الدرس في التعليق على رسالة مختصر فضائل وأحكام الصيام 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل المفطرات التي تبطل الصيام وتوجب القضاء أو الكفارة، مثل الأكل والشرب عمدًا والجماع في نهار رمضان. كما يشمل الحديث عن أحكام الردة أثناء الصوم وتأثيرها على صحة الصيام.
يتناول هذا الفصل تفاصيل أحكام الصيام والفطر، مثل المفطرات المختلف فيها كالقيء والحجامة، وأحكام الخطأ والنسيان أثناء الصيام. كما يشمل الحديث عن الأعمال الصالحة التي تتأكد في رمضان.
يتناول هذا الفصل الأعمال المستحبة في رمضان مثل القيام، قراءة القرآن، الصدقة، الاعتكاف، وزيادة الاجتهاد في العشر الأواخر. يشير إلى فضل هذه الأعمال العظيم وتأكيدها في رمضان.
يُنبه هذا الفصل إلى خطورة الحرمان من العلم وعدم الاستفادة من الدروس، ويحذر من العقلانيين الذين يعارضون الشرع بالعقل. يضرب أمثلة على من لم يستفيدوا من العلماء بسبب التكبر أو عدم الحضور.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على رسالة مختصر فضائل وأحكام الصيام لفضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مراجعة يسيرة، ما هو تعريف الصيام؟ تعريف الصيام. نعم، فضل أركان الصوم، أركان الصوم. نعم، فضل النية والإمساك. نعم، شروط وجوب الصيام. نعم، شروط وجوب الصيام، فضل الأخير الإسلام والعقل. نعم، كذلك عندك عمد البلوغ، القدرة على الصوم، يدخل فيه الصحة وأشياء أخرى لقامة ذكرت، بقي لخير الخلوء من الموانع. طيب. بسم الله الرحمن الرحيم، مفطرات الصيام، يجوز مفطرات ويجوز مفطرات، كلاهما جائز. قال: مفطرات متفق عليها، الأول: الأكل والشرب وما يقوم مقامه في نهار رمضان، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. قال شيخنا الفوزان رحمه الله: مما يفطر الصائم إصال الماء ونحوه إلى الجوف عن طريق الأنف، وهو ما يسمى بالصعود، وأخذ المغذي عن طريق الوريد، وحقن الدم في الصائم، كل ذلك يفسد صومه؛ لأنه تغذية له، فكل ما كان يقوم مقام الطعام والشراب دخل من أي جهة كانت، سواء من الأنف؛ لأنه قد يدخل أحيانًا السوائل للإنسان من طريق الأنف، فإذا كان كذلك فهو بمعنى الطعام والشراب، أو المغذيات التي تقوم مقام الطعام والشراب، أو كذلك الحقن التي تقوم مقام الطعام والشراب، ومنها الدم. وهل غسيل الكلى منه؟ الصحيح: إذا كان غسيلًا لنفس دم الإنسان فهو ليس بمفطر، لكن الغالب أن أصحاب غسيل الكلى يحتاجون إلى أشياء أخرى، ولا يستطيعون الصيام. قال: ومن ذلك أيضًا حقن الصائم أو حقن الصائم بالإبر المغذية؛ لأنها تقوم مقام الطعام، وذلك يفسد الصيام. الملخص الفقهي: ومما هو مثل الصعوط التدخين بأنواعه؛ لأنه له جرمًا ومواد كثيرة غير الهواء المعتاد يشتهي بها أو يتشهى بها المدخن، وكذا الشمة محرمة وتفطر، وهي فتوى مشايخنا رحمهم الله، فتوى اللجنة الدائمة. فكذلك مثل الصعوط والتدخين، وللأسف نجد بعض العقلانيين يجادلون في هذا، وهذا باطل، ليس هو مثل الهواء، ومن زعم أنه مثل الهواء فقد جادل بالباطل، فهو ليس مثل الهواء أبدًا؛ لأنه يتشهى به المدخن، وفي الحديث: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، والشهوة: شهوة الأكل وشهوة الفرج، فهو يتشهى بهذا الدخان، ومثله الشمة. قال: الثاني: الجماع، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةُ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، أي: أحل في الليل، فعلم حرمته في النهار، والرفث: الجماع، فهو معنى من معاني الجماع. وهل فيه أن مقدماته تبطل؟ الصحيح: لا، لكن فيه أن إفراغ الشهوة ماذا يفطر؟ وهذا يؤيد قول من قال: إن الإنزال يفطر الصائم؛ لأنه معنى الرفث؛ إذ يفرغ هذا الإنسان شهوته. قالوا: في الحديث: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، والحديث في الصحيحين. قال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن الله حرم على الصائم في نهار الصوم الرفث، وهو الجماع، والأكل والشرب، ويدخل في معنى الشهوة الإنزال عمدًا على الصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم، خلافًا للظاهرية، كما في المغني، فالإنزال عمدًا من الرجل أو من المرأة يُعدُّ من المفترات، لا فرق بين الرجل والمرأة، بأي وسيلة كانت، حتى ولو كان بالتفكير، ما دام أنه يتعمد، بعض الناس عنده شهوة قوية بمجرد التفكير وتكراره قد ينزل، فإذا تعمد ذلك وقصده وفعله فإنه يُفطر به، بخلاف الذي يقع للإنسان بغير قصد، كالنائم، فهذا لا يُفطر، وأما ما كان بعمد فإنه يُفطر. قال رحمه الله تعالى: قال: كفارة الجماع في نهار رمضان، من جامع في نهار رمضان عامدًا ولو لم يُنزل، وجبت عليه كفارة مُغلَّظة؛ لأن الحكم جاء في الجماع ولم يذكر الإنزال، سواء أنزل أو لم يُنزل، إذا وقع الجماع فإنه أوجب على نفسه الكفارة المُغلَّضة. قال: عن نبي هريرة رضي الله عنه: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إني أفسدت على امرأتي في رمضان»، فقال: «أتجد ما تحرر رقبة؟» قال: لا، قال: «فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فتجد ما تُطعم به ستين مسكينًا؟» قال: لا، قال: فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، وهو الزبيل الصواف. قال: «أطعم هذا عنك»، قال: «على أحوج منا ما بين لا بيتي أهل بيت أحوج منا»، قال: «فأطعمه أهلك». والحديث في الصحيحين وله روايات كثيرة، والشاهد منه: أوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه الكفارة المغلَّظة. وهذه الكفارة: الصحيح أنها للرجل وللمرأة إذا وافقته وطاوعته على ذلك، فكل منهما توجب عليه الكفارة، أي: تجب عليه. وفي هذه الرواية: دليل على الترتيب في هذه الكفارة: تحرير رقبة، فإذا لم يستطع صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينًا. قال: الثالث: الحيض والنفاس، تقدم حديث بسعيد مرفوعًا: «أليس إذا حاضت المرأة لم تصلي ولم تصم، فذلك نقصان دينها؟» قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء لا يحل لهم الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهم الصوم. المغني: فهذه ثلاث إجماعات: الإجماع الأول: لا يحل لهم الصوم، والإجماع الثاني: أنهما يفطران، والثالث: إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، والإجماع الرابع: أن عليهما القضاء، أن عليهما القضاء. فهذه أربعة إجماعات حكيت في الحائض والنفساء، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والأهواء. الرابع: الردة بشرك أو كفر ونحوه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَفُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. فإذا سبَّ الإنسان والعياذ بالله ربَّه أو دين الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم أو فعل ما يوجب الردة بأي قول أو فعل، بطل صيامه. وهل يجب عليه القضاء؟ فيه خلاف بين أهل العلم، من أهل العلم من قال: إن تاب من يومه وجب عليه القضاء، إن تاب من يومه وجب عليه القضاء. وهل له توبة؟ فتقبل أو يقتل؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح الذي عليه جمع من أهل العلم قديمًا وحديثًا، ومنهم مشايخنا: فالشيخ الألباني رحمه الله، وابن باز، وابن عثيمين، والأودعاوي وغيرهم من أهل العلم: أنه يستتاب، فإن تاب وصدق قبل توبته، ولا مانع أن يكون عليه تعزير، يعزر ويؤدب حتى لا يعود لمثله. وأما إذا لم يتب فإنه يقتل؛ لأجل ردته، من بدل دينه فاقتلوه. واستدلوا بعمومات الأدلة؛ لأن هذا يعين الناس على التوبة، وهذا هو المقصود: أن يعانى الناس على التوبة والرجوع إلى الإسلام. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم أنه يفسد صومه، وعليه قضاء ذلك إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه. وبعد انقضائه فيه خلاف، إذا انقضى اليوم فيه خلاف؛ لأنه كافر، ولا يجب على الكافر الصوم. وسواء كانت ردته باعتقاده ما يكفر به أو بشكه فيما يكفر به بالشك فيه. مثال الأول: أن يعتقد مثلًا أن الأولياء يملكون التصرف بالكون أو يعلمون الغيب أو نحو ذلك، فهذه عقيدة كفرية، أو شك في قدرة الله عز وجل أو نحو ذلك. قال: أو بالنطق بكلمة الكفر مستهزئًا أو غير مستهزئ. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. والاستهزاء مثل حال بعض الناس يستهزئ بالمتمسكين بالدين، فيستهزئ ببعض ما هو معلوم من الدين بالضرورة أنه كفر، أي: الاستهزاء به مثل ما فعل أولئك القوم، استهزؤوا بالقراء والنبي صلى الله عليه وسلم معهم فضحكوا وزعموا أنه فقط يتلهون به ليذهبوا سآمة الطريق، ومع ذلك أنزل الله عز وجل: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فسماه كفرًا بعد إيمانكم. أو غير مستهزئ، مثلا غضب فسب الله والعياذ بالله، فيقول: أغضبني، يقال: حتى ولو أغضبك، لا تسب الله ولا تسب الدين، والغضب ليس عذرًا مبيحًا لك لسب الدين والعياذ بالله وسب الرب، فهذا كفر. قال: وذلك أن الصوم عبادة من شرطها النية، فأبطلتها الردة كالصلاة والحج، ولأنه عبادة محضة، فنافاها الكفر كالصلاة. هكذا ذكره في المغني، وهذا واضح وظاهر. قال: مفطرات مختلف فيها، الأول: القيء، اختلف فيه، والراجح أنه لا يفطر، أو لا يفطر، يجوز، إلا إذا دخل منه شيء إلى جوفه عمدًا أو أضعفه فيفطر لمرضه. قال ابن رشد الحفيد: وأما القيء فإن جمهور الفقه على أن من ذرعه القيء فليس بمفطر، إلا ربيعة فإنه قال: مفطر. وجمهورهم أيضًا على أن من استقاء فقاء فإنه مفطر، إلا طاووسًا. وسبب اختلافهم ما يتوهم من التعارض بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة، واختلافهم أيضًا في تصحيحها إلى آخره. في بداية المجتهد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقضي». وهذا الحديث لم يثبت عند طائفة من أهل العلم، بل قال: هو من قول أبي هريرة. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس من دا شيء يعني لم يثبت فيه شيء أي مرفوع. قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عنه فلم يعرفه إلا عن عيسى بن يونس، قال: وما أراه محفوظًا. قال: وروى يحيى بن كثير عن عمر بن الحكم أن أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر الصائم. كذا في مجموع الفتاوى. ونحوه ذكر ابن حجر في الفتح والتلخيص الحبير، يعني أن الخلاصة: الحديث لم يثبت، فلا القيء لا يفطر إلا كما تقدم: إن دخل عمدًا إلى جوفه أو أضعفه فيفطر؛ لأجل المرض، وهذا هو الراجح بهذه المسألة والله أعلم. قال: الثاني: الحجامة، اختلفوا فيها، والراجح أنها لا تفطر، إلا إذا دخل منها شيء إلى جوف الحاجم عمدًا فيفطر، أو أضعف المحجوم فيفطر لمرضه. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم. والحديث في البخاري. وعن ثابت البناني قال: سئل أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. وهو في البخاري. وأشار النووي وغيره إلى أنه قول أكثر الفقهاء، فعلم بهذا أن الراجح في الحجامة أنها لا تفطر كذلك. وأما حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فالصحيح أنه لم يصح كذلك مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أشار الحفاظ إلى ذلك، وقد تقدم معنا في دروس ماضية. قال: الثالث: كل ما دخل إلى الجسم ليس بمعنى الطعام والشراب من منفذ الطعام والشراب أو من غيره، اختلف فيه، والراجح لا يفطر، وتركه أحوط، إلا لمن احتاجه، مثل الكحل، وبخاخ الربو، والمنظار المجرد. ومعنى المجرد: الخالي من معنى الطعام والشراب. قال: ونحوه، وهكذا ذكر شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله في شرح الممتع، وفي فتاوى إسلامية له. قال: الخطأ والنسيان، من فعل شيئًا من محظورات الصيام خطأ أو نسيانًا فلا شيء عليه، وهذا يدخل في عموم ما ورد في هذا الباب. قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». والحديث في الصحيحين. قال: ومعنى الحديث على الراجح: لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عمر، وعطاء، وطاووس، وابن أبي ذئب، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، ومجاهد، وقتادة، كما بينه كثير من أهل العلم، انظر المحلى ومجموع الفتاوى. فالخلاصة: من أخطأ فأكل أو شرب أو حتى جامع فإنه على الصحيح لا شيء عليه. قال: وكذا الخطأ، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. النسيان كما تقدم، والخطأ مثل أن يظن أن الوقت لم يدخل، وفي الحقيقة الوقت دخل، مثلا يظن أن الفجر لم يطلع فأكل أو شرب فأخطأ، فهل عليه شيء؟ الصحيح: ليس عليه شيء، ما دام ليس بمفرط، ومثله في الجماع على الصحيح، من أخطأ فظن أن الفجر لم يدخل، وإذا به بعد ذلك يعلم أن الفجر دخل، فالصحيح: لا شيء عليه. أو العكس: ظن أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فهنا يجب عليه أن يعيد فيمسك، مثلا أكل وشرب كما حصل للصحابة رضي الله عنهم، أفطروا فظهرت الشمس في يوم غيم، فأمسكوا، فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء. وهكذا كذلك على الصحيح حتى في الجماع. قالوا: عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: «أفطرنا يومًا في رمضان في غيم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس». والحديث الصحيحة بداود، والشاهد: لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء. فالخطأ معفو عنه، ويرفع القلم فيه، وقد تقدم معنا الحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي»، وفي رواية: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وما استكرهوا عليه. قال: أعمال صالحة تتأكد في رمضان، من الأعمال الصالحة: الأعمال الصالحة كثيرة التي في رمضان، ولكن لأن الرسالة مختصرة ذكرها هنا أهم الأعمال الصالحة. قال: القيام أولًا، القيام مستحب في كل ليالي العام، وهو أفضل صلاة بعد الفريضة، وهو في رمضان أوكد، وصحت أدلة كثيرة في الحث عليه، وقد تقدم بعضها، ومع الجماعة أفضل، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». لأنه أنشط أدوام. وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة». وهو حديث صحيح، فعلم به أن الأفضل إتمام الصلاة مع الإمام حتى ينصرف، حتى ينصرف. واستدل بعض العلماء بهذه الرواية أن في هذا إيماء من النبي صلى الله عليه وسلم على مشروعية القيام جماعة في ليالي رمضان، ولهذا فعله الصحابة رضي الله عنهم، فعله النبي صلى الله عليه وسلم بضعة ليالي ثم تركه خشية أن يفرض على الناس. وفي هذا دليل أن سنة الصحابة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم لم يفعلوا شيئًا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا وأصله موجود في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قراءة القرآن، فهو من أفضل الطاعات، ويتأكد في رمضان، وأدلة كثيرة، وتقدم كيف كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان. والحديث في البخاري وغيره. وفيه كذلك: أنه لما كان رمضان الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم دارسه القرآن مرتين. وفي هذا دليل كذلك على جواز ختم القرآن أكثر من مرة في رمضان، ومدارسة القرآن: مدارسة تدبر وتفسير، كما فسره العلماء. فإذا كان هذا الذي فعله جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، ففي هذا كذلك أنه حسن لأهل الإسلام أن يتدبروا القرآن وينظروا في تفسيره في رمضان، فتجعل وقتًا للتلاوة، ووقتًا لقراءة التفسير والتدبر، وهذا من الأعمال الصالحة المستحبة في رمضان. قال: الثالث: الصدقة، من أفضل الطاعات، وفي رمضان أوكد، وتقدم حديث ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان كما جاء حين يلقاه جبريل له أجود بالخير من الريح المرسلة». ومعناه: أنه يستحب للناس أن يكثروا من أبواب الجود في رمضان، سواء بالصدقة، بالإطعام، أو كذلك بالمال، أو باللباس، أو بأي نوع من أنواع الجود، حتى ولو كان بناء المساجد، وحفر الآبار، وإخراج الأوقاف، وغير ذلك، ففي رمضان تضاعف الأعمال؛ لأنه موسم عظيم من مواسم الخيرات، فينبغي للإنسان أن يفعل ذلك، ولو فعله في العشر الأواخر كان أفضل. ولهذا ثبت عن السلف أنهم كانوا يكثرون من النفقة والصدقة بقدر ما يستطيعون في العشر الأواخر، رجاء أن يدركوا ليلة القدر، فتضاعف لهم الأعمال الصالحة. قال: الرابع: الاعتكاف بالعشر الأخير من الشهر، وذلك تفرغًا لله لطلب ليلة القدر، فهو من أوكد الطاعات في شهر رمضان، وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لم يتركه في رمضان، ولما عرض له عذر في أحد رمضانات قضاه في شوال، وهذا يدل أنه كان يحب المداومة عليه، حتى أنه لما صار له عذر قضاه في شوال. وأحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل، فلا ينبغي لمن تيسر له الاعتكاف أن يحرم نفسه من الاعتكاف. فينبغي عليه أن يعتكف، القصد من الاعتكاف هو التفرغ لعبادة الله وطاعته، فإن تيسر له بالاعتكاف فعل، فإن شغله الاعتكاف فليلزم بيته، وليجتهد في عبادة ربه، ويدرك ذلك بهذا، مع مواظبته على صلوات الخمس، والتبكير لها، ونحو ذلك. قال: الخامس: زيادة الاجتهاد والتفرغ للعبادة والطاعة في العشر الأخيرة، وذلك طلبًا لإدراك ليلة القدر التي خير من ألف شهر. وفي حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». وهو في الصحيحين. وفي هذا دليل أنه كان يوقظ أهله، ويحرص على ذلك في كل العشر، ليس فقط في ليلة سبعة وعشرين، بل في كل العشر، فتخصيص ليلة سبع وعشرين لم يرد فيها شيء صحيح صريح مرفوع، تخصيص ليلة سبع وعشرين لم يرد فيها شيء صحيح صريح مرفوع، والله أعلم. قال: السادس: العمرة في رمضان، فضلها أعظم، فهي كأجر حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم معنى الحديث. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كأجر حجة أو كحجة معي». معناه: أن الناس يتفاوتون فيه، ولهذا قال: «أو»، ومعناه: أن من الناس من يكتب له كأجر حجة، ومن الناس من يكتب له كأجر حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال العلماء: في هذا دليل أن الإنسان كلما احتسب السنة في أعماله وفق لأجري النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الاتباع. قال: السابع: الحرص على جميع الطاعات في أيام وليالي الشهر، فهو موسم عظيم من مواسم الطاعات. ومعناه: في الليل وفي النهار، لا تجعل نهارك نومًا وكسلًا، وليلك لعبًا وعبثًا. الكثير من الناس إلا من رحم الله يقتل نهار رمضان بماذا؟ بالنوم والتكاسل والتململ، إلا من رحم الله. والليل يجعله للهو واللعب والعبث، فتأتي المباريات الرمضانية، والمسلسلات الرمضانية، والمسابقات الرمضانية، وغير ذلك، وغير ذلك مما فيه مشغلة ولهو وعبث ولعب وإضاعة للوقت في الليل وفي النهار، وهذا حرمان. وللأسف هذا موسم لا يتكرر على الإنسان، جعله الله للتنافس والمسابقات، ليس الأجل لهو والعبث والمسابقات والأمور التي فيها قتل للأوقات. يقول السائل: ما حكم من أدخل القيء عمدًا؟ تقدم معنا الآن قبل قليل: من أدخله عمدًا صار مفطرًا. تقول: ما هو الضابط في تراكم الصيام على الحامل المرضع؟ الضابط هو تراكمه لعدة سنوات، يعني ما تستطيع القضاء، يجتمع سنة وسنتين، فإذا زاد عن السنة وما استطاعت أن تقضي، فإذا تطعم، هذا هو الضابط. يقول: هذه ورقة من الفراس عن الإخوة الجالسين في الصرح فيلزمون بدخول الدرس، وإن لا يخرجون. أما يبقون شوشون في المسجد، من كان له عذر خرج، ولا يُعذر أحد إلا العذر، ومن ليس له عذر فعليه حضور الدرس؛ حتى أولًا يستفيد، وثانيًا لا يسن سنة سيئة. وتعرفون كان الشيخ عبد الرحمن رحمه الله يشدد في هذا الباب جدًا، فبرًا بالشيخ رحمه الله، حافظوا على هذه السنة، بل هي سنة مراكز العلم في اليمن جميعًا. وكان شيخنا مقبل رحمه الله يغضب جدًا لمن يتخلف عن الدروس العامة، بل كان يدعو عليهم أحيانًا، هؤلاء المتخلفون يدعو عليهم. وأذكر في أحد المرات دعا على المتخلفين في الغرف الذين تخلفوا عن الدروس العامة، وبعد أيام احترقت الغرف، ولعل الأخوة يذكرون هذا حصل حريق في الغرف. قال بعض الأخوة: هذه بدعوة الشيخ. وفعلًا الغرف التي احترقت غرف المتخلفين. وللأسف بعضهم من الأخوة العدنيين، وبعض الأخوة الغرباء كانوا يتخلفون عن الدروس، أصحاب القصر، لعل بعضكم ممن كان في أيام الشيخ رحمه الله يعرفهم الناس في المسجد، وهم زعموا أنهم مسافرون، قالوا: ما وجبت علينا الصلاة، فلا يجب علينا الدرس. انظر إلى الحرمان. يقول: لماذا أتيت إلى الشيخ مقبل إذا لم تحضر دروسه؟ ماذا تصنع بدماج إذا لم تستفد من الشيخ؟ وضربت لكم مثالًا بأحد هؤلاء المساكين. في أيام الشيخ رحمه الله كان يقول: أين الفقه؟ الفقه عند الشيخ ابن عثيمين. مع أن عنده وقت قوي يستطيع يسمع لدروس الشيخ ابن عثيمين دروس العامة، ولكن حرمان. فكان يجلس بالغرف، إذا قيل له: لماذا لا تحضر دروس الشيخ؟ قال: أنا أسمع الفقه، نحن نحتاج إلى الفقه. فحرم نفسه من الاستفادة من الشيخ مقبل رحمه الله، ثم حاول وحاول حتى وصل إلى الشيخ ابن عثيمين. وقد وصلت قبله إلى هناك. فلما جاء ما هي إلا أيام فقال: الله المستعان، أحاديث ضعيفة كثيرة. أين الحديث وعلم الحديث؟ وثقنا الشيخ مقبل، فصار لا يحضر للشيخ ابن عثيمين، ويجلس في غرفته، ويسمع لمن للشيخ مقبل. فعند الشيخ مقبل حرم نفسه من الاستفادة من الشيخ مقبل، وعند الشيخ ابن عثيمين حرم نفسه من الاستفادة من الشيخ ابن عثيمين، فلا هو أخذ حديث، ولا أخذ فقه، فاته الكل. بعدما أن مات الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال: فاتنا الفقه، فاتنا الفقه، إذن فاته الفقه وفاته الحديث. انظروا الحرمان كيف يأتي. يقول: كثيرًا ما تذكرون العقلانيين، فمن هم هؤلاء العقلانيون؟ العقلانيون في زمن ألا إما من قبل هم المعتزلة، وأخذوا ذلك عن بعض الفلاسفة، فلاسفة الهند واليونان، على طريقة أرسطو، وفلاطون، وغيرهم. وهذه السنة الشيطانية: وهي معارضة الشرع بالعقل، لا تزال إلى يومنا هذا يوجد من هؤلاء. وقد تلبس بهؤلاء بعض كذلك العلمانيين الذين يطعنون في الإسلام بماذا؟ باسم العقل. هذا الحديث لا يقبله العقل، هذه الآية تعارض العقل، وهكذا يردون أدلة الكتاب والسنة، فيقولون: هذا قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة. وبهذا عطلوا الشريعة، عطلوا الشريعة بعقولهم العاطلة. وللأسف بعض الجهلة والمرضى والكسلة من الناس يستحسن هذه الطريقة؛ لماذا؟ لأنها توافق الأهواء، توافق أهواءهم. ولهذا الكثير من العلماء يردون على هؤلاء؛ لأنهم صاروا فرقة تضل الكثير من المثقفين. وللأسف من المسلمين بسبب ضعف إيمانهم وجهلهم بالشريعة يغترون بتلك الأفكار العقلانية التي تعارض بها النصوص الشرعية. يقول: ما معنى: «ثكلتك أمك يا معاد»؟ هي كلمة تقال للتوبيخ، لا يقصد ظاهرها ولفظها، كلمة تقال للتوبيخ، معناها: فقدتك أمك، ولكن ليس المعنى الدعاء، وإنما معناها التوبيخ. ولهذا قال العلماء: بعض العبارات يؤخذ بما جرى بها بالعرف، لا يؤخذ بما دل عليه اللفظ، ومنها هذه العبارة. يقول: ما حكم الألعاب التي يلعب بها الأطفال من الدمى أو الحيوانات البلاستيكية وغيرها من هذه الأشياء؟ إذا كان فيها صورة الوجه فيطمس الوجه والرأس، وقد أذن به للأطفال كما في حديث عائشة. ولكن لا بد أن تطمس ملامح الوجه. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما صورة الرأس». نعم، «إنما صورة الرأس». فطمس الرأس وملامح الوجه يزيل هذا الإشكال إن شاء الله. ولذلك البلاستيكية ونحوها في الغالب صعب طمس ملامح الوجه والرأس، فيستخدم من القماش ويخيط، إذا كان في ملامح وجه تخيط ملامح الوجه، وتبقى لعبة يستفيد منها الطفل دون ملامح الوجه. يقول: كذلك البطانيات التي لعلها تجمل تجمل ببعض الصور، وكذلك الشراشف، فهل هي من المهانة؟ قال بعض أهل العلم: هذا إذا كانت تستخدم في الأرض. ولكن الأحوذ كذلك أن تشق؛ لما ثبت في حديث عائشة في الصحيحين: «رأى النبي صلى الله عليه وسلم قرامًا أو ستارًا فيه صورة فلم يدخل البيت وكرهه، فاستغفرت الله ثم شقته نصفين». وهذا الشاهد: شقته، معناه: أن الصورة حتى ولو كانت في مثل هذا يشق. فإذا شققت الصورة فزال إن شاء الله الإشكال. يقول: الذين يكثرون من الذهاب إلى القرية من الإخوة الغرباء لأجل الشبكة وقت الدروس، هؤلاء من المحرومين، الذي ما يجد أن يذهب إلا وقت الدروس. والله أعلم لأي شيء يذهب؟ هذا من الحرمان. حتى لو أراد صلة الرحم ليس في وقت الدروس، وقت الدروس العامة هي وقت الاستفادة، تفيد نفسك وتفيد وتربي أولادك على تعظيم العلم وعلى احترام العلم، واحترام أهل العلم. فأنت تجلس ليس لأجل فلان أو فلان، أنت تجلس لأجل العلم. ولا ينبل الرجل حتى يأخذ العلم ممن فوقه وممن دونه وممن مثله كما مر معنا. وأما أنك تتكبر عن العلم فهذا حرمانك. تعرفون حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بنبي ثلاثة؟ أما الأول: آوَاء، فماذا؟ فآوَاء الله، ألا تحب أن يؤيك الله ويؤوي لك ولدك؟» كيف تستطيع تربي أولادك على تعظيم العلم وعلى حب العلم إذا رأوك أنت زاهد في العلم؟ هم سيكونون أزهد منك. وإذا ربيتهم على احترام العلم، احترام أهل العلم، والجلوس، وثني الركب بين يدي أهل العلم، عظموا العلم واحترموا أهل العلم. وعسى أن يثبتوا على هذا. نقول: وعسى أن ليس كل من وجه أولاده لهذا الخير استطاع أن يربيهم على هذا الخير. ولكن نقول: عسى أن يعينك هذا على أن يدخل الله حب العلم وإحترام أهل العلم في قلوب أولادك. متى ستربيهم على هذا؟ إذا لم تفعل هذا وأنت معهم، أنت في مركز العلم، وأنت زاهد في العلم، إذن كيف سيكون أولادك محبين للعلم؟ من أين سيأتي في قلوبهم حب العلم وتعظيم العلم؟ كيف؟ اسأل نفسك. كيف سيأتي هذا في وقت وجودك مع العلم وأعطاك الله هذه الفرصة وأنت محروم؟ فكيف يصل هذا إلى أولادك؟ إذا أردت الخير بأولادك فربهم عمليًا، اثني ركبهم معك ليعظموا العلم، احترموا العلم. حتى الذين في البيت حين يرونك تعظم العلم وتحترم العلم وأهل العلم، هم كذلك يعظمون العلم ويحتر