طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 87

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 87

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 87، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

انتقاد ابن القيم للفِرَق المخطئة في فهم العلل والأحكام

ابن القيم ينتقد فريقين في التعامل مع العلل والأحكام، الأول ينكرها ويعتبرها اتفاقية، والثاني يثبتها بمنطق اعتيادي غير مقصود. كلا الفريقين يجانب الصواب في فهم حكمة الله وراء الأحكام الشرعية.

نقد مذهب الجبرية وبيان تناقضاته

يناقش المقطع مذهب الجبرية الذي ينفي الحكمة عن أفعال الله، ويبين تناقضهم في الاستدلال على علم الله. نفي الحكمة عن أفعال الله يؤدي إلى نفي الحمد عنه، وتناقض مع إخبار الله عن نفسه بالقصد والعدل.

موقف أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات الإلهية

أهل السنة أثبتوا الحق ونفوا الباطل باتباعهم أدلة الكتاب والسنة التي توافق العقول الصحيحة والفطر السليمة. تم انتقاد الفرق الضالة لعدم إثباتها صفات الله تعالى بشكل صحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «قالوا وأبطلوا مسميات هذه الأسماء جملة، وقالوا: إنما في الشريعة من المصالح والحكم لم يشرع الرب سبحانه ما شرع من الأحكام لأجلها، بل اتفق اقترانها بأمر اتفاقيا، كما قالوا نظير ذلك في المخلوقات سواء، والعلل عندهم أمارات محضة لمجرد الاقتران الاتفاقي». ومعنى الاقتران الاتفاقي كما مر معنا، يعني وقع بشيء من الصدفة، ليس لله عز وجل فيه إرادة، فضلا أن يكون له مصلحة وحكمة. ولا شك أن هذا باطل، بل كفر، فما من شيء يكون في ملك الله عز وجل إلا بإذنه وبأمره ومشيئته، بل وبعظيم حكمته، الخير والشر سواء. قال رحمه الله: «وهما فريقان، أحدهما لا يعرجون على المناسبات، ولا يثبتون العلل بها البتة، وإنما يعتمدون على تأثير العلة بنص أو إجماع، فإن فقدوا فازعوا إلى الأقيسة الشبهية». والمعنى أن فريقًا منهم لا يلتفتون إلى ما جاء النص فيه بالعلل، ولا كذلك ما عرجت عليه النصوص أو أشارت إليه، فهم ينفون العلل والأحكام. حتى لو أثبتوها بالنص والإجماع -كما ذكر- فهم يثبتونها ناقصة. يثبتونها ناقصة، كقول الشاعرة مثلًا: «إن كسر الزجاج عند الحجر لا بالحجر»، يقولون: «إن كسر الزجاج عند الحجر لا بالحجر»، لماذا؟ لأنهم لا يريدون أن يثبتوا وجود الانكسار بشيء، فيكون ذلك مما فيه إثبات معنى العلل، وغير ذلك من الأمور الأخرى. فهم إن زعموا أنهم يثبتون علة، يثبتونها ناقصة وقاصرة. «وقولوا: فإن فقدوا فزعوا إلى الأقيسة والشبهية»، يعني أنهم يستخدمون أكثر شيء القياسات، سواء في بطال العلل والحكم، أو كذلك ما يدعون فيه علة وحكمة، ولكنها في الحقيقة فيما يوافق ما يريدون مما يخالف الشرع. فهم اعتقدوا أولًا ثم استدلوا ثانيًا، والواجب أن يستدلوا ثم يعتقدوا. قال: «والفريق الثاني أصلحوا المذهب بعض الإصلاح، وقربوه بعض الشيء، وأزالوا تلك النفرة عنه، فأثبتوا الأحكام بالعلل، والعلل بالمناسبات والمصالح، ولم يمكنهم الكلام في الفقه إلا بذلك». لأن الذي ينفي العلل والمصالح والمناسبات لا يستطيع أن يتكلم في الفقه، فمسائل الفقه الكثيرة متعلقة بعللها وحكمها. فلذلك -كما ذكر- وجدوا أن كلامهم في الفقه يلزمهم أن يثبتوا ما هو معناه، ومثله في العقائد. ولكن كذلك كان هذا فيه شيء من القصور والنقص، لأنهم اعتقدوا أولًا ثم ذهبوا يستدلوا ثانيًا. قال رحمه الله: «ولكن جعلوا اقتران أحكام تلك العلل والمناسبات بها اقترانًا عاديًا غير مقصود في نفسه». ومعنى عاديًا، يعني جرى العادة به، لا يقولون مثل ما قال الأولون صدفة، لكن يقولون جرى العادة به. فكل شيء يذكر لهم يقولون: «جرى العادة به»، ويأبون أن يثبتوا أن لهذا علة، لأنهم في باب القدر ماذا؟ جبرية، لأنهم في باب القدر جبرية. قال: «ولكن جعلوا اقتران أحكام تلك العلل والمناسبات بها اقترانًا عاديًا غير مقصود في نفسه، والعلل والمناسبات ويأبون أن يثبتوا أمارات ذلك الاقتران، فجعلوا العلل والأمارات علامات ذلك الاقتران». هذا مثل ما تقدم، يقولون: «انكسر الزجاج عند الحجر»، يعني وجود الانكسار بالحجر عادة، وجود الانكسار بالحجر عادة، وليس علة، ووقوع الانكسار بالحجر علامة هذا الاقتران، ليس سببًا، وإنما علامة مثل ما ذكر رحمه الله. قال رحمه الله: «وهؤلاء يستدلون على إثبات علم الرب تعالى بما في مخلوقاته من الإحكام والإتقان والمصالح، وهذا تناقض بين منهم، فإن ذلك إنما يدل إذا كان الفاعل يقصد أن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأجل الحكمة المطلوبة منه». وأما من لم يفعل لأجل ذلك الإحكام والإتقان، وإنما اتفق اقترانه بمفعولاته عادة، فإن ذلك الفعل لا يدل على العلم. ففي أفعال الحيوانات من الإحكام والإتقان والحكم ما هو معروف لمن تأمله، ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة لها، لم تدل على علمها. والمقصود أن هؤلاء إذا قالوا: «إنه تعالى لا يفعل لحكمة»، امتنع عندهم أن يكون الإحكام دليلًا على العلم. وأيضًا والمعنى أن الذي يثبت العلم لله عز وجل -وهم الجبرية- يلزمهم أن يثبتوا الحكمة لله عز وجل، لأن العلم لا يكون إلا بحكمة. قال: «وأيضًا فعلى قوله، وامتنع أن يحمد على ما فعله، لأن ما حصل للعباد من نفع، فهو سبحانه لم يقصد بما خلقه نفعهم، ولا خلقه لنفعهم ومصالحهم، بل إنما أراد مجرد وجوده، لا لأجل كذا، ولا لنفع أحد، ولا لضرّه، فكيف يتصور في حق من يكون فعله كذلك حمد؟». فلا يحمد على فعل عدل، ولا على ترك ظلم، لأن الظلم عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل في المقدور، وذلك لا يمده أحد على تركه. وكل ما أمكن وجوده، فهو عندهم عدل، فالظلم مستحيل عندهم، إذ هو عبارة عن الممتنع المستحيل لذاته الذي لا يدخل تحت المقدور، ولا يتصور فيه ترك اختياري، فلا يتعلق به حمد. وإخباره تعالى عن نفسه بقيامه بالقصد حقيقته عندهم مجرد كونه فاعلًا، لا أن هناك شيئًا هو قصد في نفسه يمكن وجود ضده. وكذلك قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ نفي عنده لما هو مستحيل في نفسه، لا حقيقة له، كجعل الجسم في مكانين في آن واحد، وجعله موجودًا معدومًا في آن واحد، فهذا ونحوه عندهم هو الظلم الذي تنزه عنه. وكذلك قوله: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرمًا بينكم فلا تظالموا»، فالذي حرمه على نفسه هو المستحيل الممتنع لذاته، كالجمع بين النقيضين، وليس هناك ممكن يكون ظلمًا في نفسه وقد حرمه على نفسه. ومعلوم أنه لا يمدح الممدوح بترك ما لو أراده لم يقدر عليه. وأيضًا فإنه قال: «وجعلته محرمًا بينكم»، فالذي حرمه على نفسه الذي جعله محرمًا بين عباده، وهو الظلم المقدور الذي يستحق تاركه الحمد والثناء. والذي أوجب لهم هذا مناقبة القدري المجوسية، ورد أصولهم، هدم قواعدهم. ولكن ردوا باطلًا بباطل، وقابلوا بدعة ببدعة، وصلّطوا عليهم خصومهم بما التزموه من الباطل، فصارت الغلبة بينهم وبين خصومهم سجالًا، مرة يغلبون ومرة يغلبون، لم تستقر لهم نصرة. وإنما النصرة التامة لأهل السنة المحضة الذين لم يتحيزوا إلى فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلتزموا شيئًا غير ما جاء به، ولم يؤصلوا أصلًا ببدعة يصلطون عليهم به خصومهم، بل أصلهم ما دل عليه كتاب الله، وكلام رسوله، وشهدت به الفطر والعقول. خلاصة هذا الكلام أنه يشير رحمه الله إلى أن هؤلاء أثبتوا علمًا دون حكمة، وهذا يدل أن إثباتهم للعلم إثبات لعلم ناقص. صرح بذلك القدرية النفاة، وهم المجوسية القدرية المجوسية، كالمعتزلة والرافضة ومن وافقهم من فرق الباطنية، فيقولون: «إن الله عليم بلا علم»، عليم بلا علم. وإذا كان كذلك، فإذا علم إثباتهم للعلم ناقص. وهؤلاء هم الذين لا يثبتون لله حكمة حقيقية. زعم القدرية المجوسية أنهم يثبتون الحكمة، لكنها حكمة بمفهومهم الخاطئ، فأثبتوا حكمة في حصر قدرة الله في الخير دون الشر، وهذا من باب إثبات الخالقين، ولهذا شبه بالمجوسية. وفي مقابل هؤلاء القدرية الجبرية، وهم كذلك لم يثبتوا لله علمًا على ما يليق بجلال الله وعظمته، حتى لو قالوا: هي من الصفات المستثناة السبع، فإنها الصفات ناقصة قاصرة في حقيقة أمرها بالنسبة لهم. فمن لم يثبت لله حكمة، معناه لم يثبت لله علمًا كاملًا، ولهذا هم في الحقيقة يقيدون هذا العلم الذي لله سبحانه وتعالى. ولا أدل على ذلك حصرهم ذلك في باب القدر، فإنهم ينفون العلم والحكم عن الله عز وجل. ولهذا -كما قال رحمه الله- هم لا يثبتون حكمة، ولا يثبتون حمدًا كاملًا على ما يليق بالله. ثم مثل بالأمثلة الشرعية، فهم ينفون عن الله عز وجل الظلم، لكنهم ينفونه من باب المستحيل، لا من باب القدر. ولذلك فهم يجعلون أن الله لو أراده لم استطاعه، لو أراده لم استطاعه. ومن أثبت هذا في حق الله، أثبت إلهًا قاصرًا في ألوهيته وروهيته وأسمائه وصفاته. بل الله عدل لكماله، ولو أراد لفعل ما شاء بمن شاء بما يشاء، ولا أحد يستطيع أن يمنعه مما يريد سبحانه وتعالى. ولكن لكماله بربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته، فإنه لا يفعل إلا العدل. وهكذا كذلك، إذن سيكون تفسيرهم لمثل هذه الآيات: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ تفسيرًا ناقصًا. وهكذا كذلك: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي»، سيكون تفسيره ناقصًا، لأنهم جعلوا تفسيره من المحرم المستحيل الذي لا يمكن أن يقع من الله، ولو أراده لما استطاع. وهذا لا شك أنه ضلال عظيم. ثم ذكر السبب في وقوع الخطأ من الجبرية، أنهم أرادوا أن يردوا بدعة من المجوسية القدرية المجوسية، لما قال القدرية المجوسية: «أن الله يخلق الخير ولا يخلق الشر، وأن قدرة الله منحصلة في الخير». قابلوهم بالضد، فقالوا: «قدرة الله في الخير والشر معًا، ولكن دون حكمة»، لأجل أن يثبتوا قدرة كاملة كما زعموا، لأجل أن يثبتوا قدرة كاملة كما زعموا. وهذا -كما قال رحمه الله- رد الباطل بالباطل، والبدعة بالبدعة. ولهذا ما استدلوا به من الصواب، لا بد أن يكون معه خطأ، فيستدل الطرف الآخر بهذا الخطأ على ضلالهم، وهم استدلوا بهذا الضلال على ضلال الآخرين. وهكذا -كما قال رحمه الله- الأمر بينهم سجال، يغلبون ويغلبون، ولا يستقر لأحد نصره. لماذا؟ لأن كل طرف لم يثبت إلا بعض الصواب، وأثبت باطلًا وخطأ. وأما أهل السنة فأثبتوا كل حق، ونفوا كل باطل، لأنهم اتبعوا أدلة الكتاب والسنة التي توافق العقول الصحيحة والفطر السليمة. وسيأتي إيضاح ذلك أكثر إن شاء الله في الفصل الآتي وما بعده. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.