شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 10

شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 10

الدرس في شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التفقه في الدين ومجالسة الفقهاء

يتناول أهمية التفقه في الدين ومجالسة الفقهاء لتعلم معاني السنن، ويشير إلى أن الفقهاء هم الراسخون في العلم. مجالستهم تورث الفقه وتختصر الطريق للمعرفة الصحيحة.

الرجوع إلى أهل العلم

يؤكد على أهمية الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم في طلب العلم، حيث يجمعون بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. طالب العلم يجب أن يكون مراده نفي الجهل عن نفسه والعمل بما يرضي الله.

مجالسة العلماء والصبر

ينصح بمجالسة العلماء لزيادة الهمة في طلب العلم والاستمرار فيه، ويشدد على أهمية الصبر وعدم اليأس. يحذر من الاكتفاء بحفظ العلم دون العمل به ويؤكد على الموازنة بين الحفظ والعمل.

خاتمة الدرس والدعاء

يشير إلى خاتمة الدرس مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه، ويعبر عن شكر الله وحمده. يُنهي بالتعبير عن الامتنان للسامعين وتمني الخير لهم.

  • 11 جمادى الآخرة 1439هـ - 26/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

يسر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري رحمه الله تعالى، اختصره فضيلة الشيخ عمر بن مصلح الحسين، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس العاشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو المجلس العاشر في القراءة في كتاب مختصر فرض طلب العلم الذي أصله للإمام الآجري رحمه الله رحمة واسعة. وكان مجلسنا السابق فيه الكلام على ما ذكره المؤلف رحمه الله من الاعتناء بالعلم وأول ما يعتني به طالب العلم، ومر معنا ما أشار إليه من الاعتناء بالقرآن ومعرفة الحلال والحرام ومعرفة الفرائض ومعرفة السنة التي تفسر وتوضح وتبين القرآن، وأخيراً وقفنا عند ما أشار إليه من معرفة علم سنن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد سبق الكلام على ذلك كله على وجه الاختصار بما يناسب المقام. وقبل الدخول والشروع فيما يأتي من درس اليوم تنبيه لما أشار إليه رحمه الله، وهو تتمة لما سبق في معرفة علم سنن الصحابة رضي الله عنهم. قد تقدم معنا الكلام على هذا المبحث، وهنا تنبيه، قال: وهو أن ما أثر عن الصحابة رضي الله عنهم كما تقدم معنا بعد معرفة ثبوته وصحته، فهو يفسر ويوضح القرآن والسنة؛ لأنهم من شهد الوحي ونزوله ولازم النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم. وأمر الله عز وجل بالإيمان مثل إيمانهم، إلى آخر ما سبق معنا. والناس بهذا طرفان ووسط، قوم حملوا هذا الباب فكان سبباً في تفسير الكتاب والسنة، ولو دانوا لله عز وجل بما فيهما، إلا أنهم بإهمال تفسير السلف الصالح وقعوا في ضلالات عقدية، بل وغيرها من جوانب الشريعة الأخرى الكثيرة. فمن المهم أن يعتنى بآثار الصحابة، خصوصاً في تفسير نصوص الكتاب والسنة. وإذا اختلفوا فإنه يسلك مسلك الترجيح إذا لم يمكن الجمع، وإلا فالأصل أننا نسلك مسلك الجمع على ما هو مقرر ومعروف في كلام أهل العلم في كتب الأصول وغيرها في تعارض الأدلة. وطرف آخر جفوا فأهملوا، كما تقدم جفوا فأهملوا فظلوا وأضروا. وطرف آخر غلوا فجعلوا الآثار هي الأصل، حتى ربما صاروا يوجهون بها ثوابت الشريعة فيغيرون ويبدلون ببعض الآثار التي فهمت فهماً سقيماً، ليس فهماً صحيحاً، وهذا خطأ آخر. آثار الصحابة رضي الله عنهم لا تهمل، ولكن كذلك لا يغلى فيها فتجعل أصولاً يهمل بسببها نصوص الكتاب والسنة أو يعارض بها الثابت في الشريعة. ومن هنا وقع بعض من ضل بمثل هذا الباب والفهم السقيم لبعض الآثار، مثل ما وقعت فيه الحدادية على سبيل المثال، غلوا في بعض الآثار فخالفوا ثوابت شرعية دلت عليها عمومات شريعة من نصوص الكتاب والسنة. وعند ذلك وقع من الشر ما زعموا، عظموا الصحابة فطعنوا في العلماء وأسقطوهم، ظنوا أنهم أعرف بفهم آثار الصحابة، والأمر ليس كذلك. هذه إشارة فقط، وبسط هذا في مواضع أخرى قد سبق الكلام على مثل هذا في دروس سابقة لنا، وينبه العلماء في ردودهم على الحدادية وأشباههم بعض الأمثلة التي تدل على هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «وينظر في الفقه الذي يعرف معاني السنن، ويجالس الفقهاء أو يتعلم منهم ما يجب عليه علمه». كذلك من المباحث المهمة في هذا الفصل الذي أشار فيه أي العلم، أولى بالإنسان أن يتعلم أن يعتني بالتفقه في دين الله عز وجل، ويعرف وينظر في الفقه الذي يعرفه معاني السنن، ويجالس الفقهاء. والفقه في الدين مسائل ودلائل، الدلائل هي أدلة الكتاب والسنة، والمسائل هي المذكورة في كتب أهل العلم، ويستدل لها بأدلة الكتاب والسنة. فإذا عرف المسائل وعرف كلام أهل العلم بما يوضح ذلك من الدلائل، فصار الفقه يعرف بمعاني السنن. وكيف يمكن ذلك؟ يعني مثلاً من الفقه معرفة المطلق وما قيد به، والعام وما خص، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك مما قد لا يفهم الفهم الصحيح إذا لم يتفقه ويوقف على كلام أهل العلم. والفقه في هذه المباحث، فمن المهم أن يتعلم من الفقه ما يعرف معاني السنن، وهذا يكون بمجالسة الفقهاء. والفقهاء هم الراسخون في العلم، هذا معنى الفقه في نص الكتاب والسنة أن يتدرج في العلم ليصل إلى مرتبة الرسوخ. فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقه، ما معنى يتفقه؟ يرسخوا، يأخذوا من مسائل العلم ويتدرجوا فيه ما يوصلهم إلى التفقه في الدين. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «من يريد الله به خيراً يفقهه في الدين»، أن يبصره ويرسخه في معرفة مسائل الدين. فكان الفقهاء في زمن السلف الصالح هم العلماء الكبار الراسخون، ويتدرجون في هذا الرسوخ، فهم من جمعوا من العلم والخبرة والمعرفة ما كانوا به مرجعية. فكانوا أهل الاستنباط ممن أمر الله بالرجوع إليهم. والاستنباط هو معرفة الدلائل والمسائل كيف يستدل بالدليل الصحيح على المسألة التي يحتاج إلى الاستدلال لها بهذا الدليل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، هؤلاء هم أهل الاستنباط. فمجالسة هؤلاء يورث الفقه في الدين، لماذا؟ لأنه يختصر عليك الطريق، فأنت تحتاج إلى وقت، لكن هو قد تراكمت عنده المعلومات ما ستصل إليه بعد سنوات، هو قد وصل إليه وأخذه ممن قبله وأخذه ممن قبله. وأضرب لكم مثلاً يقرب المعنى، مثلاً العلوم الدنيوية، هل ممكن إنسان درس الطب وانتهى من دراسة الطب يكون عنده من الخبرة والمعرفة مثل من انتهى من دراسة الطب قبل عشر سنوات ومارس مهنة الطب وجالس من هو أطب منه وأعلم وأعرف؟ فطبق هذا العلم على واقع أمراض الناس وأحوالهم، فجمع بين معرفة ما تعلم مع تطبيقه في واقع ما يحتاجه الناس؟ لا شك أن هذا الثاني عنده من الخبرة والمعرفة والعلم ما لا يستغني عنه ذلك الطالب أن يرجع إلى مثل هذا الذي هو أعلم. لا يمكن أن يخرج من الطب فيشرع بتقطيع أبدان الناس بمجرد ما قد علم من تلك المعلومات التي قرأها وسمعها، يحتاج إلى من هو أخبر وأعلم لأجل لا يعبث بأبدان الناس. ولهذا قال من قال من أهل العلم: «أنه أفسد الأبدان نصف الطبيب»، كما أنه أفسد الأديان نصف الفقيه، وأفسد اللسان نصف النحوي أو اللغوي. فلذلك يحتاج لمجالسة الفقهاء ليرسخ في العلم ويتعلم منهم ما يجب عليه علمه؛ لأنهم يختصرون له الطريق. ولهذا قال من قال من أهل العلم: «من كان شيخه كتابه كان خطأه أكثر من صوابه»، وهذا واقع، وإن كان ليس على الإطلاق، لكنه هو الواقع. لا يستغني طالب العلم عن الكتب والقراءة فيها والبحث فيها، كذلك لا يستغني عن شيخ يوجهه في معرفة ما في هذه الكتب ويختصر عليه الطريق. فهو جمع خبرة وعلوم مجموعة من المشائخ وأهل العلم، فهو يختصر لك الطريق، يختصر لك الطريق بكلمة، يختصر عليك الطريق بكلمة، مثلاً إذا كانت المسألة في الفقه وأصوله تأتي فتقول: شيخنا هذا حديث فيه كذا وكذا، فيقول لك بكل اختصار: هذا الحديث مقيد بحديث آخر، هذا الحديث منسوخ بحديث آخر. كلمة واحدة ربما أنت ما تصل إليها إلا بعد بحث يأخذ منك أياما إن لم يكن أكثر من ذلك، تبحث في رجل فيشكل عليك، ثم يوضح لك أن هذا الرجل ليس هو فلان بل هو فلان، أن هذا السند فيه خطأ، نبه صاحب كتاب العلل في الكتاب الفلاني أن هذا الحديث فيه خطأ وأنه معل وصوابه كذا وكذا. أنت ربما تأخذ أشهر ولا تصل إلى هذه النتيجة، وهو بكلمة واحدة اختصر لك الطريق. هذه أنفلة يسيرة توضح لك أهمية الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم والتفقه على أيديهم. قال رحمه الله تعالى: «ويكون مراده من طلب العلم أنه يريده لنفسه لينتفي عنه الجهل ويعبد الله عز وجل فيما افترض عليه بعلم». فمن كان هذا مراده بطلب العلم نفعه الله عز وجل ونفع به، ووفقه وكثر له قليل علمه وبارك له فيه. فهذا كذلك من المعاني المهمة التي ينبغي أن تكون بين يدي طالب العلم، أن يجعل مراده من طلب العلم أن ينفي الجهل وأن يعبد الله عز وجل بهذا العلم، فيكون له بهذا الخير وينتفع وينفع، ويأتيه التوفيق من الله سبحانه وتعالى. وكما أثر عن علي رضي الله عنه فيما رواه ابن عيين في الحلية ورواه غير واحد، وهو أثر مشهور صحيح أنه أوصى كميل بن زياد النخعي فقال له: «يا كميل القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير أو قال للعلم»، ثم قال: «الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع يميلون مع كل ناعق أو قال يتبعون كل ناعق أو كل صائح»، روايات رؤيت بهذا الأثر. والشاهد من هذا: لا تكن من هؤلاء الرعاع، إما أن تكون عالما ربانيا، وسمي ربانيا كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه: «أنه يربي على صغار العلم قبل كباره»، التدرج العلم مهم كالذي يبني بناء شيئاً فشيئاً فيكون متيناً وقوياً، والذي يبني بناء سريعاً عجلاً فإنه ينهدم كذلك سريعاً. فقوة البناء بقوة أساسه والتدرج في إتقان بنائه، وكذلك قوة، فيبدأ بصغار العلم قبل كباره حتى يكون رجلاً راسخاً قويا، عنده من العلم والدين ما ينفع الله عز وجل به العبادة والبلاد. وقيل ربانيا: أن يدل على الرب سبحانه وتعالى بعلمه وبعمله، وكل المعنيين صحيح. وهذا لا يصل إليه حامل العلم طالبه إلا بجهد واجتهاد وسير علمي طويل. وبه تعرف فضل العلماء الربانيين: أنهم لم يصلوا إلى هذه المرتبة إلا بعد أن عصروا أنفسهم للعلم والعمل، وعصرتهم الفتن والمحن، بما كان لهم من الخبرة والمعرفة والإدراك والصبر على هذا الثبات حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه. وجعلناهم إمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون، بالصبر على العلم وعلى العمل وعلى الدعوة إلى هذا العلم والعمل، وعلى الأذى في هذه الثلاثة مع اليقين. وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، يقين بأن العاقبة للمتقين، يقين بأهمية العلم وطلبه والصبر على تحصيله؛ لأن تحصيله في أول الأمر صعب، لكن إذا سار فيه مع يقين يصل بإذن الله إلى الثمر. يقين أن عاقبة العمل والعمل بالعلم ليس أمر سهل، يقتضي غض النفس ووضعها بما يرضي الله ولو لم يرض به النفس، ولو سخطك الناس ولو غمطك الناس لا تبالي، دائماً تطلب ما عند الله، لا تبالي بإقبال الأمور وإدبارها، متوكل على الله. هذا وما كان بمعناه مما يدخل في هذا المعنى الكثير، كله من معاني اليقين. وعند ذلك تنال الإمامة في الدين. ومتعلم على سبيل نجاح: هذا هو المقصود ها هنا، متعلم على سبيل النجاح يطلب العلم لا للدنيا، لا للتفاخر، لا للتنافس، لا للرياء والسمعة، وإنما يريده لينفي الجهل عن نفسه، ويعبد الله سبحانه وتعالى فيما افترض عليه من العلم. وأن ينفعه الله عند ذلك يأتيه التوفيق، هذا الذي يطلب العلم متعلم على سبيل نجاح، يعان ويوفق في طريق العلم، ويوفق في طريق العمل بإذن الله. وأما الثالث هم القسم الثالث الذين رضيوا لأنفسهم ألا يكونوا مع هذين الصنفين، فهم هامج رعاع أتباع كل ناعق، تميل بهم الفتن بحسب من يسبق إليهم أو يسبق إليه، فيكون ضحية الفتن، يكون ضحية الفتن. والموفق من وفقه الله، الموفق من وفقه الله. فلذلك ينبغي أن يحمي المسلم نفسه بطريق العلم ليسلم من هذه الفتن، ليسلم من هذه الفتن. قال رحمه الله: «فإن قال قائل: فإني قرأت القرآن ولست ممن أطيق أن أكتب العلم، ولم آخذ نفسي بكتابة الحديث، فبما تأمرني؟» يعني: تعلم من القرآن، والقرآن فيه يسر، أيسر من العلم، وأيسر من العلم. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟ لكن مع ذلك لا يعني أن يزهد فيه كما لا يعني أن يكتفي به، بل هو يحتاج إلى غيره من العلوم الأخرى، علوم السنة، علوم الاجتهاد، وعلوم الآلة ما يجعله متفقها، ويتدرج في طريق العلم فيصير عالما ربانيا. لكن إذا وقع هذا الإشكال: أنه يرى من نفسه الثقل في هذا الباب، فماذا يأخذ أولا؟ يقال: لا ينبغي أن يصل اليأس لطالب العلم، بل ينبغي أن يستمر في طريق العلم حتى يفتح الله عز وجل عليه، فيوفق بإذن الله تعالى إلى طريق العلم، يصبر ويصبر ويصبر حتى يجد الثمرة. لا تأتي الثمرة بيوم وليلة أبداً، بل الثمرة تأتي بجد واجتهاد واستمرار ومثابرة، وعند ذلك تظهر الثمرة. فلا يأس، قد ذكر العلماء في تراجم عدد من أهل العلم، وفي كتب طلب العلم والرحلة في طلب الحديث، صبر أهل العلم على تعلم العلم، وكيف أن هذا الصبر أثمر الثمار الحسنة الطيبة المباركة. فما عليك إلا الصبر، ولا تستعجل النتيجة، لا تزهد في طريق العلم لأنك أقل ذكاء أو أقل حفظا أو أقل فهما أبداً، استمر. فكم من ذكي حرم طريق العلم وثمرته لأنه لم يستمر، وكم من صاحب قوة حفظ لم ينتفع بقوة حفظه لأنه لم يستمر. وكم من صاحب ذكاء وفهم قوي لم ينتفع بذكائه وقوة فهمه بسبب عدم استمراره في طريق العلم، أهم شيء الاستمرار والصبر، وبإذن الله ستجد الثمرة. ثم يأتي الجواب الآخر الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله، وهو يعين على طريق العلم والصبر عليه. يعني: إذا جاءك مثل هذا وأثقلك فلا تحرم نفسك من أن تجالس حملة العلم والعلماء الذين قد يحيوا في قلبك ما يعينك على الاستمرار والهمة في طريق العلم. قال رحمه الله: «فإني أقول له: عليك بمجالسة العلماء الذين ينفعونك في دينك، واحرص على علم ما يلزمك علمه، وإياك أن تكون ممن يتعب نفسه بحفظ حروفه ولا يبالي تضيع حدوده». يعني: من الأمور المهمة التي تعينك على زيادة همتك في طلب العلم وتحفظك في طريق العلم، مجالسة العلماء الذين ينفعونك في دينك. فمجالسة العلماء سبب في استمرارك على الخير وعلو همتك. ولذلك جاءت أدلة الكتاب والسنة بمجالسة أهل الخير وأهل الصلاح؛ لأنهم يعينون على الخير والصلاح، وكذلك مجالسة أهل العلم يعين ذلك على العلم. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وغيره بإسناد حسن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»، أي من يصاحب. فأنت إذا صاحبت طالب علم بهذه المصاحبة أورثك حب العلم ولو لم تكن من طلابه، يصير في قلبك حب، ثم تصل إليك بعض المعلومات مما تسمع وتشاهد وتقرأ وتلاحظ. فكيف إذا جالست العلماء وصبرت نفسك بمجالستهم؟ فلا شك أنك تثمر هذا المعنى الطيب، تزداد الهمة ويحصل لك الخير الكثير. ولهذا أمرنا الله عز وجل بمجالسة الصالحين؛ لأنه يجعلك على الصلاح، ونهانا عن مجالسة الكافرين والفاجرين والمجرمين. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ لأنه يضر بدينك، يضر بأخلاقك، يضر بمواقفك، والعكس بالعكس، مجالسة الصالحين تصلح دينك وتقويه وتثبته وتأخذ بيدك في الاستمرار والزيادة في الخير. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، بعد أن ذكر الله عز وجل أكثر من عشرين نبيا ورسولا؛ لأن في سيرتهم عليهم الصلاة والسلام وقراءتها وتدبرها ما يعين على هذا الخير وهذا الهدى. وكذلك من باب أولى المجالسة، فجالس أهل العلم يعين كذلك على حب العلم وعلى علو الهم فيه وعلى الاستمرار، وسترى ذلك إذا جربت. ثم قال: «واحرص على علم ما يلزمك علمه»، يعني: احرص على الأهم من العلوم كما تقدم: العقيدة والعبادة وما تحتاج إليه مما تؤدي به ما افترض الله عز وجل عليك، وما ترفع به الجهل عن نفسك كما تقدم في هذا المبحث وبغيره من المباحث السابقة. ثم قال: «وإياك أن تكون ممن يتعب نفسه بحفظ حروفه ولا يبالي تضيع حدوده»، يعني: لا تعتني بالحروف أكثر من العمل، احرص على أن تحفظ وتعمل؛ لأن الحفظ مع العمل، العلم مع العمل به يعين على حفظ ما علمت كما سيأتي معنا إن شاء الله الكلام عليه في الفقرة الآتية. وقوله: «وإياك أن تكون ممن يتعب نفسه بحفظ حروفه»، لا يعني ذلك التزهيد في حفظ العلم، لا، ولكن ألا يطغى ذلك على حساب العمل، راعي أن يكون حفظك للحروف مع العمل بها. فكما تعتني بالحفظ والتعلم اعتني كذلك بالعمل؛ لأنه يعينك على حفظ هذا العلم وعلى الاستمرار في طريق العلم. وما أكثر من حفظ واعتنى بالحفظ ولم يعتني بالعمل، فدعاه ذلك إلى الرياء والسمعة والعجب والمنافسة، ولم يوفق بالاستمرار. أما من اعتنى بتهذيب نفسه وإصلاحها وتزكيتها بالعمل بالعلم، فإنه ولو حفظ أقل من غيره إلا أن هذا يعينه على بركة العلم والاستمرار في طريق هذا الخير. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت في هذا اليوم، بقيت معنا فقرة يسيرة أو فقرتين نتركها إن شاء الله للدرس اللاحق، وبه نختم إن شاء الله هذا الكتاب. وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، جزاكم الله خيرا.