الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث القيء والصيام وآراء العلماء في صحة الحديث ودلالته على أحكام الصيام. يتناول المقطع أيضًا تعليق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث.
يناقش حكم القيء للصائم، حيث ناقش صحة الحديث المتعلق بالموضوع وخلص إلى أن القول الراجح هو عدم قضاء الصيام إذا كان القيء بغير عمد. كما تطرق إلى مسألة تعمد القيء وتأثيره على الصيام.
يناقش حكم القيء في الصيام واستدلالات أهل العلم حوله، ويخلص إلى أن القيء ليس مفطرًا على الراجح من أقوال أهل العلم. كما يتناول مسألة الوضوء من القيء.
يتناول شرح حديث البطاقة ومدى انطباقه على غير صاحبه، كما يتناول حكم الصلاة على الجنازة في المسجد والإعلام بها، مع عرض آراء العلماء.
يصرّ إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى. تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذا هو الدرس الثاني والمجلس الثاني في درسنا في كتاب حقيقة الصيام، وتعليق شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى. وكان في الدرس السابق الوقوف عند قوله، رحمه الله تعالى: «وثبت بالسنة أيضًا من حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "وبالفل استنشاق، إن لم تكن صائمًا". قال: فدل على أن إنزال الماء من الأنف يفطر الصائم، وهو قول جماهير العلماء». أظن هذا آخر ما وقفنا عليه في الدرس السابق. وسبق معنا في الدرس الماضي أن علمنا أنه أشار بإرادة هذا الحديث، رحمه الله، إلى أن الإفطار قد يكون بدخول مفطر من غير المدخل المعتاد، إذا كان على وجه يكون به الإطعام، مثل الأنف. وهذه الحكمة في النهي عن المبالغة في الاستنشاق، ولأنه يحصل معنا الإطعام بدخول الطعام من هذا المدخل، مثل المريض الذي سبقت بشارة إلى مثاله، قد لا يستطيع أن يدخل له الطعام من فمه، فيدخل له من أنفه، فيمر بطريق الطعام ويدخل إلى الجوف. فمنفذ الفم والأنف كلاهما يلتقيان في المدخل الذي يكون به الطعام والشراب، فيصل إلى جوفه ومعدته، فيحصل له المقصود. بقي: إذا دخل المفطر من غير محله، فهل يكون مفطرًا؟ الجواب: كما تقدم، المسألة فيها خلاف، والصحيح في هذا التفصيل. فإذا دخل ما ليس بأكل ولا شرب ولا بمعنى الأكل ولا الشرب، مثل الغبار ونحوه، فهذا لا يفطر. أو دخل الأكل والشرب أو ما كان بمعناه، ولكن من غير مدخله، مثلًا أدخل له شيء من ذلك في جراحة، كالعسل يوضع في جراحة ولو كانت عميقة في الجلد، في الفخذ أو في الرأس أو في غيره، فهذا لا يضره، كما أن من الأول لو أدخل شيء من الأدوات للفحص، ولو من مكاني الطعام والشراب، مثل الناظور وما كان بمعناه، إذا أدخلت من الفم أو من الأنف إلى المعدة، فهذا لا يفطره، لأنه ليس بطعام ولا شراب. ولو دخل من مدخل الطعام والشراب، أو كذلك أدخل له شيء من الأسفل، فإنه على الصحيح لا يفطره ذلك، لأنه أولًا إذا أدخل ما ليس بطعام ولا شرب، فهو ليس بطعام ولا شرب. وإذا أدخل ما فيه معنى الطعام والشراب، فإنه على الصحيح لا يفطره، لأنه ليس مدخلًا للإطعام وللانتفاع، وليس هو مدخل الطعام والشراب المعتاد. فإذا أدخل شيء من الأسفل، فهو لا يفطر. فإن قيل: قد ينتفع الجسم ببعض هذا الذي يدخل، كالدواء أو بعض السوائل. فيقال: ولو كان كذلك، لأنه ليس هو المدخل المعتاد، والشرع إنما جعل ضابطًا في هذا بعمومات الأدلة من الكتاب والسنة، فنبقى على هذا الأصل، ولا نخرج عنه إلا بدليل. لا نخرج عنه إلا بدليل، مثل الجائحة والجروح العميقة التي تكون في الجلد أو في الرأس أو نحوه، فإنه على الصحيح، ولو استعمل فيه معنى الطعام والشراب، فلا يضر ولا يفطر. ثم قال، رحمه الله تعالى: «وفي السنن حديثان، أحدهما حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقضي". قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهذا الحديث لم يثبت عند طائفة من أهل العلم، بل قال: هو من قول أبي هريرة. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس من ذا شيء، يعني أنه لم يصح هذا الحديث مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وقال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عنه، فلم يعرفه إلا عن عيسى بن يونس، قال: وما أراه محفوظًا، يعني لا يصح هذا الحديث مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «وروى يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم أن أبا هريرة رضي الله عنه كان لا يرى القيء يفطر الصائم. قال الخطابي: وذكر أبو داود أن حفص بن غياث رواه عن هشام كما رواه عيسى بن يونس، قال: ولا أعلم خلافًا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عمدًا فعليه القضاء، ولكن اختلفوا في الكفارة. فقال عامة أهل العلم: ليس عليه غير القضاء. وقال عطاء: عليه القضاء والكفارة. وحكي عن الأوزاعي، وهو قول أبي ثور. قال شيخ الإسلام: قلت: وهو مقتضى إحدى الروايتين عن أحمد في إيجابه الكفارة على المحتجم، فإنه إذا أجابها على المحتجم، فعلى المستقي أو لا. لكن ظاهر مذهبه أن الكفارة لا تجب بغير الجماع، كقول الشافعي». قال: «والذين لم يثبتوا هذا الحديث لم يبلغهم من وجه يعتمدونه. وقد أشاروا إلى علته، وهو انفراد عيسى بن يونس. وقد ثبت أنه لم ينفرد به، بل وافقوه حفص بن غياث». طيب، أولًا نقف عند هذا الحديث وما فيه من مسائل. المسألة الأولى: أشار شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في هذا الموضع إلى أن هذا الحديث عدد كبير من الحفاظ يضعفونه ويرونه حديثًا معللًا، وهو كما قال. وأشار، رحمه الله، فقد ضعفه كما نرى الإمام أحمد والترمذي فيما نقله، كذلك عن الإمام البخاري، وهكذا كذلك أبو داود وابن عدي كما في الكامل. وقد أشار إلى اضطراب في إسناده، ورجح جماعة من الحفاظ أنه موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه، كما جاء معناه موقوفًا كذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقد أشار البخاري، رحمه الله، إلى معنى ذلك. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم، رحمه الله، في شرح هذا الحديث كما في السنن، إلى أن الحديث له علتان: العلة الأولى أنه موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه، وقفه عطاء وغيره، وهذا الذي يرجحه الحفاظ. والثاني أنه صح عن أبي هريرة رضي الله عنه من قوله ما ينافي ظاهر هذا الحديث، فإنه جاء في البخاري: «إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج». ومعناه أن الإفطار إنما يكون مما دخل، لا مما خرج. وقد روى الإمام البخاري، رحمه الله، بصحيحه عن ابن عباس هذا المعنى، أن الإفطار مما دخل لا مما خرج، رواه معلقًا، وجاء موصولًا عند البيهقي وغيره. بل وجاء هذا المعنى أن الإفطار يكون مما دخل لا مما خرج، عن عائشة وعن ابن مسعود رضي الله عنهم جميعًا. فإذا كان كذلك، وهذا الحديث كما نرى حديث معل، ذكره شيخنا، نقله رحمه الله في كتابه حديث معل، ونقل عن صاحب فيض القدير أن أحمد أنكره، وأن الدارمي، رحمه الله، قال: «زعم أهل البصرة أن هشامًا وهم فيه»، أي وهم في هذا الحديث. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، كما نرى إلى معنى ذلك. فالحديث من حيث الإسناد لا يصح، ومن حيث المعنى كذلك خالف قول راويه، ما يقتضي هذا المعنى. وبهذين المرجحين رجح من رجح من الحفاظ عدم العمل بهذا الحديث. وسأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله. المسألة الثانية التي أشار إليها، رحمه الله، الآن المسألة الأولى مسألة القيء، هل يفطر أو لا يفطر؟ وسعة الأقوال فيها إن شاء الله. والمسألة الثانية هي: إذا كان يفطر، فمن استقاء عمدًا على قول من قال أنه يفطر، فمن استقاء عمدًا، فهل عليه القضاء فقط أو القضاء والكفارة؟ هذه المسألة الثانية. فنبدأ بالمسألة الأولى: المسألة الأولى كما تقدم معنا، الحديث من حيث الرواية لا يصح. وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة أنه ليس عليه قضاء، سواء قاء بغير عمد أو استقاء، أي تعمد القيء. مع أنه لا ينبغي له أن يتعمد القيء، لماذا؟ لأنه قد يضطر للفطر، وقد يقع في الفطر بسبب هذا التعمد، إما لأنه سيتعب إذا أخرج كل شيء من بطنه، سيرهقه ذلك ويتعبه، فيضطر للفطر، فلا يستطيع تحمل الصيام. إما ثانيًا: أن يكون سببًا لدخول شيء مما يخرج منه، لأن الغالب أن من يريد أن يخرج شيئًا يكرر ذلك، وربما يدفعه هذا إلى دخول شيء مما خرج. وهذا يكون سببًا في فطر، لأن الفطر مما دخل. والثالث: أنه كما سمعنا في قول جماعة كبيرة من أهل العلم يرون أن من استقاء، أي تعمد القيء، يفطر لما ورد في هذا الحديث مرفوعًا. وإذا لم يصح مرفوعًا، فهم يرجحون كذلك الموقوف، وأنه يؤيد هذا القول، مع ما سيأتي ذكره من حديث آخر، حديث أبي الدرداء الذي سيأتي إن شاء الله. فخروجًا من الخلاف وسلامة للصيام، لا يتعمد الصائم أن يستقي وهو صائم. فإن اضطر إلى ذلك، فما الحكم؟ الصحيح أنه لا يفطر، ما دام لم يدخل شيء إلى جوفه، إلا إن تعب، فهو مريض يضطر للإفطار لمرضه. وأشار شيخنا، رحمه الله، في تعليقه هاهنا في مسألة من تعمد الإفطار عمومًا، هل يقضي أو لا يقضي؟ وسيأتي، إذ أشار، رحمه الله، في التعليق إلى أن المسألة فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يقضي، سواء صام ثم أفطر عمدًا، أو أنه ترك الصيام من الأصل، هذا بالنسبة لأصل الصيام، أنه يقضي، يعني إذا أراد القضاء فليقضي بعد، ولو بعد حين. القول الثاني: أنه لا يقضي، سواء ترك الصيام من الأصل أو تعمد الإفطار، لا فرق بين المسألتين، لا يفرقون. هذا قول آخر. القول الثالث: وهو الذي يرجحه شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، كما أشار في الصفحة التي قبل هذه، التفصيل. التفصيل: فإنه يفصل: إذا ترك الصيام ثم صامه بعد رمضان، فإنه لا يقضيه، يعني ترك أصل الصيام، فهذا تارك لأصل الصيام عمدًا، فليس له قضاء. وطبعًا استدلوا بأشياء مما استدلوا به، حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد والأربعة مرفوعًا: «من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا عذر، لم يقضه وإن صام الدهر كله». والحديث حديث ضعيف، هذا هو الصحيح في هذا الحديث. فقد جاء من رواية أبي المطوس محمد بن المطوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأبو المطوس محمد بن المطوس مجهول لا يعرف إلا في هذا الحديث، هذه علة. وقد تفرد بهذا الحديث، وعلة أخرى: أنه يرويه عن أبيه عن أبي هريرة، قد قال البخاري كما ذكر الترمذي في العلل الكبير: أنه سأل الإمام البخاري، رحمه الله، عن هذا الحديث، فذكر أن أبا المطوس هذا محمد بن المطوس لا يعرف إلا بهذا الحديث، فهو مجهول. ثانيًا: أنه يرويه عن أبيه عن أبي هريرة، وأشار البخاري أنه لا يعرف سماعًا من أبيه عن أبي هريرة، فهذه علة ثانية. وأضاف ابن أبي حاتم، رحمه الله، في العلة الثالثة: فقد سأل أباه عن هذا الحديث، فأشار أبو حاتم، رحمه الله، إلى أن الراجح في إسناد هذا الحديث أنه من طريق أبي المطوس عن أبي هريرة، ليس فيه ذكر المطوس والد أبي المطوس، يعني ليس هو من رواية أبي المطوس محمد بن المطوس عن أبيه عن أبي هريرة، بل الصواب من رواية أبي المطوس عن أبي هريرة، فيكون منقطعًا. إذن هذه ثلاث علل في هذا الحديث ترجح ضعفه. فإذا لم يثبت الحديث، فهل لا يثبت الحكم؟ الجواب: هناك أدلة أخرى وعمومات تدل على أن من تعمد الإفطار، بل من تعمد ترك العمل من أصله، فإنه لا قضاء عليه بعد خروج الوقت، كالصلاة. من تركها عمدًا فليس له قضاء، ليس عليه قضاء، لأنه تركها عمدًا لخروج الوقت. وكذلك الصيام على الصحيح، بخلاف من وقع منه نسيان أو خطأ، فوقتها إذا ذكرها. وكذلك الصيام إذا أفطر، كما أشار الشيخ، رحمه الله، في هذا التفصيل، لوجود سبب فيستأنس بهذا الحديث: «إن استقاء فليقضي»، يعني إن وقع منه عذر للإفطار ولو تعمده، فإنه يقضي هذا اليوم. وأما شيخ الإسلام ابن تيمية، يرى أن من تعمد إفطار يوم بأي نوع من المفطرات، فإنه لا يقضي إذا خرج وقته. والصحيح في هذا التفصيل كما أشار شيخنا، رحمه الله، رحمة واسعة. وقد يقال: لماذا لا نفرق؟ فنقول: أن من تعمد الفطر دون النظر إلى أنه أراد الصيام، كأن يكون ممن لا يعرف بالصيام أصلا أو لا يبالي بالصيام، هناك قرينة تدل على ذلك. فيقال: الأصل هو ما سمعنا على هذا التفصيل. فإن جاءت قرينة أخرى تدل أن حاله كحال من لم يصم من أصله، وبعد أن تاب وذهب رمضان أراد أن يقضي، فنقول له: لا تقضي، لأنك تعمدت الفطر، وقد خرج وقت الصيام. وكذلك يقال لمن كان حاله كحال هذا الإنسان. هذا هو التفصيل في هذه المسألة. وهذه هي المسألة الثانية. المسألة الثالثة: هل مع القضاء كفارة؟ كفارة، هل مع القضاء كفارة؟ فيها خلاف كذلك. والصحيح ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وألمح إليه شيخنا، رحمه الله، في التعليق، من أن الكفارة إنما بالجماع. الكفارة وردت فيمن تعمد الفطر بالجماع، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين. وسيأتي بإشارة إليه إن شاء الله. أما من لم يكن كذلك، أي أفطر بسبب إنزال بدون جماع، أو أفطر بأكل شيء أو شرب أو نحو ذلك من المفطرات، فإنه على الصحيح من أقوال أهل العلم، عليه القضاء فقط، وليس عليه الكفارة. وقد ورد حديث ضعيف لا يصح، بل بعضهم حكم عليه بالوضع، في أن من تعمد فطر يوم، فعليه القضاء والكفارة، يطعم مساكين. ولكن لا يصح، بل بعضهم حكم عليه بالوضع. طيب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: «والحديث الآخر يشهد له»، يعني هناك حديث آخر يشهد للحديث الأول في قضية القيء، أن من استقاء فإنه يقضي، وأن القيء مفطر من المفطرات. قال: «وهو ما رواه أحمد وأهل السنن كالترمذي عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر». قال: «فذكرت ذلك لثوبان، فقال: صدق، أنا سقته غبوقًا، لكن لغو أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوبى». رواه أحمد عن حسين المعلم. قال الأثرم: «قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث، فقال: حسين المعلم يجوده. وقال الترمذي: حديث حسين أرجح شيء في هذا الباب». قال: «وذلك قد استدل به على وجوب الوضوء من القيء، ولا يدل على ذلك، فإنه إذا أراد بالوضوء الوضوء الشرعي، فليس فيه إلا أنه توضأ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل يدل على أن الوضوء من ذلك مشروع. فإذا قيل: إنه مستحب، كان فيه عمل بالحديث». قال: «وكذلك ما روي عن بعض الصحابة من الوضوء من الدم الخارج، ليس في شيء منه دليل على الوجوب، بل يدل على الاستحباب. وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على وجوب ذلك، كما قد بسط في موضعه. بل قد روى الدارقطني وغيره عن حميد عن أنس قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه. ورواه ابن الجوزي في حجة المخالف، ولم يضعفه، وعادته الجرح بما يمكن». طيب، نقف عند هذا المقطع الذي ذكره، رحمه الله. أشار أولًا إلى حديث لأبي الدرداء وثوبان: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر». وهذا الحديث على الصحيح كما أشار هاهنا شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، لا يصح. فقد حكم عليه الحفاظ بالاضطراب، كما نرى في كلام الإمام أحمد، رحمه الله، ونحوه كلام الإمام الترمذي، فقد رجح رواية حسين المعلم، وروايته تفيد ذكر الوضوء، لا الصيام، لا الإفطار، الوضوء، لا الإفطار. بل ضعف بعض أهل العلم الحديث مطلقًا، ليس بترجيح الوضوء على الإفطار، لأن ألفاظه مضطربة. وهذا ما نقل عن جماعة: البيهقي والبزار، وأنه حصل به مع ما فيهم من الاضطراب شيء من التفرد والنكارة في بعض الألفاظ. فعلى هذا يكون الحديث ضعيفًا لا يصح. ولهذا قال الترمذي، رحمه الله، في سننه: «إن صح»، يعني علق الحديث، لما يظهر منه من أنه ظاهره أنه لا يصح، لوجود هذا الاضطراب وكلام الحفاظ فيه. طيب، على تقدير صحة الحديث: «قاء فأفطر»، هل يفيد أن القيء مفطر من المفطرات؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يفيد ذلك، لأنه على تقدير صحة الحديث، أفاد أنه أفطر، لكن ليس لأن القيء مفطر، لأنه لا دليل على ذلك، ولكن قد يكون لأنه تعب، أو لدخول شيء إلى الجوف. فليس فيه دليل أن القيء مفطر من المفطرات. وقد تقدم معنا أنه لا ينبغي تعمد القيء، ومن تعمد القيء عرض نفسه للإفطار من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنه قد يتعب، فيضطر للإفطار. الوجه الثاني: أنه قد يدخل شيء، فيكون سببًا في الإفطار. الوجه الثالث: أنه يوقع نفسه في الخلاف الذي فيه قول الكثير من أهل العلم بالإفطار لمن تعمد القيء. فلذلك لا ينبغي الإنسان أن يتعمد القيء. وإذا وقع، ففيه الخلاف الذي سمعنا، والصحيح والراجح من أقوال أهل العلم أن القيء ليس بمفطر. ومن أراد البسط في الكلام على روايات هذا الحديث وطرقه، فليرجع إلى كتاب الحافظ ابن حجر، رحمه الله: «التلخيص الحبير»، أو الأصل كتاب «نصب الراية» للزيلعي، رحمه الله. ثم أشار، رحمه الله، في ثنايا هذا الكلام على هذا الحديث إلى مسألتين: المسألة الأولى: حكم القيء، وأنه بطرق من المفطرات، وسبق الكلام عليه. والمسألة الثانية: مسألة الوضوء من القيء، والصحيح كذلك أنه لا يصح الوضوء من القيء، لعدم صحة هذه الرواية، أي رواية: «قاء فتوضأ»، فهي رواية ضعيفة على الصحيح، لأن حسين المعلم تفرد بها، تفرد بهذه الرواية، فهي رواية منكرة. ولهذا قال شيخ الإسلام: أنه لو صحت هذه الرواية، فيحمل على الوضوء الذي هو ليس الوضوء الشرعي، لأنه لم يرد في الحديث أنه توضأ وضوءًا شرعيًا، فيكون معنى الوضوء هنا هو التطهر العام، بمعنى التنظف من آثار هذا القيء، من آثار هذا القيء. هذا معنى كلامه، رحمه الله تعالى. ثم ذكر تبعًا لذلك مسألة ثالثة، وهي ما روي عن بعض الصحابة في الوضوء من الدم الخارج. والصحيح في هذه المسألة، وهذه المسألة ليس محلها هنا، والتي قبلها، هذه في كتاب الطهارة، لكن ذكرها استطرادًا: الصحيح أنه ليس هناك دليل صحيح صريح في الوضوء من الدم الخارج، يعني من الجسد، لا من السبيلين. الكلام على الخارج من الجسد. فيقول، رحمه الله: «ليس فيه شيء يدل على الوجوب». فإن صح أي عن الصحابة، فيحمل على الاستحباب. فتجديد الوضوء عمومًا مستحب، وفي مثل هذا الموضع كذلك، ولكن هل يجب؟ الصحيح: لا يجب. وقد صح عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلون بدمائهم وجراحاتهم. وهذا محله في كتاب الطهارة. ثم أشار، رحمه الله، إلى أنه ليس في الأدلة الشرعية ما يدل على وجوب ذلك. وقد بسط في موضعه، يعني في كتاب الطهارة. قد أشار شيخ الإسلام، رحمه الله، في مواضع من كتبه إلى هذه المسألة. ثم ذكر حديث الدارقطني: «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ولم يتوضأ، ولم يزد على أن غسل محاجمه»، يعني يريد أن يستدل به، أي بهذه الرواية، على ما سبق: أنه إذا كان كذلك في الحجامة، فهو كذلك في القيء. لكن كما تقدم معنا: هو أصلا لم يصح في القيء، وكذلك لم يصح في الحجامة، لم يصح في الحجامة. فليس هناك واجب لا بعد الحجامة ولا بعد القيء، لعدم ورود شيء صحيح صريح يدل على ذلك. قال، رحمه الله تعالى: «وأما الحديث الذي يروى: "ثلاث لا تفطر: القيء والحجامة والاحتلام". وفي لفظ: "لا يفطرنا لا من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم". فهذا إسناده غير ثابت». ما رواه الثوري وغيره عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا رواه أبو داود. وهذا الرجل لا يعرف. وقد روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن عبد الرحمن ضعيف عند أهل العلم بالرجال. قلت: رواية عن زيد من وجهين مرفوعًا لا تخالف رواية المرسلة، بل تقويها. والحديث ثابت عن زيد بن أسلم، لكن هذا فيه: إذا ذرعه القيء. ورواه غير واحد عن زيد بن أسلم مرسلًا. وقال يحيى بن معين: «حديث زيد بن أسلم ليس بشيء». ولو قدر صحته، لكان المراد: من ذرعه القيء، فإنه قرنه بالاحتلام. ومن احتلم بغير اختياره، كالنائم، لم يفطر باتفاق الناس. وأما من استمنى فأنزل، فإنه يفطر. وللبعض الاحتلام إنما يطلق على من احتلم في منامه. طيب، هذا يتناول مسائل كثيرة، والوقت قد انتهى، لكن يكفي أن نذكر ما يتعلق بالقيء. فالحديث لا يصح أولًا كما أشار الشيخ، رحمه الله، ونقل عن الأئمة عدم صحته. وثانيًا: أنه ليس صريحًا في الدلالة على ما في حديث أبي هريرة: «من استقاء فليقضي». ولكن كما قال الشيخ، رحمه الله: إذا صح، فيحمل على ما جاء في حديث أبي هريرة، وما جاء في بعض الألفاظ بمعنى. ولكن هو لم يصح. وهذا التوجيه على تقدير صحته، وقد علمنا الراجح في هذه المسألة، والمسألة فيها خلاف كما تقدم. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في الدرس اللاحق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا. والله تعالى أعلم. بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذه بعض الأسئلة التي وردت. السؤال الأول: يقول السائل: حديث البطاقة، هل هو حاصل لرجل من هذه الأمة فقط، لا يدخل معه غيره كما هو ظاهر بعض روايات الحديث، ونص عليه بعض مشايخنا كالشيخ العباد في شرح سنن ابن ماجة؟ أم يدخل غيره ممن هو على حالته؟ الجواب: الظاهر والله أعلم، على ما في المسألة من خلاف. صحيح ورد عند أحمد والترمذي وغيرهما: «يخلص رجل من أمتي»، ثم ذكر الحديث، حديث صاحب البطاقة. ولكن هل هذا معناه حصر لهذا الرجل أولًا وأنه ليس في هذه الأمة إلا هذا الرجل فقط؟ ثم ثانيًا: هل هو في هذه الأمة وليس في الأمم السابقة؟ يعني موحد عنده معاصي. المسألة فيها خلاف. والراجح والله أعلم على قاعدة أهل العلم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أنه لا مانع أن يكون هناك أكثر من شخص يدخل في هذا المعنى. ولهذا بعض العلماء قديما وحديثا: أن من فضائل التوحيد أنه يكفر الذنوب والخطايا مهما كثرت، إذا صح وصدق هذا الموحد في توحيده. ولهذا جاء عن شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى: «أن العبرة بسلامة التوحيد لا بالسلامة من الذنوب»، أو كما قال، رحمه الله تعالى. فكون المرء يسلم له توحيده، هذا هو المهم، وليس أن يعتني بإصلاح أعماله مع فساد التوحيده، مع فساد التوحيد، لأن أعماله ستحبط، ولن تقبل منه: «ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون». وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا، وغير ذلك من الأدلة في هذا المعنى. على أن التوحيد إذا كامل سلمت الجوارح من الذنوب والمعاصي، وأقبلت على الطاعات، فكمال التوحيد يقتضي ويلتزم ويستلزم ذلك. هذا باختصار. فالخلاصة: لا مانع أن يكون على الصحيح والله أعلم أن يكون هناك شخص آخر أو أشخاص في هذه الأمة، بل وفي الأمم السابقة. وهذا من فضائل التوحيد، وهذا الذي بوّبه الأئمة قديما وحديثا في ذكر فضائل التوحيد. والله تعالى أعلم. طيب، السؤال الثاني: يقول السائل: الصلاة على الجنازة في المسجد، هل هي مشروعة كما كنا عليه في أول الدعوة؟ وهل لا بأس بالإعلام بهذه الصلاة؟ طيب، هاتان مسألتان. المسألة الأولى: هل يشرع صلاة الجنازة في المسجد؟ الجواب: نعم يشرع، بدحضية إلى ذلك يصلى. وإذا صلي بجانب المقبرة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، هذا مشروع، فلا حرج. هذا وهذا كله جائز. وأما الإعلام عن الجنازة، إن أريد بالإعلام إخبار الحاضرين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم حين ماتت المرأة التي كانت تقوم من الليل: «ألا أعلمتموني»، يعني معناه في مشروعية الإعلام بموت الميت والصلاة عليه. ولكن الخلاف أن يتعدى الموجودين. كان يرسل الخبر كما هي العادة في بعض البلاد، يرسل الخبر بأوراق توزع على مساجد المدينة أو أوسع من ذلك، يعلن في الجرائد أو في الإذاعة أو شيء من وسائل الإعلام، فهذا التوسع يخشى أن يدخل في معنى النعي المنهي عنه. والمسألة فيها خلاف. فبعض العلماء كما قد يكون قد بلغكم يرى أن هذا من التعاون على البر والتقوى، أنه لا مانع أن يعلن في المدينة نفسها أنه سيكون اليوم الصلاة على فلان في المسجد الفلاني. وبعض العلماء يرى أن هذا من النعي، لا يحتاج إعلانات في المساجد، حتى لا يحصل التشبه أو قريب منه مما كان في أهل الجاهلية. لكن يكفي أن يكون اتصال لمن له معرفة بالميت، ويبلغ بعضهم بعضًا بما يمكن به حصول المقصود. وكانوا يعجلون دفن الميت والصلاة عليه، هذا هو الراجح. والله تعالى أعلم، وكما سمعتم مسألة فيها خلاف. طيب، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.