الدرس في شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الإمام الشاطبي أهمية أخذ العلم عن أهله المتحققين به، ويبين أن تحصيل العلم يحتاج إلى معلم. الإنسان يكتسب العلم إما بطرق ضرورية أو بوساطة التعليم.
يتناول شروط أخذ العلم وصفات العلماء الذين يؤخذ عنهم العلم، ويشير إلى أن العلماء يجب أن يكونوا عارفين بأصول العلم وقادرين على التعبير عن مقصدهم. السلامة عن الخطأ ليست شرطًا مطلقًا لكون العالم إمامًا.
يتناول كيفية أخذ العلم واشتراط العصمة فيمن يؤخذ عنه عند الإمامية وجموع أهل الإسلام، ويشير إلى طرق أخذ العلم وهي المشافهة ومطالعة الكتب. المشافهة مهمة في فهم العلم وحفظه.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح مقدمة كتاب الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الحادي عشر. الله الرحمن الرحيم. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: «المقدمة الثانية عشرة: لننفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام. وذلك أن الله خلق الإنسان لا يعلم شيئًا، ثم علمه وبصره وهداه طرق مصالحه في الحياة الدنيا. غير أن ما علمه من ذلك على ضربين: ضرب منها ضروري داخل عليه من عين علم من أين ولا كيف، بل هو مغروز فيه من أصل الخلقة، كالتقامه الثدية ونحوه له عند خروجه من البطن إلى الدنيا، هذا من المحسوسات. وكعلمه بوجوده، وأن النقيضين لا يجتمعان من جملة المعقولات. وضرب منها بوساطة التعليم، شعر من ذلك أولئك كوجوه التصرفات الضرورية. نحن مهاكاة الأصوات، والتلفظ بالكلمات، ومعرفة أسماء الأشياء والمحسوسات. وكالعلوم النظرية التي من العقل في تحصيلها مجال ونظر في المعقولات. وكلامنا من ذلك فيما يفتقر إلى بذل وتبصر، فلابد من معلم فيها. وإن كان الناس قد اختلفوا: هل يمكن حصول العلم دون معلم أم لا؟ فالإنسان مسلم، ولكن الواقع في مجال العادات أن لا بد من المعلم، وهو متفق عليه في الجملة، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، كاختلاف جمهور الأمة والإمامية - وهم الذين يشترطون المعصوم - والحق مع السواد الأعظم الذي لا يشترط العصمة من جهة، وأما مختصة بالأنبياء عليهم السلام. ومع ذلك فهم مقربون بافتقار جاهل إلى المعلم، علما كان المعلم أو عملا. واتفاق الناس على ذلك في الوقوع، وهي رتبة العلة به، كاف في أنه لا بد منه. وقد قالوا: إن العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال. وهذا الكلام يقضي بأن لا بد في تحصيله من الرجال، إن ليس وراء هاتين المرتبتين مرمى عندهم. وأصل هذا بالصحيح: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا كان كذلك، فالرجال ههنا مفاتحه بلا شك. فإذا تقرر هذا، فلا يؤخذ إلا ممن تحقق به. وهذا أيضًا واضح في نفسه، وهو أيضًا متفق عليه بين العقلاء، إذ شرطوا في العالم بأي علم اتفق أن يكون عارفًا بأصوله وما يبنى عليه ذلك العلم، قادرًا على التعبير عن مقصوده فيه، عارفًا بما ينزل عنه، قائمًا على دفع الشبهة الواردة عليه فيه. فإذا نظرنا إلى ما اشترطوه، وعرضنا سلفنا الصالح في العلوم الشرعية، وجدنا قد اتصفوا بها عن الكمال. غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ البتة، لأن فروع كل علم إذا انتشرت، وانبنى بعضها على بعض، اشتبهت، وربما تصور تفريعها على أصول مختلفة في العلم الواحد، فأشكلت، أو خفي فيها الرجوع إلى بعض الأصول، فأهملها العالم من حيث خفيت عليه، وهي في نفس الأمر على غير ذلك، أو تعارضت وجوه الشبه، فتشابه الأمر، فيذهب على العالم الأرجح من وجوه الترجيح، أو أشباه ذلك، فليس ببعيد في كونه عالمًا، وليضر في كونه إمامًا مقتدًا به. فإن قصر عن استيفاء الشروط، نقص عن وطبة الكمال بمقدار ذلك النقصان، فليستحق الوتبة الكمالية ما لم يكمل ما نقص». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه المقدمة الثانية عشرة، وجعلها رحمه الله في معنى من يؤخذ عنه هذا العلم، وقد تضمنت فصولًا، وجعل توطئة لهذه الفصول هذه المقدمة التي تناولت ثلاثة مباحث. المبحث الأول جعله رحمه الله تعالى في تقسيم العلوم باعتبار حاجتها إلى معلم وعدم حاجتها إلى معلم، وأفاد رحمه الله أن العلوم تنقسم إلى ثلاثة أقسام. فمنها العلوم الضرورية التي تفرض نفسها على الإنسان، فلا يحتاج فيها إلى معلم، بل فطر الإنسان عليها، كما فطر الحيوان إلى بعضها. ومنها العلوم التي تكتسب بالمخالطة، فلا يلزم معلم خاص. ومنها العلم المكتسب من الرجال، وهو المقصود هنا. وأما المبحث الثاني الذي أشار إليه رحمه الله في هذه المقدمة، فهو كيف يؤخذ هذا العلم الذي يؤخذ عن الرجال. وقد خالف جمهور أهل الإسلام الإمامية في اشتراط العصمة في من يؤخذ عنه العلم. فعند الإمامية، لا يؤخذ العلم إلا عن معصوم. وأما جمهور أهل الإسلام، فعلى ما دلت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، من أخذه بطرقه الصحيحة التي تكتسب بالتعلم ومخالطة ومجالسة المعلمين. وأشار رحمه الله إلى بعض الشبه والفروع التي يذكرها بعض الفقهاء في الصفات التي ينبغي أن تكون في العالم الذي يؤخذ عنه العلم. وخلاصتها أن العالم مهما بلغ من الكمال، فإنه لا يسلم من النقص. وحسب الإنسان الذي لا يسلم من الخطأ والتقصير أن يسدد ويقارب. قال رحمه الله: «فصفات العالم الذي يؤخذ عنه العلم كثيرة، وقد أجملها رحمه الله في ثلاث صفات. أولها: العمل بالعلم، لأنه إذا لم يكن عاملًا بالعلم، دعا عمله إلى حرمان هذا المتعلم من العلم. ثانيها: ملازمة الكبار، فمن لم يتربى على الشيخ الكبير، فإنه لا يصبح إمامًا يقتدى به. ثالثها: الاستفادة من أدب وهدي العالم، فالعالم الذي ليس له أدب ولا هدي، لا يؤخذ عنه العلم». ثم قال رحمه الله: «وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم على أهله، فلذلك طريقان: أحدهما المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما. والطريق الثاني مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين». فالمشافهة هي الأصل في أخذ العلم، وهي أنفع الطرق وأسلمها، لأن فيها فوائد كثيرة، منها أنها أدعى لفهم العلم، وأسرع في حفظه. وقد كان السلف يحرصون على أخذ العلم بالمشافهة، ويرحلون إلى العلماء لأجل ذلك. وأما مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، فهو طريق نافع أيضًا، ولكنه يحتاج إلى مفاتيح يفتحها العلماء. فالكتب وحدها لا تفيد الطالب دون فهم العلماء. ثم أشار رحمه الله إلى أن العلم سينقص في آخر الزمان، كما جاء في الأحاديث والآثار. فقال: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ. فطوبى للغرباء». والمعنى أن الإنسان يحرس دائمًا في أخذ العلم أن يأخذه عمن عرف أنه أخذه من أهله، وهم من توفرت فيهم الشروط الثلاثة التي سبقت. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.