الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 24، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ حديثًا نبويًا عن طلب العلم للدنيا، ويبين ضعف إسناده مرفوعًا لكن صحته موقوفًا على أبي هريرة. يُفهم أن الحديث له معنى صحيح عند بعض أهل العلم.
يُناقش المقطع أهمية عدم إرادة الدنيا بالعلم ويحذر من بيع العلم لتحصيل منافع دنيوية، مستندًا إلى أحاديث وآثار نبوية تؤكد عاقبة من يفعل ذلك.
يروي عطاء الخرساني عن تغير حال العلماء بسبب بذل العلم للوصول إلى الدنيا، ويحذر من الاقتراب من أبواب السلاطين والظالمين لما فيها من الفتن والعذاب.
يتحدث النص عن خطورة تزلف العلماء للظالمين والفاسدين، ويستشهد بمحمد بن الحسين الآجري الذي عبر عن مخاوفه من فتن الدنيا على العلماء.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «أخلاق العلماء» للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع والعشرين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتاب «أخلاق العلماء»: قال: أخبرنا أبو بكر، وهو الآجري رحمه الله نفسه، قال: أنبأنا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني. وأحمد بن سهل الأشناني تقدم أنه أحد الثقات من مشايخه رحمه الله، قال: أنبأنا بشر بن الوليد، وهو الكندي أبو الوليد، وتقدم كذلك، قال رحمه الله تعالى: هو أحد الثقات، قال: أنبأنا فليح بن سليمان. وفليح بن سليمان صدوق كثير الخطأ، أخرج له في الصحيحين، ولكن الصحيح أن أهل الصحيحين انتقوا من أحاديثه، فهو وإن ترجم له بأنه مقبول في بعض التراجم، إلا أنه انتقى من أحاديثه في الصحيحين. وهذا من المواطن التي يخطئ فيها الكثير من الناس، فإذا رأى رجلًا من رجال الصحيحين قال: هو على شرط الصحيحين، والأمر ليس كذلك، فليس كل من في الصحيحين حديثه مقبول مطلقًا، فبعض رجال الصحيحين انتقى أهل الصحيحين من أحاديثه ما كان يختلف عن سائر حديث الآخر. ولذلك كان شيخنا رحمه الله يقول: إن حديثه لا يرتقي إلى الحسن خارج الصحيحين. شيخنا مقبل رحمه الله كان يرى أن فليح بن سليمان - وهو الخزاعي المدني أبو يحيى - حديثه لا يرتقي إلى الحسن خارج الصحيحين؛ لأنه يخطئ كثيرًا، وهذا الحديث مما أخطأ فيه رحمه الله. قال: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، وهو أبو طوال المدني أحد الثقات، قال: عن سعيد بن يسار. وسعيد بن يسار أبو الحباب المدني كذلك، يروي عن كثير من الصحابة، كذلك أحد الثقات، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. عرفان يعني رائحة. ولذا جاء في رواية: عرف، وفي رواية: رائحة. والحديث يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، ومنها في «صحيح الجامع»، لأن فليح بن سليمان عنده حسن الحديث، أخرج له في الصحيح، ولكن على قاعدة شيخنا رحمه الله: الحديث ليس بحسن، بل ضعيف؛ لأن فليح بن سليمان لا يرتقي إلى الحسن خارج الصحيح؛ لأن أهل الصحيح إنما انتقوا له. ولكن هناك شيء آخر، وهو أن الحفاظ نصوا في هذا الحديث بأنه معل مرفوعًا، والصواب فيه الوقف على أبي هريرة رضي الله عنه، كما ذكر ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه وعن أبي زرعة. ولهذا ذكره شيخنا رحمه الله بأحاديث معلّة، أي: هذا الحديث لا يصح مرفوعًا، ولكن يصح موقوفًا. ولكن كذلك كونه صح موقوفًا، قال بعض أهل العلم: إن مثل هذا لا يقال بالرأي، فهو من الموقوف الذي له حكم الرفع. من الموقوف الذي له حكم الرفع، فبعض الموقوف له حكم الرفع إذا كان مما لا يقال بالرأي، وهذا منه. فإذا من حيث الإسناد لم يصح مرفوعًا، ولكن صح موقوفًا، وفي هذا خلاف كما سمعتم. وكذلك كونه صح موقوفًا لا يعني أنه لا يصح معناه مرفوعًا؛ لأنه من الموقوف الذي له حكم الرفع، وهذا قول بعض أهل العلم، وهو الصحيح والله أعلم. والشاهد من صفات العلماء: العمل بالعلم وعدم إرادة الدنيا، ومن فعل غير ذلك استحق النار؛ لحديث الموقوف الذي له حكم الرفع: ﴿مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُؤْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ﴾ أي: علمًا دينيًا، ﴿لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا﴾ مثل: المال، المنصب، الوجاهة، القرب من أهل الدنيا، ونحو ذلك، ﴿لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ﴾ أي: رائحة الجنة يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر، وهو الآجري رحمه الله نفسه، قال: أنبأنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد. وقد تقدم كذلك معنا أنه أحد الثقات من مشايخه رحمه الله، قال: أنبأنا شعيب بن أيوب، وهو الواسطي، صدوق يدلس، قال: أنبأنا عبد الله بن نمير، وهو الهمداني الحافظ الثقة المشهور، قال: أنبأنا معاوية النصري. ومعاوية النصري هو ابن سلمة أو سلمة الكوفي كما أشار، وهو من رجال التقريب، ترجم له الحافظ بأنه مقبول؛ يعني في الشواهد. قال: عن الضحاك، وهو ابن مزاحم الإمام المشهور الهلالي، قال: عن الأسود بن يزيد، وهو النخعي أبو عمرو، أحد الأئمة المشهورين، قال: غير شعبة وعلقمة. ولم أرَ شعيبًا ذكر علقمة. والمعنى أن الإسناد روي بذكر علقمة وروي بحذف علقمة، فشعيب ذكر علقمة وغيره لم يذكر علقمة؛ يعني في الإسناد. قال: ولم أرَ شعيبًا ذكر علقمة؛ يعني غير شعيب ذكر، وشعيب لم يذكر، قال: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله، سادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم، فهانوا على أهلها. سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ هُمُومُ أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يَبَالِ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ». وهذا الحديث بهذا الإسناد فيه ضعف، لكن معنى الحديث صحيح؛ لأنه روي من أوجه أخرى، فقد جاء من حديث أنس - رحمه الله - عند الترمذي وغيره بإسناد صحيح، وذكره شيخنا مقبل رحمه الله في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». بمعنى: والشاهد منه أنه فيه أن من علامات أهل الدنيا أنه يجعل همه فيها، ومن كان همه فيها شغله الله بما هو فيه. وأهل العلم لا ينبغي أن يشغلوا علمهم لأجل الدنيا، وليس معناه أن يأخذ منها ما يعينهم في دينهم ودنياهم؛ فإن ذلك مما أذن الله عز وجل به، بل أمر الله عز وجل به، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى». وما من نبي إلا وكانت له مهنة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «حَتَّى أَنَا رَعَيْتُ الْغَنَمَ لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى قَرَارِيطَ» أو قال: «قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ»؛ يعني شيء يسير في ذلك الزمان لأهل مكة. وهكذا كان الصحابة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فالتعيش للكفاف وعفة النفس مطلب شرعي، لكن المقصود أن لا يبيع آخرته لأجل الدنيا، هذا هو المذموم، وهذا الذي جاء معناه في عدة أحاديث وآثار، وهذا منه، ويفسره أثر ابن مسعود؛ لأنه قال قبله: «إن أهل العلم كانوا من قبل يصونون العلم، ثم لما بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من الدنيا». ومعناه أنهم أهانوا العلم. إهانة العلم قد تكون بعدم العمل به، قد تكون ببيعه لأجل الوصول إلى الدنيا: كراسي، مناصب، وجاهة، مال، أي شيء من متاع الدنيا الزائل، فإن هذا إهانة للعلم. فلا ينبغي لحامل العلم أن يهين العلم بتعريضه للدناءة. ومن الدناءة المسألة. ولهذا شيخنا رحمه الله لما بلغه أن بعض من ينتسب إلى العلم ذهب ليسأل، أخرج كتابه «ذم المسألة»، وأورد فيها الأحاديث والآثار في هذا الباب. فلا ينبغي لحامل العلم أن يهين العلم بأي صفة من الصفات. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر، هو الآجري رحمه الله نفسه، قال: أنبأنا عمر بن أيوب السقطي. تقدم معنا أنه من مشايخه الثقات، قال: أنبأنا الحسن بن حمد الكوفي، وهو أبو علي الوراق، أحد الثقات كذلك من رجال التقريب، قال: أنبأنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة، أحد الثقات، وهو من رجال مسلم، قال: عن عيسى بن سنان. وعيسى بن سنان أبو سنان القسملي، وهو كذلك من رجال التقريب، إلا أنه لين الحديث، قال: سمعت وهب بن منبه يقول لعطاء الخرساني: «كَانَ الْعُلَمَاءُ قَبْلُ أَنْ يَسْتَغْنُوا بِعِلْمِهِمْ عَنْ دُنْيَا غَيْرِهِمْ، فَكَانُوا لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى دُنْيَاهُمْ، فَكَانَ أَهْلُ الدُّنْيَا يَبْذُلُونَ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ رَغْبَةً فِي عِلْمِهِمْ، فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ الْيَوْمِ يَبْذُلُونَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا عِلْمَهُمْ رَغْبَةً فِي دُنْيَاهُمْ، فَأَصْبَحَ أَهْلُ الدُّنْيَا قَدْ زَهِدُوا فِي عِلْمِهِمْ لَمَّا رَأَوْا مِنْ سُوءِ مَوْضِعِهِ عِنْدَهُمْ، فَإِيَّاكَ وَأَبْوَابَ الصُلَّاطِينِ، فَإِنَّ عِنْدَ أَبْوَابِهِمْ فِتَنًا كَمَبَارِكِ الْإِبِلِ، لَا تُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابُوا مِنْ دِينِكَ مِثْلَهُ». وهذا الأثر عن عطاء الخرساني رحمه الله يحكي عن أهل زمانه، فكيف بزماننا؟ فيحذر من أن يسلك العالم مسلكًا فيه إهانة للعلم، وذلك بأن يبذله ليصل إلى الدنيا. وهكذا كذلك هي سنة الله سبحانه وتعالى: إذا أقبل العبد على الله وجعل همه لله، وفقه الله وجعل الدنيا تأتيه وهي راغمة. وإذا جرى خلف الدنيا هربت منه، ولم يأتِ من الدنيا إلا ما كتب له. فالذين أهانوا العلم هانوا عند من أهانوا العلم عندهم، والذين لم يهينوا العلم وتمسكوا بما علموا من دين الله عز وجل وتعففوا، جاءهم أهل الدنيا. وهذا هو الواقع: أهل الدنيا إذا رأوا العالم ثابتًا على ما علم من دين الله عز وجل، لا يخاف الله لومة لائم، ولا يتلون بتلون من حوله، فإنهم يحترمونه ويجلونه، يعلمون أنه صاحب دين. أما هذا الذي يجامل، فإنه يتلون؛ لأنه يريد أن يرضي الناس ليصل إلى ما في أيديهم. وهذا هو حال من يأتي السلاطين كما ذكر رحمه الله، فإنه يفتتن؛ لأنهم لا يعطونك شيئًا من الدنيا إلا أخذوا من دينك مثله، أخذوا من دينك مثله. فهم يريدونك أن تظهرهم بصورة جميلة بإسم الدين، فتارة يريدون منك فتوى، وتارة يريدونك فقط أن تحضر معهم لتزين مجالسهم؛ لأن مجالسهم لا تخلو من أناس متدينين، لأجل يثق بهم من عنده دين، فتكون مدعاة لإهانة العلم والدين، فيصير ما عليه هؤلاء من الظلم ومن الضلال ومن الفساد مغطى بغطاء الدين، من الذي يغطيه؟ هذا الذي يتزلف إليهم فيستخدم. وهذا هو معنى ما أعطوك شيئًا من الدنيا إلا أخذوا مثله من دينك، فأنت تكون عونًا لهؤلاء في ظلمهم وفي فسادهم وفي غير ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم صح عنه التحذير من إعانة الظالم على ظلمه. ولما ذكر بعض ما يكون قبل قيام الساعة، ومن ذلك أمراء السوء، حذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لهم شرطيًا أو جابيًا. لماذا؟ لأنك ستعين هؤلاء الظلمة على ظلمهم ما دمت تستخدم معهم في الظلم. فينبغي للإنسان أن يبتعد عن الظلم وعن الظالمين وعن الفاسدين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ماذا؟ ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾؛ لأن الركون إلى الظالمين سبب لأن تشاركهم في هذا الظلم، فينالك ما ينالهم. وقد يصيبك قبل ذلك عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَمَا﴾؟ ﴿دَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. دمر الله القرية التي فيها أهل الفساد مع من فيها، وربما من فيها ليسوا من أهل الفساد. لماذا؟ لأنهم لم ينكروا هذا الفساد. فكيف بمن شارك وخالط أهل الفساد؟ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا﴾ ماذا؟ ﴿مُصْلِحُونَ﴾. لا يكفي أن يكون صالحًا، بل لا بد أن يكون ماذا؟ مصلحًا. فإذا لم يكن هناك مصلح، فإنه يخشى من عذاب الله وعقابه. فكيف إذا كان متزلفًا مع الظالم والفاسد، والمتزلف معين ومعاون له ومزين لفساده وظلمه؟ والله المستعان. قال محمد بن الحسين، أي: الآجري رحمه الله: «فإذا كان يخاف على العلماء في ذلك الزمان أن تفتنهم الدنيا، فما ظنك به في زماننا هذا؟ الله المستعان، ما أعظم ما قد حل بالعلماء من الفتن، وهم عنها في غفلة. نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، وأن يحفظنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن». إلى هنا إن شاء الله.