الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ الرد على أقوال ضعيفة في المفطرات ويستدل على جواز استخدام الصائم للكحل والدهن والطيب. يشرح ذلك بالاستناد إلى آراء شيخ الإسلام ابن تيمية.
يناقش المقطع ضعف قياس الشبه ويعرض أمثلة لتطبيقات خاطئة له، مثل اعتبار التدخين مفطرًا بينما بخاخ الربو ليس كذلك، ويبرز عدم صحة هذا القياس لعدم وجود أساس شرعي.
يرد الشيخ على آراء العلماء الذين قاسوا أفعالًا معينة على الفطر، موضحًا عدم صحة قياسهم لعدم وجود علة واضحة تربط بين الأصل والفرع، ويشرح شروط القياس الصحيح.
يناقش المقطع مسائل فقهية متعلقة بالصيام والصلاة، ويتناول كيفية التعامل مع حالات خاصة مثل الإغماء والغيبوبة، ويشرح رأي شيخ الإسلام في بعض هذه المسائل.
يروي المقطع قصة خروج النبي صلى الله عليه وسلم أثناء اعتكافه لحاجة، ويبين جواز خروج المعتكف لقضاء حاجة ضرورية، ويشرح الأحكام المتعلقة بالاعتكاف.
يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام بن تيمية، رحمهم الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو الدرس التاسع من دروسنا ومجالسنا في التعليق على كتاب حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وما يتبع ذلك من كلام شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، في تعليقه على هذا الكتاب النافع الماتع. وكان آخر ما وقفنا عليه ما ذكره رحمه الله فيما نقله عن الإمام أحمد في المنع، وما نقله من المنع في المنصوص عن الإمام أحمد من الصلاة في الحشوش، وعتان الإبل، والحمام، فيما ذكره الخرقي، رحمه الله تعالى. ثم قال رحمه الله تعالى: قال وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لابد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما، ولابد أن تنتقل الأمة، ولابد أن تنقل الأمة ذلك، فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى، كما تعم بالدهن، والأغسال، والبخور، والطيب، ولو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بيّن الإفطار بغيره، فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن. وهذا تقدم أنه يشير رحمه الله أنه كما سكت عن هذه الأشياء الثلاثة، فكذلك هذا من باب أولى؛ لأن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، فالأمور المتحدة في الصفات يكون حكمها واحد، فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث، وما فيه معاني المنع يلحق بالممنوع، وما فيه معاني الإباحة والحل يلحق في المباح والحلال، وهكذا كذلك في هذا الباب، في باب محظورات الصيام ومفطراته. ثم قال رحمه الله: والبخور قد يتصاعد إلى الأنف، ويدخل بالدماغ، وينعقد أجساما، والدهن يشربه البدن، يعني انعقاده أجساما كما تقدم معنا كونه شيء من الدخان يدخل، لكن كما تقدم لا يتعمد، ولا يبالغ ذلك، لا يبالغ فيتعمد المبالغة في ذلك، فهذا لا يضر إذا لم يتعمد ولم يبالغ. وهكذا كذلك إذا دهن الجسد، وشرب الجسد هذا الدهن، أي من الجلد لا من الفم، قال رحمه الله: ويدخل إلى داخله، ويتقوى به الإنسان، يعني دهن الجسد يعينه، قد يكون مريضا فاترا فيدهن مثلا بالزيت، ويكون ذلك سببا في قوته ونشاطه، خصوصا إذا حصل معه شيء من التدليك، وما كان بمعنى. قال وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، يعني شم الطيب، ولكن هذا التقوي وهذا الانتفاع هو ليس بغذاء ولا انتشاء، وفرق بين أن يتغدى الجسم وينتشي، وبين أن يتقوى وينتفع. قال رحمه الله: لم ينهى الصائم عن ذلك، دل على جواز تطيبه وتبخره، ودهانه، وكذلك اكتحاله، يعني هذا مسلك آخر في إثبات الحكم، أننا أثبتناه بطريق السكوت، مسكوت عنه فهو عفو، كذلك بطريق الإلحاق، الآن ألحق الاكتحال بالتطيب والتبخر والدهان، هذا حلال فكذلك هذا حلال، ولا يفطر. قال رحمه الله تعالى: وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجرح أحدهم إما في الجهاد وإما في غيره، مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك، فلما لم ينهى الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعلهم مفطرا، يعني كونهم يعالجون وهم صيام، مجروحون، فيوضع العلاج في موضع الجائفة والمأمومة والجائفة. وقد تقدم معنا، وقد يوضع شيء لأجل أن يقف الدم، لأجل أن يقف الدم، سواء النبات أو سائل يوضع عليه، واليوم قد تستخدم بعض الأدوية لإيقاف الدم، وليلتئام الجرح، فدخوله إلى الجسد من هذه الجهة، من جهة الجلد أو العظم المجروح، هذا لا يضر ولا يفطر، وأكثر هذا قد سبق ومر الكلام عليه فيما تقدم. قال رحمه الله تعالى: الوجه الثالث إثبات التفطير بالقياس، يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحا، وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع، وإما بإلغاء الفارق، فإما أن يدل دليل على العلة بالأصل فيعد به إلى الفرع، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع. وهذا القياس هنا منتف، وذلك أنه ليس بالأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى الدماغ أو بدن أو ما كان داخلا من منفذ أو واصلا إلى الجوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله. ويقولون إن الله ورسوله إنما جعل الطعام والشراب مفطرا لهذا المعنى المشترك من الطعام والشراب، ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء المأمومة والجائفة، وما يصل إلى الجوف من الكحل، ومن الحقن والتقطير في الإحليل، ونحو ذلك. وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله الحكم بهذا الوصف دليل، كان قول القائل إن الله ورسوله إنما جعل هذا مفطرا لهذا قولا بلا علم، وكان قوله إن الله حرم على الصائم أن يفعل هذا قولا بأن هذا حلال وهذا حرام بلا علم، وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم، وهذا لا يجوز. قال ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم، فهو منزلة من اعتقد صحة مذهب لم يكن صحيحا، أو دلالة لفظ على معنى لم يريده الرسول، وهذا اجتهاد يثابون عليه، ولا يلزم أن يكون قولا بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها. طيب هذا الموضع، وهذا الوجه الثالث من الأوجه التي يرد فيها رحمه الله على هذه الأقوال المرجوحة في ذكر ما يفطر، وليس كذلك، وهذا الوجه رد عليهم من جهة القياس، ولهذا نرى أنه أشار إشارات كثيرة إلى عدة معاني هي من معاني وألفاظ ومباحث القياس. والمؤلف كما لا يخفى علينا بحر في علوم عدة، ومنها هذا العلم، علم الفقه وأصوله، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يسعى إلى الرسوخ في عدة علوم، ومنها الفقه وأصوله؛ لأنه كلما رسخ، كلما ازداد فهما وإدراكا لكلام أهل العلم، وهكذا استطاع أن يصل إلى الحكم الصحيح بالطريق الصحيح. فأنوضح بعض هذه الألفاظ، وأكثر هذه الألفاظ من المباحث الأصولية التي يفتقر طالب العلم أن يراجع كتب الأصول، وما ذكروه من تفاصيل فيما يتعلق بها. قوله رحمه الله: إثبات التفطير بالقياس، يعني هم استخدموا القياس، ولكنه قياس ضعيف، ولهذا قال: يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحا، والأمر ليس كذلك؛ لأنه قياس ضعيف، أي الذي استخدموه. قال: وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع، وإما بإلغاء الفارق، هذان نوعان من أنواع القياس، قياس العلة هو الجامع فيها العلة الباعثة على الحكم في الأصل، إما أن يصرح بهذه العلة الجامعة بين الأصل والفرع، وإما أن يشار إليها، فهذا النوع يسمى قياس علة. مثل لفظ مثل حكم الحاق النبي وما كان بمعناه من المسكرات بالخمر بجامع علة الإسكار المنصوص عليها، فحديث بن عمر: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وفي رواية: ملء الكف منه حرام، رواه مسلم، وجاء له ألفاظ كثيرة، فعلم بهذا النص أن العلة في تحريم الخمر هو الإسكار، فكل ما كان فيه معنى الإسكار يقاس على حكم الخمر في جامع هذه العلة، ولو لم يسمى خمرا. واليوم مسميات كثيرة كلها تلحق بالخمر، فهي حرام؛ لأن فيها معنى الإسكار، فهذا مثال لقياس العلة. وقوله: إلغاء الفارق، معناه أن الفرع لم يفارق الأصل إلا في شيء لا يؤثر، فيلزم اشتراكهما في الحكم، مثل الشرب، لبس لمال اليتيم بغير حق، مثل أكله، مثل أكل مال اليتيم، كذلك المحرم، ولا تأكلوا أموال اليتامى، النهي عن الأكل هل يخص الأكل أو يلحق به غيره مما لا يفارقه في الوصف، وإن كان هناك فرق في بعض الجوانب، لكنه لا يؤثر. مثل الشرب، تعبي، واللبس من مال اليتيم، فإنه يلحق به، فمثل هذا النوع من القياس، والذي قبله قياس صحيح، ولكن ما استعمله الفقهاء الذين قالوا بالمنع من الأشياء المذكورة التي سبقت الإشارة إليها، لا من الأول ولا من الثاني، لكنه نوع من القياس الضعيف الذي يسمى بقياس الشبه، وهو أضعف أنواع القياس. قال رحمه الله: فإما أن يدل دليل على العلة في الأصل فيعد بها إلى الفرع، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما، يعني أن يدل الدليل على العلة، مثل ما تقدم معنا في مثال الإسكار، دل الدليل على أن العلة هي الإسكار، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع، مثل الشرب واللبس، إلحاقا بالأكل في مال اليتيم. وحقيقة ما استعمله هؤلاء ليس الأول ولا الثاني، فعلم أنه ليس بصحيح، أي قياسهم. ثم قال: وذلك أنه ليس بالأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى الدماغ أو بدن أو ما كان داخلا من منفذ أو واصلا إلى الجوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله. يعني زعموا أن معنى الإفطار هو وصول شيء إلى الجوف، سواء كان ذلك الوصول إلى الدماغ أو إلى أي جزء في البدن، أو إلى أي جزء في الجوف، ومن أي جهة، فإن ذلك يقتضي الإفطار، وهذا المعنى الذي ذكروه ليس بصحيح؛ لأنه لم يدل عليه دليل، لا من الكتاب ولا من السنة. فهم تقولوا على الله ورسوله بشيء ليس عندهم فيه دليل صحيح صريح، ولا قياس صحيح معتبر. ولهذا قال رحمه الله: ويقولون إن الله ورسوله إنما جعل الطعام والشراب مفطرا لهذا المعنى المشترك، يعني من أين علمتم أن الطعام والشراب صار مفطرا لكونه وصل إلى الجوف، فكل ما يصل إلى الجوف بهذا المعنى، سواء من جهة الجلد أو من أي جهة أخرى، فهو كذلك مفطر، هذا القياس قياس شبه ضعيف، ولا يعينه دليل، ولا معنى من معاني الأقيسة الصحيحة. بل هو على وجه ضعيف من أوجه القياس. وسأتي تأكيد ذلك إن شاء الله. فبهذا أشار رحمه الله أنه قول باطل ليس بصحيح. وقوله: ومما يصل إلى الجوف من دواء المأمومة والجائفة، ومما يصل إلى الجوف من الكحل، ومن الحقن والتقطير في الإحليل، تقدم الكلام على هذه المسائل بما يغني عن الإعادة، وعلمنا أن الصواب في هذه كلها أنها ليست بمفطرات. ومسألة التطيب والتبخر، وهنا أشار الشيخ محمد صالح رحمه الله أنه جاء في نسخة: تعليقا على الفقرة التي سبقت: تطيبه وتبخيره، وفي نسخة: تطيبه وتبخره، والشيخ رجح: تطيبه وتبخره، وهو الذي أثبت في الأصل كما قرأنا. فقط هذا من باب التنبيه أنه نسخة. وتقدم معنا أن البخار الداخل يفصل فيه، فإن كان على وجه ليس فيه مبالغة والتعمد، فهذا لا يضر، وإن كان كذلك فهذا يكره؛ لأنه يدخل في معنى المبالغة والاستنشاق. مثل أن يغطي العمامة، ويدخل البخور من أنفه أو من أنفه وفمه، كحال بعض الناس المتبخرين بالعود، حين يغطي الشماغ أو الغترة على وجهه، وعلى المبخرة، فيأخذ بعمق هذا الطيب، فهذا مناف للنهي الوارد في هذا الباب، فالنهي عن المبالغة والاستنشاق يدخل في معناه مثل هذه الكيفية، والله أعلم. وهي فتوى شيخنا محمد صالح العثيمين رحمه الله، وجماعة من مشايخنا وعلمائنا. ولهذا كان المدخن مفطرا؛ لأن المدخن ينتشي بهذا التدخين، وإن كان لا يتغذى، لكنه ينتشي، فيدخله إلى الجوف، وينتشي جسمه به، ويحصل له ما يحصل لمن ينتشي بأكل المسكرات والمفترات، وما كان بمعنى. فلهذا صار مفطرا، وبه نعرف خطأ قول بعض من يفتي من العقلانيين، ومن أهل الأهواء، بأن الدخان ليس بمفطر، بل هو مفطر، لا نشك بإفطاره؛ لكونه يحصل به معنى الانتشاء الممنوع في حال الإفطار، فضلا أنه يكون مع حال الصيام. فلذلك صار مفطرا من المفترات، بخلاف البخاخ الذي يستخدم للربو، وما كان بمعناه، فإنه لا يحصل به انتشاء، لا يحصل به انتشاء، وإنما يحصل به علاج، وهو توسعة شرايين وأوعية الدم في الرئتين، فلذلك هو ليس بغذاء، ولا بمعنى الغذاء، ولا فيه معنى الانتشاء، فلذلك ليس هو بمفطر، هذا هو الصحيح، والله أعلم. وقوله رحمه الله: لهذا كان قولا بلا علم، إلى آخر كلامه، يعني أنه لم يثبت إثبات الحكم الذي زعموه، لا من حيث الدليل، ولا من حيث التعليل، فعلم أنه قول باطل مرجوح، خلاف الصواب. وزعمهم أن هذا هو قول الله ورسوله، تقول على الله ورسوله بغير حق، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. ثم أشار شيخنا رحمه الله في التعليق، مبينا ومعلقا على كلام الشيخ رحمه الله، بأن ما ذكره الشيخ رحمه الله هو الصحيح. ثم قال رحمه الله: وقوله: وما كان داخلا من منفذ، قال الشيخ: كالعين أو الأذن، تنفذ إلى الحق، أو واصلا للجوف، كالجائفة، إلى آخره. قال: يعني أنه ليس في الأدلة ما يقتضي إن ذلك مناط الحكم عند الله ورسوله، يعني يريد رحمه الله: لم يأتي في الأدلة ما يدل أن الحكم معلق بهذا، حتى نجعله علة، فيكون به إلحاق غيره به، فيكون مفطرا، والأمر ليس كذلك. فعلم بهذا أن قولهم هذا باطل، وليس بالصحيح. وقد تقدم معنا أنه ليس كل المنافذ إذا دخل منها شيء صار الصائم مفطرا، بل ما دخل على وجه الطعام، على وجه التغذي، وكان في معنى الطعام والشراب، فهو المفتر. وذكر رحمه الله أنه قد يطأ الإنسان شيء كالحمضة مثلا، فيجد طعمه في الفم، ومثله الصبر مثلا، إذا دهن قدم المريض بالصبر، فوجد المريض طعم الصبر في لسانه، فهذا لا يضر كذلك؛ لأنه ليس بطعام، ولا شراب، ولا حصل فيه معنى التغذي والانتشاء، لم يحصل فيه معنى التغذي والانتشاء. ثم أشار الشيخ رحمه الله في قوله: ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم، مناط الحكم هو الوصف الذي يعلق به الحكم، كما تقدم معنا. فهناك مناط يعلق به الحكم، مثلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، هذا مناط للحكم، وهو الوصف الذي تعلق به الحكم. ولهذا قال العلماء: الإعداد بالآلات الحربية الحديثة، خصوصا ما كان متعلقا بالرمي، يدخل في هذا المعنى، ويؤيد الحديث: ألا إن القوة الرمي، حديث عقبة بن عامر، رواه مسلم. فصار من مناط الحكم، وهو الوصف الذي يتعلق به الحكم، مراعاة معنى الإرهاب للعدو بالإعداد الصحيح الذي يليق في كل زمان ومكان، بما يناسبه. فهذا المثال، وهذا المعنى، ليس موجود في المسألة التي ذكروها، وأشاروا إليها. فعلموا بهذا أن قياسهم قياس غير صحيح. ثم أشار شيخنا رحمه الله إلى ما أشار إليه الشيخ، بقوله: أن اجتهادهم هذا قد يثابون عليه، مع أنه رحمه الله أشار قبل هذا، وبعد هذا، أنهم أخطأوا، فطأ عظيما بالتقول على الله ورسوله. وهذا من أدب الخلاف، فإن الإنسان ينبغي أن يكون عنده أدب العلماء، وطريق العلماء في الإنصاف مع المخالف، والتأدب في التعامل مع المخالف. فهذه هي طريقة أهل العلم، قديما وحديثا. وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان في تعامله مع المخالفين، يتأدب معهم في العبارة، ويراعي ما المسائل التي يسع فيها الخلاف، وما كان قولا مرجوحا، رده بأدب، وباحترام، وبتأكيد إنصاف، بما يكون به أولا إعانة الله عز وجل لك، إذا سلكت المسلك الصحيح، التوفيق الله عز وجل لك، ثم كذلك قبول الحق منك، وإعانة غيرك على الدخول فيه، والرجوع عما هو عليه من الخطأ. قال رحمه الله تعالى: الوجه الرابع أن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم. إذا سبرنا أوصاف الأصل، فلم يكن فيها ما يصح للعلة إلا الوصف المعين، وحيث أثبتنا علة الأصل بالمناسبة والدوران والشبه المضطرد عند من يقول به، فلابد من السبر. فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان، لم يجز أن يقول الحكم بهذا دون هذا. ومعلوم أن النص والإجماع أثبت الفطر بالأكل والشرب والجماع، والحيض، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى المتوضئ من مبالغة في الاستنشاق إذا كان صائما. وإلحاقهم بالاستنشاق أقوى حججهم، كما تقدم، وهو قياس ضعيف؛ وذلك لأن من استنشق الماء من خريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه، فحصل له بذلك أن يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش، ويطبخ الطعام في معدته، كما يحصل بشرب الماء. فلو لم يرد النص بذلك، علم بالعقل أن هذا من جنس الشرب؛ فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر، فليس هو مفطرا، ولا جزءا من المفطر لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى الفطر، وليس كذلك الكحل، والحقنة، ومداوات الجائفة والمأمومة. فإن الكحل لا يغذي البتة، ولا يدخل أحدا كحلا إلى جوفه، لا من أنفه، ولا فمه، يعني لا يحصل به التغذية كما سيأتي. وكذلك الحقنة لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن، المراد بالحقنة: أي الحقنة الشرجية التي يحصل بها العلاج لمن عنده إمساك، بتسهيله. قال: بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئا من المسهلات، يحصل أحيانا التقيؤ والإسهال، بشم بعض الأشياء إذا كانت قوية. قال: أو فزع فزعا، أو جب استطلاق جوفه، وتقدم على هذا الفزع، والناس ليسوا سواء، ومع ذلك ليس هو بالمفطر. قال: وهي لا تصل إلى المعدة، والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداوات الجائف والمأمومة، لا يشبه ما يصل إليها من غذائه؛ لأنه دخل من جهة الجلد. قال: والله سبحانه قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: الصوم جنة، وقال: إن الشيطان يجري من آدم مجرى الدم، فضيق مجاريه بالجوع، بالصوم. فالصائم نهي عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوي، فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان، إنما يتولد من الغذاء، لا عن حقنة، ولا عن كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة. وهو ما تولد عن ما استنشق من الماء؛ لأن الماء مما يتولد منه الدم، فكان المنع منه من تمام الصوم. هذه الفقرة كأن فيها سقط، بين قوله: ما يداوى به المأمومة والجائفة؛ لأن الكلام بعده ليس متناسب، قوله: هو متولد، ليس له علاقة بقوله: المأمومة والجائفة. ولهذا أشار شيخنا رحمه الله في التعليق أن العبارة كأن فيها سقط، ولعل الله يسر ببعض الباحثين البحث في النسخ، فينظر إذا كان في هذه الفقرة شيء من السقط، ينبهنا عليه، أو يتنبه من بعدنا عليه إن شاء الله. قوله: ما تولد عن ما استنشق من الماء؛ لأن الماء مما يتولد منه الدم، فكان المنع منه من تمام الصوم، كأن الإشارة ها هنا عن الاستنشاق، والمبالغة فيه، فدخول الماء من طريق الاستنشاق يحصل به انتفاع الجسم؛ لأنه ماء يدخل إلى الجوف، ولا فرق ما دخل إلى الجوف من ماء، سواء من الفم أو من الأنف، كما تقدم. قال: فكان المنع منه من تمام الصوم، يعني مبالغة من الاستنشاق. قال: فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع، ودعواهم أن الشارع علق الحكم لما ذكروه من الأوصاف، معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة في الأصل تبطل كل نوع من الأقيسة، إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا. طيب هذا الوجه ذكر فيه رحمه الله تعالى معنى آخر، فهو يرد على هؤلاء القائلين لهذا القول، كذلك من طريق القياس، أن قياسهم غير صحيح؛ لماذا؟ لأن القياس الصحيح هو ما كان من قياس العلة على الوجه الصحيح، أو ما كان من طريق قياس الدلالة، وليس قياسهم لا من الأول، ولا من الثاني. فهو أشبه ما يكون بقياس الشبه الضعيف الذي لا يصح الاعتماد عليه. فقوله: إذا سبرنا أوصاف الأصل، السبر هو الاختيار والفحص، ومنه سمي المرود الذي يفحص به عمق الجرح مسبارا؛ لأنه يفحص به. فالمعنى أنه ليس هذا الذي ذكروه طريق صحيح لإثبات الحكم؛ لأن الحكم يثبت بأن نحصر الأقسام، ونعرفها، وهذا بالسبر، وهو الفحص. فإما أن يكون علم، وذلك بنفي أو إثبات، العلم هذا ينفي شيء أو يثبت شيء، وإما أن يكون ظن. وللحاصل أنه ليس هو هذا ولا هذا، ولا هو قياس صحيح. فإذا تأملنا في الأوصاف كما ذكر رحمه الله في الأصل، وجدنا أن ما ذكروه في الفرع، أي في المسائل التي سبقت الإشارة إليها، لا يصبح إلحاقها بهذا الأصل. وقوله رحمه الله: وحيث أثبتنا علة الأصل بالمناسبة، المناسبة مبحث من مباحث القياس، معناها في اللغة الملأمة، وفي الاصطلاح هو الطريق، أو طريق من الطرق يثبت به العلة. وتسمى تخريج المناط، أو إبداء المناط، وهو كيف يمكنك أن تعين العلة بالمناسبة، مع عدم القوادح التي تقدح في إثبات كون هذه العلة. مثال ذلك الإسكار، فهو مناط في إثبات حكم الفرع المراد إلحاقه بالأصل، كما تقدم معنا في المثال المتقدم. وقوله رحمه الله: أو الدوران، كذلك الدوران مبحث من مباحث القياس، والمقصود ها هنا هو الطرد والعكس، أي ترتب الحكم على الوصف وجودا وعدما. فهو إذا ثبت ثبتت العلة، وإذا انتفى فانتفت العلة، فانتفى الحكم، وليس الأمر كذلك هنا. وقوله: أو الشبه المضطرد، الشبه المضطرد هو ما يلزم من وجوده وجود، ومن عدمه العدم، وهو كذلك ليس ها هنا، ليس ها هنا. فهو ليس من القياس الصحيح. إذن أراد أن يشير الشيخ رحمه الله أنه لم يثبت ما قالوه لا من جهة الدليل، ولا من جهة التعليل. فهذا هو الوجه الرابع، تابع للأوجه المتقدمة التي يشير بها إلى أنه لا يجوز إفساد صوم الصائم بمثل هذه الأقيسة الباطلة التي ليست بصحيحة. وقوله: فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان، كما تقدم معنا، المراد أن يثبت شيء في الأصل، فلنثل حق الفرع لوجود هذا الوصف المناسب فيلحق الفرع بالأصل. فمثلا إلحاق الغيبوبة بالجنون صحيح لوجود معنى ووصف مناسب يلحق به، بخلاف الإغماء، فالإغماء يلحق بالنوم، أشبه من أن يلحق بالجنون. فصاحب الغيبوبة حكمه حكم المجنون، لا يلزمه شيء في حال غيبوبته، بخلاف المغمى عليه، حكمه حكم النائم، يلزمه ما يلزم النائم من أحكام. فلو نام عن صلاة أو صلاتين، صلاها، فكذلك من أغمي عليه، فإغماؤه مثل نومه. فإذا استيقظ، وبعد الإغماء، وفاتته الصلاة أو صلاتين، صلاهما، بينما صاحب الغيبوبة طالت الغيبوبة، وقصرت، حاله كحال المجنون؛ لأنه فقد العقل، فيكون حكمه كحكم المجنون. إذا استيقظ، لم يلزمه قضاء صلاة، ولا صيام، ولا غيره، هذا هو الصحيح. هذا مثال، وتوضيح لما أشار إليه رحمه الله تعالى. ثم أشار الشيخ رحمه الله تعالى في التعليق إلى بعض المسائل من هذه المسائل، تنبيه لطيف في معنى المطففين، أنه عام لا يخص التطفيف بالميزان فقط، بل التطفيف حتى في التعامل مع الآخرين، ومنه إنصاف الآخرين، والتعامل معهم بما ينبغي من العدل والإحسان الذي أمر الله عز وجل به. كما تحب أن يعاملوك به، كما تقدم معنا في أدب الخلاف. وهذا ملمح لطيف منه رحمه الله، كذلك أشار رحمه الله في التعليق في مسألة التأليف، تأليف القلوب في المسائل الخلافية، أنه مسلك عظيم سلكه العلماء، ولا سيما الأعلام. وكذلك ينبغي لطلبة العلم؛ لأنه أشار رحمه الله أن هذا العدل والإنصاف الذي سلكه شيخ الإسلام، مسلك عظيم يؤلف الله عز وجل به القلوب. وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم عنده مثل هذا المسلك، وهذا الأدب الذي يعينه على نشر الخير على يديه، مع ما يعطيه الله من واسع عدله وفضله وإحسانه، أن يكون من الأئمة الذين يقبل قولهم في الناس. وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون. ثم باقي الكلام واضح، سبق الكلام على أكثره بما يغني عن الإعادة. وقوله رحمه الله: فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل، يعني لو لم يرد النص بالنهي عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق، لعلم بالعقل؛ لماذا؟ لعلم بالعقل؛ لأنه معنى من المعاني الذي يحصل به الإفطار، دخول الماء بالتساهل بالمضمضة والاستنشاق، بهذه المبالغة، العقل يثبت أنه ليس بالصحيح. فكونه جاء بالنص، هذا تأكيد، ويدلنا على كمال هذا الشرع، فالنص زاد في بيان تأكيد هذا المنع الذي علم بالعقل. وبه يعلم كمال الشرع، ورحمة رب العالمين فيما أراده لخلقه سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله: والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداوات الجائفة والمأمومة، تقدم معنا أنه يدخل من جهة البدن، من جهة هذه الجروح، وأن هذا ليس بمفطر من المفترات. وقوله رحمه الله: والصوم جنة، يشير إلى الحديث الصحيحين، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يعني أنه يتقى به. فينبغي أن يكون هذا المعنى مراعى، يراعيه المسلم، والفقيه كذلك. ثم أشار الشيخ رحمه الله في الجائفة: الجرح الذي يصل إلى باطن الجوف، أن قياس الكحل والاحتقان، وما أشبه على الأكل والشرب، غير وارد أصلا. بأن يقاس على الاستنشاق؛ لأن المستنشق من الماء يتغذى به الإنسان، تقدم معنا وجه التغذي؛ لأنه ماء يصل إلى الجوف، فينتفع به الجسم، لا فرق بين أن يدخل من جهة الفم أو من جهة الأنف. وليس المقصود هو النهي أن يدخل إلى الفم؛ لأن لو تمضمض الإنسان، وبقي الماء في الفم، وتأخر، لا يضره ذلك. ولكن الذي يضره أن يدخل هذا الماء من الفم إلى الجوف، وكذلك يضره لو أدخل هذا الماء من جهة الأنف إلى الجوف، والمراد بالجوف: أي المعدة، على وجه العمد. فلذلك جاء النهي عن المضمضة والاستنشاق، فإلحاق الكحل، والمسائل التي سبقت الإشارة إليها به، ليس بصحيح، فهو قول ضعيف، لا يعين على القول به، لا دليل صحيح، ولا تعليل، لا دليل صريح، ولا تعليل صحيح. ولكن هناك فرق بين هذا وبين الدخان، وما كان بمعناه، مما يحصل به الانتشاء، فإنه وإن لم يدخل، وإن لم يدخل على وجه الطعام والشراب، لكن حصل به الانتشاء المنهي عنه. وليس مثل الدخان هواء، وغاز العلاج من الربو، كما تقدم معنا؛ لأنه لا يحصل به التغذي، ولا الانتشاء، هذا هو الصحيح في هذه المسألة. وأما مسألة الحقن، فقد أشار شيخنا في التعليق أن الصحيح التفصيل في الحقن. فأي حقنة من أي جهة كانت، لا يكون فيها معنى الطعام والشراب، فهي ليست بمفطرة. وأي حقنة يكون فيها معنى الطعام والشراب، فهي مفطرة، ولو لم تدخل من جهة الفم والأنف. مثلا المغذيات التي تدخل من الوريد، والعروق، فهي إذا قامت مقام الطعام والشراب، واستكفى بها الإنسان، ربما لأشهر، ليس ليوم أو يومين، بل أشهر، يعيش عليها. فهذا يدل أنه بمعنى الطعام والشراب الذي يحصل به الإفطار. وأشار الشيخ رحمه الله كذلك في الأصل، شيخ الإسلام، في قوله: إن الشيطان يجري من آدم مجرى الدم، يريد بذلك. وقوله هذا الحديث: حديث صفية في الصحيحين، في قصة مشهورة معروفة، حين جاءت تزوره، وهو معتكف، عليه الصلاة والسلام. فأراد أن يردها إلى بيتها، وفي جواز خروج المعتكف لحاجة، فرآه بعض الناس، فأسرع رجلان، رجلان رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسرع. فقال: