطع الثالث مسألة ما إذا كانت صلاة الجمعة تعتبر ظهراً مقصورة أو صلاة مستقلة بحالها، ويعرض الخلاف بين العلماء في هذه المسألة. يتم ختام الدرس في المقطع الأخير مع الإشارة إلى درس قادم.
يتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى أن هناك درسًا قادمًا سيكمل فيه الحديث إن شاء الله، مما يدل على استمرارية الموضوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الأربعون. قال: إذا اجتمع السبب أو الغرور والمباشرة، قدمت المباشرة. قال: وحيثما السبب والمباشرة يجتمعا، فقدمن الآخرة كذلك الغرور معها جعلا، واستثنيت أشياء فيما نقلا. كما إذا غصب شاتا وأمر شخصا بذبحها ولم يدر الغرر، فالغاصب الضمان يستقر عليه بالقطع إذا يغر. كذا إذا سلم زائدًا على مستأجر لحمله فحمل مؤجرًا جهله، فتلفت ضمنها مستأجر كما ثبت. قال: وحيثما أفتاه بالإتلاف أهل، فأخطأه الضمان وافي على الذي أفتى بلا خفاء، فاحذر من الخطأ في الإفتاء. ويضمن الإمام حيثما أمر ظلمًا لجاهل بقتل إن صدر. وحيثما وقف ضيعة على قوم فبانت مستحقة، فلا يضمن إلا واقف للغلة. وتم نظم الأربعين جملة، هذه القاعدة الأربعون التي ختم بها القواعد الكلية الجزئية في هذا الباب الثاني من أبواب هذه القواعد والأشباه والنظائر التي أصلها الإمام السيوطي رحمه الله تعالى. يقول الناظم: إذا اجتمع السبب أو الغرور والمباشرة، قدمت المباشرة. وسيأتي إن شاء الله معنى هذه القاعدة. وربما يعبر عنها بقولهم: إذا اجتمع السبب والمباشر، قدم المباشر على السبب، إلا أن لا يمكن تضمين المباشر، فيضمن المتسبب. ولهم عبارات أخرى هي بمعنى هذا اللفظ. ومعنى هذه القاعدة: إذا اجتمع السبب والمراد بالسبب ما كان سببًا في حصول الحكم، أو الغرور والمراد بالغرور من كان سببًا في حصول التغرير بإبداء ما ظاهره السلامة وحقيقته خلاف ذلك، والمباشرة أو المباشر هو الذي باشر ما كان به حصول الحكم، فيقدم في هذه الثلاثة صاحب المباشرة. لأن الحكم وقع به، مع التنبه أنه يطلق السبب أحيانًا ويراد به المباشر، كما سيأتي إن شاء الله. فقد يطلق السبب ويراد به المباشر، فيقال مثلًا: فلان سبب قتله، بينما هو الذي باشر القتل، لكن ليس مباشرة. كأن يكون مثلًا سقاه سمًا، فيقال: فلان سبب قتله الذي قتله السم، لكن السم لا يقتل بنفسه. واضح أن السم لا يقتل بنفسه، فالذي وضع السم هو سبب القتل، هو المتسبب في القتل، ولكنه عند التأمل هو المباشر حقيقة. وقد يطلق السبب ويراد به علة العلة، يعني سبب السبب، مثل الرمي، فالرمي علة الإصابة التي بها حصل القتل. وقد يطلق السبب ويراد به العلة التي لم يتوفر شرطها، مثل النصاب مع عدم حولان الحول، فالنصاب سبب للوجوب في الزكاة. النصاب سبب لوجوب الزكاة، ولا يتم وجوب الزكاة إلا بماذا؟ بحولان الحول مع استيفاء النصاب. ومن معاني السبب كذلك أنه العلة الشرعية المركبة من الشرط وغيره، فتقول مثلًا: الطهارة أو نقول دخول الوقت سبب للصلاة. ودخول الوقت من شروط صحة الصلاة، من شروط صحة الصلاة. والمقصود من هذا التنبيه أن نعلم أن لفظ السبب ليس دائمًا يطلق ويراد به على ما هو عليه في هذه القاعدة، فننتبه لهذا ونحن نقرأ في القواعد الفقهية التي تتناول أبوابًا كثيرة من أبواب الفقه ومسائل عديدة. قوله رحمه الله: وحيثما السبب والمباشرة يجتمع، فقدمن الآخرة، يعني قدم المباشرة. وإذا اجتمع السبب أو المسبب المباشر، فقدم المباشر. مثاله: لو أن إنسانًا حفر بئرًا على وجه غير صحيح وغير مأذون فيه، فجاء إنسان فأسقط آخر ثالث في هذا البئر، فمن الذي يلحقه حكم قتل هذا الذي سقط في البئر؟ المتسبب أو المباشر؟ المباشر. مع التنبه أننا إذا لم نعلم المباشر، فمن الذي يتحمل؟ المتسبب، ما دام أنه على وجه حفر حفرة وبئر على وجه فيه اعتداء وتعدي. فوجدنا إنسانًا في بئر غير محوطة، مثلًا بئر ليس فيها حائط، ولم ندري هل سقط بنفسه أم قتله أحد فرماه؟ فإننا إذ لم نجد المباشر، نحمل قتله من المتسبب. قوله: كذلك الغرور معها جعل، واستثنيت أشياء فيما نقل، يعني كذلك الغرور يعني ما يحصل من تغرير حكمه حكم السبب. فإذا اجتمع مغرر ومباشر، فيضمن المباشر ولا يضمن المغرر، هذا إذا لم يكن في فعل المغرر معنى المشاركة في القتل. فمثلًا لو أن إنسانًا غرر بإنسان آخر، قال له: يستدرجه أن يصل إلى من يريد أن يقتله. فلان يريدك في شيء كذا وكذا وكذا، فغرر به فذهب فقتله. المباشر يتحمل، والمغرر يعزر بما يناسب مثله. لكن إذا شارك المغرر في القتل، فهنا يكون له حكم المباشر. قال رحمه الله: كما إذا غصب شاتا وأمر شخصًا بذبحها ولم يدر الغرر، فهنا مما استثني. لأنه ذكر أن القاعدة هذه استثني منها أشياء، واستثنيت أشياء فيما نقل من هذه الأشياء. إذا غصب إنسان شاه، يعني أخذها بغير حق، ثم أعطاها لإنسان آخر، فقال له: اذبحها لي، فذبحها الجزار وهو لا يدري أنها مغصوبة، لم يدري بهذا الغرر الذي حصل. فالضمان على من؟ هل على الغاصب أم على الذابح الذي ذبح هو؟ هو الذابح، لكنه وهو المباشر لا يضمن، يضمن من الغاصب الذي غرر بهذا الذابح. فلو قال الرجل المالك: أريد قيمة شاتي، لا أريد هذا اللحم، أنا أريد شاه حية أو تعطوني قيمتها. فيقال: قيمتها ليس للذابح، والذابح لا ذنب له، غرر به، فعليك بهذا الذي غرر به، المغرر ليس المباشر. وهذا على خلاف القاعدة، وذلك لأنه لم يباشر بعمد، بل بخطأ وهو معذور بهذا الخطأ. قال رحمه الله: الباب الثالث في القواعد المختلف فيها، ولا يطلق الترجيح لاختلافه في الفروع، وهي عشرون قاعدة. قال: وهك عشرين من القواعد، تحقيقها من أعظم الفوائد، وهي القواعد التي فيها اختلف، والقول في ترجيحها لم يأتلف، ولم يسق إطلاقه للخلف في فروعها، وعدم التألف والجزم في بعض الفروع ربما بأحد الشقين جاء، فاعلم. لكن في البعض منها، وأنا أشير نحوه لمن تفطن. وقد جعلت كل جنس منها في ضمن فصل لا يزيد عنها، فانحصرت إذن فصول الباب أربعة، والشكر للوهاب. هذا الباب الثالث من الأبواب في هذا الكتاب الذي هو نظم للأصل الأشباه والنظائر للإمام السيوطي رحمه الله. وجعل الباب الثالث في القواعد المختلف فيها، يعني هل تطلق قاعدة أو ليست بقاعدة، وزيادة أنها المختلف فيها، ولم يأتي إطلاق الترجيح فيها لاختلاف مواردها في فروع مسائلها. يعني لم يجزموا بترجيح هذه القاعدة في أحد شقيها كما سيأتي إن شاء الله. وذكر أنها عشرون قاعدة، لأن الأصل القاعدة كما تقدم معنا في أوائل الكتاب، إنما تطلق على الأمر الكلي الذي تدخل تحته أجزاء وفروع، فيعين وضع هذه القاعدة للوصول إلى أحكام تلك المسائل الفرعية والأجزاء التي هي منثورة في أبواب كثيرة من أبواب الفقه. فلما كانت هي أصلا ليست كذلك، فكونها تسمى قاعدة فيه خلاف. ولأن بعض أهل العلم سماها قاعدة، وبعضهم نازع في كونها قاعدة على هذا المعنى، ذكرت في هذا الباب الثالث وهي في القواعد المختلف فيها. ثم قال في النظم: وهك عشرين من القواعد، تحقيقها من أعظم الفوائد، يعني سيأتيك خذها في هذه الأبيات الآتية، فهي على عشرين قاعدة سيأتي ذكرها مرتبة كما ذكر، وتحقيقها من أعظم الفوائد، يعني كونك تعرف كلام أهل العلم فيها بأدلتها، فهذا من أعظم الفوائد. لأنك تصل به إلى معرفة الصواب فيما اختلف فيه، وهذا من العلم الدقيق لا يصل إليه إلا أهل التحقيق. والتحقيق هو البحث في الوصول إلى الصواب على الوجه الذي وافق الحقيقة، الذي وافق الحقيقة. وهذا لا يتوصل إليه إلا بعد عناء. وقوله: وهي القواعد التي فيها اختلف، والقول في ترجيحها لم يأتلف، يعني أن هذا الباب في الكلام على هذه القواعد العشرين التي وقع فيها الخلاف عند أهل هذا المذهب من الشافعية، وعند غيرهم كذلك. قال رحمه الله: الفصل الأول، القاعدة الأولى. قال: هل الجمعة ظهر مقصورة أو صلاة بحالها؟ فمن أهل العلم من قال: الجمعة ظهر مقصورة، فجعلوها قاعدة، وانبنى على هذا مسائل. ومنهم من قال: الجمعة صلاة بحالها، وهذا الثاني هو قول الكثير من المحققين كما سيأتي إن شاء الله، وهو الراجح، وانبنى على هذا مسائل. ولأن هذه القاعدة مختلف فيها، ذكرها في هذا القسم الثالث في الباب الثالث من القواعد المختلف فيها. ثم قال رحمه الله: قالوا: هل الجمعة ظهر قصرت أو بل صلاة بحيالها جرت؟ فيها كما قد نقلوا قولان. وقد يقول بعضهم: وجهان. ومسلك الترجيح فيها ما اختلف، للخلف في فروعها وما أتلف. ومعنى هذا أنه كما أشار وقد تقدم: اختلف في هذه القواعد، ومنها هذه القاعدة: هل الجمعة ظهر قصرت؟ أي صارت مقصورة، لأن الأصل أن الظهر أربعًا، فهل هي ظهر صليت ركعتين لسبب واختير في هذا السبب؟ قيل: لمشقة الاجتماع، وقيل: لتغليب من يأتيها من بعيد، وقيل: غير ذلك. أو بل صلاة بحيالها جرت؟ يعني صلاة فرضت هكذا، ليس فيها قصر. وهذا الثاني هو الأصح كما سيأتي. قال: فيها كما قد نقلوا قولان، والقول عند أهل المذاهب ما ينسب للإمام إمام المذهب، والوجه عندهم ما يخرج على فتوى إمام المذهب. فإذا قالوا: هذا قول في المذهب، يعني مروي عن إمام المذهب، سواء صح هذا القول أو لم يصح، لكنه منسوب لإمام المذهب. وإذا قيل: هذا وجه في المذهب، يريدون به ماذا؟ أنه مخرج أفتى بأشياء تشبه هذا، فألحق هذا بذاك، فهذا يسمى وجهًا. فهنا يقول: أنه اشتهر عند الشافعية في هذه المسألة قولان، يعني عن الإمام الشافعي، كلاهما مروي محكي. ومنهم من يقول: بل وجهان، يعني ليس هناك شيء صحيح صريح محكي عن الإمام الشافعي في المسألة، ولكنه يفهم من فتوى الإمام الشافعي في بعض المسائل أن له في هذه القاعدة وهذه المسألة وجهان. خرج على فتاوى استنبط هذا من الفتاوى التي أفتى بها كونه قال كذا، معناه أنه يقول كذا. هذا يسمى وجهًا. ثم قال: ومسلك الترجيح فيها مختلف، السبب الذي لأجله والطريقة التي بها حصل الترجيح اختلف، للخلف في فرعها وما أتلف. والسبب الاختلاف في مسلك الترجيح أنهم اختلفوا في فرع مسائل تدخل تحت هذه القاعدة، فلما اختلفوا اختلف الترجيح. فلهذا صارت من القواعد المختلف فيها. وعلى هذا خرجوا مسائل، لو خرج الوقت وهم فيها، فمن قال: أنها ظهر مقصورة، وجب عليهم الظهر، كونها ظهر مقصورة. ومن قال: أنها جمعة صلاة بحالها، فإنه ولو خرج الوقت يصليها ماذا؟ بحالها ركعتين، لأنها جمعة، ما دام مجتمعين لها، ولو حصل لهم عذر فيصلونها جمعة. وهذا الثاني كما تقدم هو الصحيح. وهكذا كذلك من فروعها: لو اقتدى بعد صلاة الجمعة مسافر، فهل يلزمه أن يصلي صلاة إتمام أم يصلي صلاة بحالها؟ فمن قال: أنها صلاة بحالها، فإنه يصليها كما. ومن قال: ليس كذلك، فإنه يتم. والصحيح أن هذه الصلاة صلاة لحالها، فإذا صلى المسافر خلف المقيم أتم. وأما إذا صلى المسافر خلف المجمع وأدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة فيصليها كما شرعت ركعتين، لا يزيد فيها لكونه صلى وهو مسافر خلف مقيم. فيقال: بل صلى خلف مقيم الصلاة في حقه ركعتين هكذا شرعت، فيصلي مثله، فيصلي مثله. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. إلى هنا نقف، ونترك الباقي إلى الدرس اللاحق إن شاء الله.