الخطبة بعنوان مسؤوليتنا في تربية أبنائنا، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 20 جمادى الآخر 1444هـ الموافق 13 يناير 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب على الآباء والأمهات الاهتمام بتربية أبنائهم ورعايتهم، لأن إهمال هذه المسؤولية يؤدي إلى فساد المجتمع. جاءت نصوص كثيرة في الشريعة تأمر بأداء هذه الأمانة.
يجب على المجتمع حماية الأبناء من مظاهر الفساد والمواقع المفسدة، والتربية الصحيحة والعقيدة السليمة هي أساس بناء جيل قوي. الوالدين وأولياء الأمور عليهم توجيه أبنائهم إلى المنهج الصحيح.
اتباع منهج الأنبياء والصالحين في تربية الأبناء، ودور الآباء في توجيههم وتعليمهم القرآن والسنة، ومراقبة رفقائهم ووسائلهم الحديثة، وتطبيق السن الشرعي في التربية هي وسائل لصلاح الأبناء.
المقطع يتضمن دعاء لله لإصلاح حال المسلمين، مع التركيز على بعض البلدان التي تعاني من الاضطرابات، ويختم بالحمد لله والصلاة على النبي محمد.
مسؤوليتنا في تربية أبنائنا، إن لم تقم يا أيها الأب ويا أيتها الأم ويا أرباب المسؤوليات والأمانات في المدارس والجامعات، وفي سائر دور الرعاية، إذا لم يقم الجميع بواجبه، فإن أبنائنا سيسرقون من أوساطنا، تسرق عقولهم وتسرق أخلاقهم، فينحرفون عن الصراط المستقيم والدين القوي الذي به قوتهم وقوة مجتمعاتهم. وهذا هو الواقع، إن الكثير ممن نراه بالمجتمع من فساد وانحراف وجيل تافه ساقط في أنواع الظلمات وأنواع الرذائل، ذلك إلا قليل من كثير من آثار سرقة أعدائنا للعقول وأخلاق أبنائنا وفلذات أكبادنا، ولتفريط الكثير من الآباء والأمهات وأرباب المسؤوليات جانب هذه الأمانة العظيمة التي سيسألنا الله عز وجل عنها. الوسائل الحديثة من الجوالات وغيرها، فإنها من أعظم المفسدات، وهم كذلك جلساء، فإذا لم يراعي الآباء والأمهات مثل هذا الباب، ربما دخل الشر إلى بيتك وبين أولادك وأنت لا تشعر. فالواجب على الجميع الاعتناء بهذا الباب، تصفيته وتنقيته ومراقبته ومتابعته ورعايته، كما أمرنا الله عز وجل وأمرنا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ العشرين من شهر جماد الآخر لعام ألف وأربعمائة وأربعة وأربعين من الهجرة النبوية. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأوامر كثيرة في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله وغليله نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، أوامر يكون بها صلاح العباد في أنفسهم وأهاليهم ومجتمعاتهم. هذه الأوامر التي أمر بها والتشريعات التي شرعها، إنما أراد بذلك سبحانه أن يكون بذلك صلاح هذا الإنسان في نفسه وأهله ومجتمعه، في عاجل أمره وآجله. ومن هذه الأوامر العظيمة والواجبات الجليلة التي أمر الله عز وجل بها، لعظيم نفعها وكبير أثرها في نفس الإنسان وأهله ومجتمعه، أمر الله عز وجل بالاعتناء بتربية الأبناء. الأبناء أيها الآباء والأمهات أمانة عظيمة جعلها الله عز وجل في أعناقنا، ولذلك كان السؤال عنه سؤالا عظيما يسأل عنه الإنسان يوم القيامة. ومن أعظم ما أمر الله عز وجل به في هذا الباب، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، أي يجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية فيما استرعاكم الله عز وجل من رعاية في هؤلاء الأهل والأبناء. إنها أمانة عظيمة ستسأل عنها يا أيها الأب ويا أيتها الأم، بل سيُسأل عن ذلك المجتمع بأسره. مهمة تربية الأبناء مهمة عظيمة ومسؤولية كبيرة، لا تقف عند الأسرة من الآباء والأمهات، ومن فوقهم من الجدات والأجداد، ومن حولهم من الحواشي من الإخوة والأعمام، بل إن المسؤولية تتعدى ذلك، تتعدى إلى كل من له رعاية ومسؤولية في المجتمع. فأولاة الأمر لهم أمانة ومسؤولية في الاعتناء بتربية أبناء المسلمين ورعايتهم الرعاية الشرعية الصحيحة التي يكون بها حفظهم وصيانتهم وتوجيههم لما ينفعهم وينفع مجتمعاتهم. تبدأ الرعاية من ولي الأمر العام، ثم من دونه فمن دونه، حتى تأتي إلى المدارس والجامعات، وإلى سائر من له رعاية ومسؤولية في المجتمع، صغيرة كانت أو كبيرة. ففي أعناقنا جميعا أيها المسلمون أمانة عظيمة مع تربية أبنائنا وبناتنا. ويزداد الأمر خطورة ومسؤولية في هذا العصر، عصر الفضائيات والقنوات وما تحمله من أنواع الغزو الذي غزي به أهل الإسلام، بل غزيت به دول العالم بأسره، أنواع كثيرة من الثقافات المنحرفة والأخلاق الساقطة والعقائد الضالة، وغير ذلك مما كان كفيلا في إفساد المجتمعات، إن لم يقم الجميع بواجبهم تجاه أبنائهم وفلذات أكبادهم الذين هم قوام هذا المجتمع. ولهذا عباد الله، جاءت النصوص الكثيرة في الأمر بأداء هذه الأمانة ورعايتها. عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديثه: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه»، أي ما يكون من اعتنائهم ورعايتهم وقيامهم بواجبهم الذي يجب في هذا المقام، أو ما يكون من انحرافهم وضلالهم وإهمالهم وغفلتهم. فإنك إن لم تقم يا أيها الأب ويا أيتها الأم ويا أرباب المسؤوليات والأمانات في المدارس والجامعات، وفي سائر دور الرعاية، إذا لم يقم الجميع بواجبه، فإن أبناءنا سيسرقون من أوساطنا، تسرق عقولهم وتسرق أخلاقهم، فينحرفون عن الصراط المستقيم والدين القويم الذي به قوتهم وقوة مجتمعاتهم. وهذا هو الواقع، إن الكثير ممن نراه بالمجتمع من فساد وانحراف وجيل تافه ساقط في أنواع الظلمات وأنواع الرذائل، ما ذلك إلا قليل من كثير من آثار سرقة أعدائنا للعقول وأخلاق أبنائنا وفلذات أكبادنا، ولتفريط الكثير من الآباء والأمهات وأرباب المسؤوليات جانب هذه الأمانة العظيمة التي سيسألنا الله عز وجل عنها. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلكم راعي وكلكم مسؤول عن رعيته»، ثم ذكر ولي الأمر ورعايته ومسؤوليته، إلى أن قال: «والرجل راعي في أهل بيته مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، ألا كلكم راعي وكلكم مسؤول عن رعيته». فالله سائلنا عما استرعانا الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك أمر أبنائنا وفلذات أكبادنا. هذه الرعاية التي توجب استمرار متابعة ومراقبة وتوجيه ونصح، حتى يستمر فلذات الأكباد في السير الصحيح على الدين القويم والصراط المستقيم الذي أمرنا الله عز وجل به. ومن أعظم أسباب صلاحهم، قيام الوالدين وأرباب المسؤوليات بما يجب أن يجب من الرعاية والتوجيه والتعليم والنصح في كل موضع بحسبه، حتى تبنى الأجيال كما يبنى ويشيد البنيان. فبناء الأجيال أيها المسلمون والمسلمات، أعظم من تشييد الأوطان بأنواع البنيان، لأن بناء الأجيال بناء أمة قوية، قوتها تكمن بقوة أفرادها، وضعفها يكمن بضعف أفرادها. ماذا عسانا أن ننتفع بجيوش خاوية، عقولهم تميل إلى الشرق والغرب، وقلوبهم ساقطة بأنواع الرذائل والمستقبحات، عندهم من الشرور والغفلة والسقوط ما لا يمكن معه أن يحموا بلادا أو عبادا؟ ماذا عسانا أن ننتفع من شباب عنده من القوة ما عنده، لكنه صب القوة ضد أهل بلده ووطنه وأهل دينه وعقيدته، بسبب انحراف أفكاره وضلال منهجه، صار مع الأفكار المنحرفة والدعوات الضالة، صار معول هدم على المجتمع. إما تجده مشرقا أو مغربا، فيكون خائنا من الخائنين، يبيع وطنه وعقيدته، يبيع دينه وأمته لأجل حفنة من الدنيا، ولعاعة من لعاعاتها، أو يكون ذيلا من أذيال الكافرين والمنافقين، أو آخر غذي بالأفكار المنحرفة، فلا يرى إلا الغل والحقد على العلماء والأمراء، فيفجرها هنا ويفسد هناك، فيكون من أعظم معاول الهدم بالمجتمع والتخريب والإفساد، بما كان من سرقة عقله وعقيدته ودينه، فصار ضحية الأفكار المنحرفة والفرق الضالة. أيها المسلمون والمسلمات، يا من استرعاكم الله عز وجل هذه الرعية، يجب على الجميع أن يقوم بهذه الأمانة، ابتداء من ولي الأمر، وما يكون من توجيه المناهج الصحيحة في المدارس والجامعات، مناهج صافية نقية، تبث العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والمنهج المستقيم الذي يعين المجتمع بأسره، صغارا وكبارا، على أن يسير على الدين القويم والصراط المستقيم، بعيدا عن جفاء الجافين وتفريط المفرطين، الوسط الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، هذه الوسطية التي تأتي من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمعايير الشرعية والضوابط المرعية، ليس بالأهواء والعواطف، ولا بالآراء والاستحسانات. وعند ذلك لا تسأل عن الخير الذي تجده بعد ذلك في أفراد المجتمع، وقوامه. فينشأ جيلا قويا شجاعا صامدا ثابتا على ثوابت الحق، وفي وجه كل باطل، قوته أعظم من قوة الجبال الراسيات، حين يربى أبناؤنا وفلذات أكبادنا من الصغر على العقيدة الصحيحة وعلى المنهج الصحيح. يكون عندهم من القوة والشجاعة والثبات ما هو أعظم من الجبال الراسيات. اسمع إلى حديث عبد الله بن عباس كيف علمه النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». تأمل مثل هذه الوصية، حين تختلط بدمه وعروقه وتستقر في قلبه، كيف تكون قوة عقيدته؟ وكيف تكون شجاعته وثباته؟ وكيف تكون استقامته وصلابته؟ كل هذا بفضل الله سبحانه وتعالى، وبفضل هذه التربية الصحيحة على العقيدة الصحيحة وعلى الدين القويم والصراط المستقيم. وهكذا كذلك أيها المسلمون والمسلمات، من أعظم أسباب صلاحهم، الاعتناء بإبعاد أسباب الفساد، من الرفقة السيئة، سواء كانت حسية أو معنوية. فتجرد المجتمعات من رفقاء السوء وأسباب السوء، تصفى وسائل الإعلام من تلك المغريات والشهوات التي أفسدت أبناءنا وفلذات أكبادنا. تصفى وسائل الإعلام بأنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة، من تلك الرذائل والفساد والانحراف الذي طغى فيها. يصفى المجتمع من مظاهر الفساد الكثيرة التي كانت سببا في سرقة عقول وعقيدة وأخلاق أبنائنا وفلذات أكبادنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن بإسناد حسن: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فالذي يخالل رفيق السوء سيكون مثله، والذي يخالل رفيق الخير والبر والتقوى والشجاعة والقوة والعقيدة والاستقامة، فيكون مثله. وهكذا كذلك وسائل التواصل التي حوت الشرور الكثيرة، تصفى وتنقى. لا بد أن تكون هناك رعاية ومتابعة ورقابة. وهكذا كذلك تفتيش وحجب للمواقع المفسدة. وللأسف نجد في هذه السنوات الأخيرة، ما علمه الكثير من المسؤولين، صارت المواقع الفاسدة والإباحية وغيرها مفتوحة، لا رقابة ولا حجب ولا غير ذلك. كيف بالله عليكم نحفظ أبناءنا وفلذات أكبادنا؟ أين أهل الإعلام؟ أين أهل الرقابة؟ ألم يعلم الجميع أن غزو المجتمعات بمثل هذه المواقع المفسدة التي تسرق أخلاق أبنائنا وفلذات أكبادنا، أثرها أعظم من أثر المخدرات والمسكرات؟ إنه الغزو الذي يسرق أبناءنا وفلذات أكبادنا، فيصفقهم في الحضيض. ولهذا تجد من أعظم ما يستخدمه أعداء هذا الدين، بل الأعداء فيما بينهم، إفساد المجتمعات بمثل هذه المواقع الساقطة الهابطة، حتى يتوجه الكثير من الشباب إلى هذا السقوط والانحراف. فعند ذلك لا تسأل عن الشر والضعف والهوان الذي يكون بالمجتمع، بضعف هؤلاء في المجتمع. فلذلك الواجب على الجميع من المسؤولين وغيرهم، حماية المجتمع وحماية الأبناء مما يضرهم من المواقع الساقطة والقنوات الهابطة، وغير ذلك مما لا يخفى على العقلاء. فإن هذا من أعظم الأسباب التي تعين على حفظ أبنائنا وفلذات أكبادنا. وهكذا كذلك عباد الله، من هذه الأسباب الدعاء بلسان الحال والمقال في إصلاح أبنائنا وفلذات أكبادنا. فإن هذا منهج الأنبياء والمرسلين، ومن بعدهم من الصالحين، كانوا يدعون بلسان حالهم ولسان مقالهم. لسان حالهم بما يكون من اعتنائهم بالصلاح، وأخذهم في مشاركتهم لأعمال الخير والبر والإصلاح. فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يأخذ ولده ليساعده في بناء البيت، وقيامه بهذا العمل الصالح. وهكذا كذلك لو تأملت في سيرة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، تجد من هذا الشيء الكثير. ثم دعاؤهم، فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، ويقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. وهكذا من دعاء الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. هذه الدعوات الصالحات التي دعا بها الأنبياء والصالحون، تعينك إذا قمت بها بأعمالك على صلاح أبنائك وصلاح ذريتك وصلاح فلذات أكبادك. وهكذا كذلك كل من ولاه الله رعاية ومسؤولية، يدعون بلسان الحال والمقال بما يكون به صلاح أبنائنا وفلذات أكبادنا. ومن ذلك كذلك عباد الله، أن يحرص الجميع على إبلاغ الأسباب الحسية التي يكون بها رعاية هؤلاء الأبناء، من توجيههم إلى المساجد ودور الحديث والعلم والقرآن. ففي البخاري وغيره من حديث عثمان: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، الخيرية تأتي بالإقبال على كتاب الله وعلى دين الله. إذا تعلم الأبناء القرآن، صار القرآن لهم حافظا. ولذلك يعرف كل العقلاء والمنصفون أثر القرآن على أهله. فإنها تجد الأبناء الذين يوجهون إلى تعلم القرآن وتعلم سنة النبي عليه الصلاة والسلام، تأتي عليهم من السكينة والوقار، ويكون عندهم من حسن الخلق ما هو محل فخر واقتداء لمن كان له بصر. فلذلك على الجميع أن يغذي أبناءه وذريته بعلم الكتاب والسنة، العلم الذي يصلح لنا الأبناء. فحاجتهم لهذا أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، كما روي عن الإمام أحمد رحمه الله وغيره. وأخيرا أيها المسلمون المسلمات، تعاون الجميع في أداء هذه المسؤولية، كل برعاية ومسؤوليته. المرأة مع زوجها، والزوج مع امرأته، وهكذا الأجداد والجدات والأعمام والعمات والإخوة والأخوات، الكل يقوم بواجبه. بل أرباب المسؤوليات والرعايات، مدير المدرسة والجامعة، وكل من ولاه الله مسؤولية كبيرة أو صغيرة، يعتني الجميع ويتعاون الجميع في أداء هذا الواجب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأجعلنا هداة المهتدين. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير». فأثر الجليس الصالح وجليس السوء في صلاحنا وصلاح أبنائنا وذرياتنا وفلذات أكبادنا عظيم. فهو من أعظم الأمور التي ينبغي أن تراعى. فتفحص يا أيها الأب ويا أيتها الأم، من هو الرفيق الذي يرافق ويجالس ولدك أو ابنتك، سواء كان حسيا من الرفقاء الذين يكونون في المدارس وبجانب البيت من الجيران، أو حتى في المسجد. فإن المسجد ليس محلا يسلم من أن يوجد فيه رفقاء السوء، بل قد يكون هناك من هو مدسوس من رفقاء السوء، فيسرق على ولدك أو على ابنتك دينها وخلقها. فيجب عليك أن تراعي ذلك. وأعظم من هذا ما يفعله بعض الآباء والأمهات من رمي أبنائهم بالشوارع والطرقات، فيكونون ضحية رفقاء السوء وأهل الشر والفساد. ولا يغفى ذلك على العقلاء. وهكذا كذلك الوسائل الحديثة من الجوالات وغيرها، فإنها من أعظم المفسدات. فهم كذلك جلساء، فإذا لم يراعي الآباء والأمهات مثل هذا الباب، ربما دخل الشر إلى بيتك وبين أولادك وأنت لا تشعر. فالواجب على الجميع الاعتناء بهذا الباب، تصفيته وتنقيته ومراقبته ومتابعته ورعايته، كما أمرنا الله عز وجل وأمرنا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك جعل السن الشرعي ومراعاته في التعليم، وفيما يؤذن وما لا يؤذن. فثبت بالسنن بإسناد حسن من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». تأمل إلى هذا الحديث العظيم الذي حوى أصول التربية وضوابط عظيمة فيها. فسن التعليم سن سبع سنوات، ومن قبل التعليم، علم وكان بعض الصحابة يؤم بالناس ويصلي بهم وهو دون سبع سنوات، لما حوى من العلم والإقبال عليه قبل هذا السن. وهكذا كذلك سن التجديد سن عشر سنوات، حتى لا يأتي وقت البلوغ إلا وقد ألف الأبناء وفلذات الأكباد ألف الإيمان والعمل الصالح والعبادات والطاعات، فيكون لهم خلقا وسجية. وأما ما يفعله بعض الآباء والأمهات حين يأمرون أبناءهم بالصلاة عند سن البلوغ، فيكون من العصيان ويكون من العقوق ما لا يخفى، بسبب التقصير والتفريط في هذا الأدب. وهكذا التفريق بين المضاجع في هذا السن، فإنه أمر عظيم يدل على قاعدة عظيمة في الاعتناء بحفظ هذا الباب مع هذا السن قبل سن البلوغ. فتعلم المرأة إذا وصلت لهذا السن الحجاب والجلباب، ويعلم الولد باب الاستئذان والدخول والخروج على من يدخل وعلى من لا يدخل، وغير ذلك مما هو في معناه. ولا شك ولا ريب أن من هذا الباب حفظ أبصارهم وقلوبهم وأسماعهم، كل ما يصون عفتهم ويحافظ على عدم سقوط أخلاقهم. ومن ذلك رعاية ما يرونه في الجوالات أو ما يشاهدونه كذلك في الأجهزة الأخرى. فإن الواجب حفظ هذا الباب خصوصا من هذا السن الذي هو السن الطائش وابتداء الفتنة. أيها المسلمون والمسلمات، إن ديننا فيه من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة، وفيه كذلك من الأوامر والنواهي ما هي كفيلة بإصلاح أحوالنا إن نحن استقمنا عليها. فلذلك الواجب علينا أن نقرأ ونسمع لكلام علمائنا وأئمتنا وتوجيهاتهم ونصائحهم، ونطبقها في حياتنا وفي مجتمعاتنا، بما يكون به صلاحنا وصلاح ذريتنا وأبنائنا وفلذات أكبادنا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلحنا ويصلح أبناءنا، ويصلح حال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح حالنا، وحال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح حالنا، وحال المسلمين في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان، وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا، ولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.