مختصر سيرة الرسول  10

مختصر سيرة الرسول 10

الدرس في مختصر سيرة الرسول 10، تابع : فصل في أخلاقه صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

هدي النبي في الذكر والصلاة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكر الله ويطيل الصلاة في النفل ويخفف في الفريضة. ويراعي حالة المأمومين في الإطالة والتخفيف.

طول الصلاة وقصر الخطبة

كان النبي يطيل الصلاة في النوافل ويقصر الخطبة في صلاة الجمعة. وينبغي للإمام مراعاة حالة المأمومين في الإطالة والتخفيف.

التأسي بالنبي في الخلق الحسن

ينبغي التأسي بالنبي في حسن الخلق والتبسم. وكان النبي يبتسم ويبشر ويحب الطيب ويكره الريح الكريهة.

هدي النبي في التعامل مع الطعام

كره النبي الأكل من طعام ذكر فيه ما يكره. ويدل هذا على هديه في التعامل مع الطعام المشكوك فيه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وكان يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة»، يعني من هديه عليه الصلاة والسلام، وهو في سياق أخلاقه وهديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يكثر الذكر، يعني ذكر الله سبحانه وتعالى بجميع أنواع الذكر، من الاستغفار والتكبير والتهليل وأذكار الصباح والمساء وغير ذلك من أنواع الذكر الخاصة والعامة، الخاصة المخصصة بوقت كالأذكار بعد الصلاة، كما هو مفصل في كتب السنة والفقه. وهكذا كذلك المخصصة في الصباح والمساء، وعند النوم، وعند القيام من النوم، وعند الخروج من المنزل، وعند دخول المنزل، وعند ركوب المركوب، وعند النزول، وغير ذلك من الأذكار المخصصة الواردة في السنة مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك ذكر عام مثل التهليل والاستغفار والتسبيح مما جاء فيه الفضل من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في حديث ابن عمر ومعنى عن نبي هريرة، وأصله في صحيح مسلم، وجاء في غير صحيح مسلم في روايات كثيرة أنه كان عليه الصلاة والسلام يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، وفي رواية سبعين مرة. وفي حديث ابن عمر عند الترمذي أنه كان يقول: «رب اغفر لي وتوب علي إنك أنت التواب الرحيم»، وفي تلك الرواية «استغفر الله ويتوب إليه أكثر من مئة مرة»، فتكون هذه رواية الترمذي مفسرة لتلك الرواية التي في صحيح مسلم. فهذا من كثرة ذكره عليه الصلاة والسلام. وكان يقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن موسى في الصحيح: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت»، وهكذا حث عليه الصلاة والسلام من قوله ومن فعله على كثرة التهليل، أي قول «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير»، وهكذا التسبيح وغير ذلك مما ورد في هذا الباب من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام. وكان يقل اللغو، المراد باللغو هو الكلام الذي لا ينفع، الكلام الذي لا ينفع. وكان من وصف نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كثير الصمت، قليل الكلام، حتى أن كلامه يعد إذا تكلم تكلم قليلا. وكان إذا تكلم عليه الصلاة والسلام يتكلم كلاما يسيرا ليس فيه عجلة، حتى كما قالت عائشة: «لو شاء أحدنا أن يحفظه لحفظه»، يعني كلامه فيه سكينة وهدوء ليس فيه عجلة. وربما كرر ثلاثا بعض الكلام المهم كما جاء في حديث أنس أنه إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم تكلم ثلاثا، يعني أحيانا يعيد الكلام لحفظه ولتأكيد معناه فيفهم. وهو توفيق أن يوفق العبد لمثل هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أكمل الهدي، أن يكون كلامه قليلا وفي الخير، وإذا تكلم لا يتعجل، وإذا اقتضى بعض الأمر تكرار بعض الكلام كرره. ويحاول الإنسان أن يهذب نفسه فيقتدى بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، كما صحت به الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. «ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة»، يطيل الصلاة يعني يحب ذلك، إلا أن يعارض ذلك مصلحة، ففي الفريضة يخفف لأجل الناس، من أما بالناس فليخفف، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا حاجة. والفجر يقرأ قراءة فيها شيء من الطول كذلك، إذا لا يكون فيه مشقة على الناس. فالسنة التي ينبغي أن يحرص عليها فيها سعة، فهناك شيء أو مواضع يكون فيها التقصير، ومواضع يكون فيها التطويل، فإذا استطاع أن يطيل بدون مشقة أطال. وأما في النفل فالأمر أوسع، فإن كان منفردا فإنه يطيل ما شاء، أو كان يصلي لنفسه فليطيل ما شاء. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ركعة واحدة بالبقرة والنساء وآل عمران، في ركعة واحدة، حتى قال الصحابي: «هممت بسوء»، قالوا: «بماذا؟» قال: «هممت أن أخرج من الصلاة»، فقال: «صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم»، رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل، فدخل يصلي معه، فاستفتح البقرة، قال: «قلت: يقف عند المئة»، يعني يمكن يقرأ مئة آية وهكذا، حتى أكمل البقرة وأكمل النساء وأكمل آل عمران. وقدم كما في هذا الحديث سورة النساء على آل عمران، وفيه دليل على جواز التقديم والتأخير في السور لا الآيات، أما الآيات فلا يجوز، أما السور فيجوز. فالشاهد إن كان كذلك فيطيل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يطيل، لكن إذا كانت نافلة تريد عانة الناس على حبها وعلى الصلاة لها، مثل صلاة التراويح، وأنت في مسجد عام، ادخل فيه الذي قد يتحمل الإطالة والذي قد لا يتحمل الإطالة، إذن تقتدي بمن بأضعفهم لا بأشدهم، هذه القاعدة، ولو كانت صلاة نافلة لأجل أن تعين الناس على ماذا على صلاة الليل، حتى لا تحرمهم من هذه الصلاة. لكن إذا كنت تصلي لنفسك وجاء أحد يصلي معك، فلا بأس أن تطيل، مثلا أنت تصلي في بيتك، جاءك إنسان، إن استمررت على ما أنت عليه من عادتك فلا حرج، وإن أشفقت بهذا الذي معك فخففت فهذا حسن. لكن لا حرج عليك، بخلاف لو كنت إمام للناس فطولت وتقول هذه نافلة، هل هذا في حرج أم لا في حرج؟ وله كانت نافلة، لماذا؟ بأنك صرت منفرا عن هذه الصلاة، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون فينا أحد من المنفرين، وهذا من فقه الصلاة. والشاهد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الصلاة، لكن بالتفصيل الذي سمعنا، ليس يطيل بالصلاة بأن ينفر الناس عن الصلاة. «ويقصر الخطبة»، ومعنى يقصر الخطبة يعني إذا خطب لا يطيل فيها، سواء خطبة الجمعة أو خطبة العيد أو خطبة الاستسقاء أو خطبة الخسوف أو غير ذلك من أنواع الخطب. كلامه وخطبه عليه الصلاة والسلام قصيرة، لكنها تحوي معاني كثيرة. وصح أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى يوم الجمعة ب «سبح اسم ربك الأعلى» و «الغاشية»، ومع ذلك ذكر الراوي أن خطبته كانت أكثر من صلاته، وهذا يدل أن الخطبة كانت قصيرة، كانت قصيرة. قد يقول قائل: كيف يصنع اليوم الناس ونحن نرى العلماء على خلاف هذا إلا النادر القليل ممن عرف الجواب؟ أما علماء السنة فهم حريصون على التخفيف، ولكن تخفيف كما يقال غير مخل. سئل شيخنا بن عثيمين رحمه الله تعالى مرة معنا هذا السؤال، فقالوا له: «يا شيخ لو عددنا ذلك لقلنا أن الصلاة لا تزيد عن ربع ساعة، فالخطبة تكون أقل من هذا، ولا نراك يا شيخنا تفعل هذا»، فقال: «كلامك صحيح، لكن المقصود في هذه السنة اختصارا غير مخل، فلما كان الناس عندهم من الفقه وعندهم من العربية وغير ذلك ما يمكن أن يكون معه مثل هذا الاختصار كفى». لكن نحن هنا نزيد شيئا يسيرا بقدر أن لا يحصل الإخلال، مع أن حريص على التقصير. وكانت خطبة شيخنا رحمه الله قدر نصف ساعة أو 25 دقيقة، وأحيانا 20 دقيقة، لكن الغالب لا تزيد على نصف ساعة، نادرا أن تزيد عن نصف ساعة، ولو قرأتم خطبه وسمعتم خطبه الموجودة وجدتموها حول هذا الوقت. فكذلك على هذا عمل أكثر أهل العلم، ومعظم شيوخنا خطبته قصيرة. أذكر خطبة لشيخنا مقبل رحمه الله كانت ربع ساعة أو أقل، ربع ساعة أو أقل. ولكن قد يقال: هذا يصلح لطلبة العلم الذين قد يكفي في حقهم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة والتنبيه بكلمة أو كلمتين، لكن في حق العامة قد تحتاج لتوضيح بعض الأشياء مع هذه الأدلة فتزيد شيئا من الوقت اليسير. وإذا علمنا هذا علمنا أن من القبيح بمكان التطويل الذي يصنعه بعض الناس حتى تكون الخطبة ساعة ونصف، بل مرة صلينا في مسجد في جدة، مدينة جدة، خطبة ساعتين، خطبة جمعة ساعتين، تأمل كيف يكون حال الناس والخطيب يخطب ساعتين، ما شاء الله، فهذه مصيبة، تنفير عظيم للناس، هذا الذي يدخل يصلي في هذا المسجد ما يصلي مرة أخرى، مستحيل أن يصلي في هذا المسجد مرة أخرى إذا كان علم أن الخطيب سيطيل بمثل هذه الإطالة. فمن السنة التقصير في الخطبة، وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «أكثر الناس تبسما وأحسنهم بشرى»، مع أنه كان متواصل الأحزاب دائم الفكر، ومعناه ومعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يكثر التبسم كما جاء في عدة أحاديث عنه عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك أحسنهم بشارة الوجه والقول والفعل، فهو يبتسم ويبشر ويستبشر ويبشر من خالطه بالقول وبالفعل، وكذلك ما يكون من بشاشة الوجه، وهذا من حسن الخلق. ولهذا يزيد هذا إذا علمنا أن ذلك ما كان بشدة واستمرار فرح، ولكنه خلق قد يكون المرء عنده من الهموم ما عنده، ولكن لعظيم خلقه وواسع كرمه ولطفه يبتسم. وهذا وصف نبينا صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خلقا. ولهذا قال: «مع أنه كان متواصل الأحزاب دائم الفكر»، يعني أو لعله إذا كان في نسخة الأحزان، ربما يكون من باب أنه يأتيه ما يحزنه، والأحزاب أي ما يحزبه ويشغله، يعني شواغل العارضة على النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة، والهموم حديدة، والأفكار التي قد تعرض أكثر. ومع ذلك ما يمنع هذا من التبسم والبشاشة والاستبشار، لعظيم خلقه عليه الصلاة والسلام، كما قال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فكذلك نأتس به عليه الصلاة والسلام، ولنعلم أنه ليس من اللازم أن يعرف الناس أنك مهموم وأنك حزين وأنك متضايق وأنك تفكر وأنك كذلك تتاقلت عليك وتتابعت عليك الأمور، لا، بل من علامة كمال الإنسان أن لا يظهر ذلك، لا يظهر، الله وحده هو الذي سيفرج عنك، ليس الناس، فأنت تلجي أمرك إلى الله سبحانه وتعالى، وتعطي الناس بما يحب الله سبحانه وتعالى أن تعطيهم، وبما تحب أن تعطى. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وهذا شيء كما يقال من الأخلاق الكريمة العالية التي ينبغي أن يحرص عليها. وللأسف حرمها الكثير من الناس، بعض الناس ربما يظن أن الرجولة وأن الكمال وأن كذلك ربما حتى من ينتسب إلى العلم أن من صفة العلماء أو من صفة أهل الفضل تعبس الوجه، يشد وجهه، وربما يشد أخلاقه، كما يقول بعضهم ربما يضرب الحجار من الأرض، قلون، عندنا العامة: «فلان يزبط الحجار»، يمشي مجدود من فوق إلى تحت، ويظن أن هذا كمال، وهذا نقص، ليس كمال. كان نبينا صلى الله عليه وسلم يبتسم ويكثر من التبسم في وجه أصحابه كما تقدم معنا، وهو الذي كما سمعنا عليه الصلاة والسلام قال: «وكان يحب الطيب ويكره الريح الكريهة»، وهذا جاء في حديث كثيرة من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام وإقراره، بل قال عليه الصلاة والسلام: «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني الصلاة»، فقدم من كل الدنيا ما يحب الطيب. فكان من أحب الأشياء من أمور الدنيا الطيب يحبه، ولهذا كان يحب أن يتطيب، ويعرف عليه الصلاة والسلام بمجيئه برائحة الطيب التي تسبقه، تسبقه رائحة الطيب عليه الصلاة والسلام، وأطيب الطيب المسك، وكان يحب المسك كثيرا عليه الصلاة والسلام. وكذلك الماء كان يحب أن يغتسل كثيرا، لأنه مما يكون به إزالة ما يمنع الطيب. ويكره الريح الكريهة، ولهذا كان يحث على تجنب أسباب ذلك، فيأمر بالاغتسال كما حصل في قصة الرجلين في حديث عائشة في الصحيح، أن رجلان قدما إلى المسجد يوم الجمعة وعليهما آثار العمل وعليهما العرق ورائحة العرق أو كذا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن أحدكم إذا جاء المسجد اغتسل»، ولكن من أدبه لطفه أتاهم بالأمر على وجه التعريض. وكره أن يأكل من طعام حين ذكر له أن فيه ما يكره، كما في قصة سورة التحريم والحديث الصحيحين في حديث عائشة وغيرها، وغير ذلك مما جاء من أحاديث، وهذا من هديه عليه الصلاة والسلام. وكذلك من أراد التأسي به يحرص على مثل هذا المعنى. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.