طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 116

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 116

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 116، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الطوائف الإسلامية وآرائها حول أفعال الله

يتناول آراء الطوائف الإسلامية حول أفعال الله، حيث تتنوع الآراء بين الجبرية والقدرية. الجبرية تنفي الغاية والحكمة بينما القدرية تثبتها لكن من دون صفة لله.

تفاوت ضلال أهل الباطل في نفي الصفات

يشرح تفاوت أهل الباطل في تعطيل صفات الله، بدءًا من الجهمية إلى الفلاسفة السينائية. هذا التعطيل يتدرج إلى الكفر ويزيد الضلال.

تنزيه الله وتأثير الفكر القدرية

يتناول مفهوم التنزيه عند القوم وكيف يتحول إلى تعطيل. الله ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله، ويخلق كل شيء بما في ذلك الخير والشر.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن صيغة للصلاة على النبي وآله وصحبه، ويعبر عن الامتنان بشكر مجمل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشهر أن يقدم لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمامون القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال رحمه الله: «وأصل الفريقان أنه لا يقوم بذاته حكمة ولا غاية يفعل لأجلها». ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: لا يفعل لغاية ولا لحكمة أصلا. وتكايست القدرية بعض التكايس، فقالت: يفعل لغاية وحكمة لا ترجع إليه ولا تقوم به، ولا يعود إليه منها وصف. والمعنى أنهم في باب القدر، منهم من نفى الغاية والحكم كالجبرية، وهم طوائف كثيرة كالأشاعرة والكلابية، وطوائف من المتصوفة والباطنية. وفي مقابلهم القدرية، نفاة كالمعتزلة، والشيعة والرافضة، وطوائف من الباطنية ينفون. الأولون، أي الجبرية، الغاية والحكم، والثانيون والفرق الأخرى يثبتونها، أي الحكمة والغاية، لكن من دون صفة. وهذا هو قوله: «لا ترجع إليه ولا تقوم به ولا يعود إليه منها وصف». وإذا كان كذلك، فهم يعطلون الصفة. وهذا مثل قولهم: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وهكذا كذلك حكيم بلا حكمة. قال رحمه الله: «أصل الفريقان أيضا أنه لا يقوم بذاته فعل البتة، بل فعله عين مفعوله». فعطلوا أفعاله القائمة به، وجعلوها نفس المخلوقات المشاهدة التي لا تقوم به. فلم يقم به عندهم فعل البتة. ووجه ذلك أنهم ضلوا، كلا الطائفتين، في باب مخلوقات الله، وفي خلق أفعال الله. فأثبتها بتحريف الجبرية، ونفاها القدرية. فالقدرية يثبتون لله فعل الخير وخلقه، وزعموا، تنزيها لله، ينفون عنه خلق الشر. والجبرية، لأنهم ينفون العلل والحكم، فإنهم يثبتون أفعالا لا يقع بها مخلوقات ومفعولات، ولكن كما يزعمون تقع عندها مخلوقات ومفعولات. فيقولون: إن كسر الزجاج عند الحجر، وليس بالحجر. والسبب أنهم لا يثبتون العلل والحكم. فهؤلاء عطلوا الله عز وجل عن أفعاله، كلا الطائفتين، وإن اختلفت طريقة التعطيل، لكن في النهاية كلاهما عطل الله عز وجل عن أفعاله. قال رحمه الله تعالى: «كما عطل غلاة الجهمية صفاته، فلم يثبتوا له صفة تقوم به وإن تناقضوا، وكما عطلت السينائية، أتباع ابن سيناء، ذاته، فلم يثبت له ذاتا زائدة على وجود مجرد لا يقارن ماهية ولا حقيقة». يريد أن يبين رحمه الله أن قوادح أهل الباطل يتفاوتون في الضلال، وكذلك يتدرجون في النفي والتعطيل. فمنهم من ينفي الأسماء والصفات جميعا كالجهمية، ومنهم من ينفي بعض الأسماء والصفات كالمعتزلة والأشاعرة والكلابية. ومنهم من ينفي كل الأسماء والصفات، بل والذات، كالسينائية، أي الفلاسفة، أتباع ابن سيناء. فهم لم يثبتوا لله ذاتا زائدة على الوجود. والمعنى: لا يقولون أن لله ذاتا كالذوات، فيثبتون ذاتا فيها معنى مجرد لا يقارن ماهية ولا حقيقة. يعني زعموا تنزيها لله، فهم يثبتون ذاتا معطلة عن معنى الذوات. وهذا معناه أنهم عطلوا وجود حتى الذات، فزعموا أن إثبات ذات لا كالذوات من التخييل الذي لا بد منه. وزعموا أن هذا تنزيها لله أن لا يشابه المخلوقين. وهذا كذلك أعظم تعطيلا من تعطيل الجهمية، كما أن الجهمية تعطيلهم أعظم من تعطيل المعتزلة، والمعتزلة تعطيلهم أعظم من تعطيل الكلابية والأشاعرة والماتريدية. وهكذا ظلمات بعضها فوق بعض. لأجل أن نعلم أن الضلال إذا تدرج أوصل إلى غاية الكفر. وحتى من أثبت بعض هذه الصفات، أثبتها ناقصة قاصرة. أثبتها ناقصة قاصرة، لأن التوحيد كما تقدم معنا، أبوابه متلازمة ومترابطة. فمن لم يثبت شيئا لزمه أن ينفي ما هو بمعناه مما يستلزمه ويرتبط به. فهؤلاء الذين أثبتوا الصفات لا كالصفات، كما زعموا، ينفون أصل الصفة، ويثبتون الأسماء. كالمعتزلة، نهاية أمرهم أنهم وافقوا الجهمية في نفي الصفات. بل حتى الأسماء التي أثبتوها ونفاها الجهمية، هي أسماء مجردة عن الصفات. فإذا النهاية اتفق الجميع على التعطيل. قال رحمه الله: «الصلاة الجبرية أنه تعالى لا ينزه عن فعل مقدور يكون قبيحا بالنسبة إليه، بل كل مقدور فهو جائز عليه، وإن علم عدم فعله، فبالسمع، وإلا فالعقل يقضي بجوازه عليه. فلا ينزه عن ممكن مقدور إلا ما دل عليه السمع، فيكون تنزيه عنه لا لقبحه في نفسه، بل لأن وقوعه يتضمن الخلف في خبره وخبر رسوله، ووقوع الأمر على خلاف علمه ومشيئته. فهذا حقيقة التنزيه عند القوم، فصار تنزيههم تعطيلا. تنزيههم تعطيل». فما أثبتوه من الحكم، زعما منهم حتى لا يخالف السمع -يعني النصوص الشرعية- فهو إثبات ناقص وقاصر ومعطل. كما تقدم معنى أنهم يثبتون ألفاظا لا معاني لها. قال رحمه الله: «الصلاة القدرية أن ما يحسن من عبادي يحسن منه، وما يقبح منهم يقبح منه، مع تناقضهم في ذلك غاية التناقض». وهذا ليس بصحيح، لأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله. المخلوق هو الذي يحسن ويقبح منه ما يليق بمخلوقيته، وليس الأمر كذلك بالنسبة لله عز وجل. المخلوق يعاتب ويؤاخذ على خلق وفعل الشر، وليس الأمر كذلك بالنسبة لله سبحانه وتعالى. لأن الله سبحانه وتعالى الذي له كل شيء، وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علما وقدرة. من كمال ربوبيته وألوهيته أنه هو خالق كل شيء، وأنه كذلك لا أحد يخلق معه شيئا، وهو خالق الخير وخالق الشر وخالق المخلوقات كلها. ومن زعم أن الله يخلق الخير، وغيره يخلق الشر، جعل مع الله إلها آخر. وخلقه للشر كما تقدم معنى لا يستلزم حبه له. ومن استلزم ذلك آسى الخالق بالمخلوق، كالقدرية النفاة. وهذا من أسباب ضلالهم وتعطيلهم لما ثبتت به الأدلة في هذا الباب. قال رحمه الله: «فاقتضت هذه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة فروعا ولوازما كثيرة في نسقها كثيرة أو كثر». وهذا هو الصواب. منها مخالف لصريح العقل وللسليم الفطر، كما هو مخالف لما أخبرت به الرسل عن الله. فجعل أرباب هذه القواعد والأصول قواعدهم وأصولهم محكمة، وما جاء به الرسول متشابها. والمعنى أنهم قدموا العقل على الشرع. فما ظنوه صوابا جعلوه الأصل، وما جاء في الشرع جعلوه المشتبه المحتمل الذي يجب أن يؤول ويحرف، زعما منهم للعدل الذي اقتضته عقولهم. وما علموا أن ما اقتضته عقولهم هو الخطأ والضلال، لأنه عارض النصوص الصريحة التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة. فالواجب امرار ما جاء في أدلة الكتاب والسنة، وما أشكل رد متشابه إلى محكمه، وبذلك يزول الإشكال. وهذه هي طريقة أهل السنة والجماعة. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرا.