السؤال: اللقاء المفتوح 25، وكان يوم الجمعة 12 شعبان 1442هـ الموافق 26 مارس 2021م بدار الحديث بالفيوش أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُناقش المقطع أحكام صلاة التراويح وقيام الليل، ويُوضح أن صلاة آخر الليل أفضل، لكن من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له أجر قيام ليلة، مع جواز الصلاة بأكثر من إحدى عشرة ركعة إذا لم يستطع الصلاة في آخر الليل. كما يُشدد على مراعاة حال المصلين في طول الصلاة.
يتناول المقطع سيرة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، واجتهاده في طلب العلم والتدريس، وتأثير شيخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي عليه، مع تسليط الضوء على حرص الشيخ على استغلال الوقت في الدعوة والتدريس والتأليف.
يُقدم المقطع توجيهات حول تطبيق السنة النبوية في المجتمع، مع التأكيد على العمل بالسنة كما جاءت دون تغيير، ومراعاة أحوال الناس، والمحافظة على صلاة الجماعة ومجالس العلم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، يقول السائل: نرجو بيان صلاة التراويح في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، بحيث أنه يكون في القرى الصلاة 11 ركعة مع الإمام أو أحد يقوم مقام الإمام، ثم تكون صلاة أخرى في الثاني عشر ليلًا، فهل نصلي مع الإمام الأول فندخل في حديث «من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» أم نؤخر الصلاة حتى الثلث الأخير من الليل؟ إن استطعت أن تقوم في آخر الليل، صلِ في آخر الليل، كما جاء في الصحيح في قول عمر رضي الله عنه حين جمع الناس على صلاة التراويح، وكان بعضهم يصلي في أول الليل وبعضهم يصلي في آخر الليل، فقال رضي الله عنه: «أراني لو ناموا عنها خير من أن يقوموها» -يعني في أول الليل- وهذا معنى أنه أشار إلى فضل من صلى في آخر الليل على من صلى في أول الليل، وهو الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أحاديث كثيرة. فإن الصلاة في آخر الليل مشهودة، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن الله عز وجل ينزل في الثلث الأخير من الليل، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» إلى أن ينفجر الفجر. فصلاة آخر الليل أفضل، لكن من خشي أنه لا يستطيع أن يصلي في آخر الليل، وصلى في أول الليل، فماذا يصنع؟ هل يصلي إذا حصل أنه لم ينم ووجد نشاطًا وقوة أن يصلي في آخر الليل؟ الجواب: نعم. الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا مانع أن يصلي الإنسان أكثر من إحدى عشرة ركعة، والأفضل والأكمل الاقتصار على إحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة في الصحيحين، أو أحيانًا ثلاثة عشر ركعة كما في حديث ابن عباس كذلك في الصحيح. وغيره من الأحاديث الأخرى، لكن لا يوتر إلا مرة واحدة، إن أوتر في أول الليل لا يوتر في آخر الليل، وإن لم يوتر في أول الليل أوتر في آخر الليل. ولهذا ينصح الأئمة أو المساجد التي يصلون في أول الليل وآخر الليل أن يكون الوتر فقط في آخر الليل، الذين يصلون في أول الليل يصلون بغير وتر حتى لا يكون وتران في ليلة واحدة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإذا حصل كذلك، فإذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له هذا الأجر، سواء صلى في أول الليل أو صلى في آخر الليل. نعم، يقول رجل: وجد مبلغًا من المال ثم سلمه مكتب الحراسة، وهذا قبل أكثر من شهر، فهل يجوز أن يأخذه حتى إذا جاء صاحبه ضمن المبلغ وأرجعه إليه؟ ينظر المكتب في ذلك، لعل صاحبه جاء، فإن لم يأتِ صاحبه فهو أولى به، وإن أتى فلصاحبه. وإذا عرفه واستخدمه أو ضمنه على أنه إذا أتى صاحبه فكان له ذلك، ولكن قبل أن يضعه في المكتب. يقول: عندي صيام رمضان ولم أتمكن من قضائه، والآن جاء رمضان وأنا متعب، فماذا أعمل؟ وهل يجوز مشاركة الأهل في القضاء؟ لا، لا يقضي الحي عن الحي، ولكن إذا لم تستطع وتراك ما عليك القضاء، أطعم عن كل يوم مسكينًا كما تقدم معنا في الدروس السابقة. تقول امرأة: أفطرت أربعة أيام من آخر رمضان بسبب الحيض، ولم تأتني الدورة، وبعد أشهر عملت فحصًا ووجدت أنها حامل، قالت: أو قال السائل -كلام غير واضح- ثلاثة عشر شهرًا، وفي أثناء الحمل كانت مريضة ولم تستطع القضاء، والآن وضعت في شعبان، فماذا تعمل؟ كما تقدم معنا في دروس سابقة، المرأة إذا تتابع عليها الحيض والحمل وكذلك الرضاع، وشق عليها القضاء، فإنها تطعم عن كل يوم مسكينًا حتى لا يتراكم عليها القضاء سنين وهي لا تستطيع القضاء، فتبرئ ذمتها بإطعام عن كل يوم مسكين. يقول: نسمع منكم كثيرًا القاعدة الشرعية «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع»، هل ممكن شرح معناها؟ معناها أن الأشياء المتشابهات يلحق بعضها ببعض، والأشياء المتفارقات المختلفات لا يجمع بعضها إلى بعض، فحكم المتشابه واحد. مثلًا: نهى الشرع عن أكل مال اليتيم، ولبس مال اليتيم مثله مثل الأكل، لماذا؟ لأنه يدخل في عموم عدم إتلاف واستخدام أموال اليتامى فينقص قيمتها، وإحراقه من باب أولى، إذا نهى عن أكله فإحراقه وإتلافه من باب أولى، فهذه كلها معناها واحد، فإذا هي حكمها واحد. هنا نقول: الشرع لا يفرق بين مجتمع -يعني ما كان مجتمعًا في الوصف- فحكمه واحد، وما كان متفرقًا في الوصف فحكمه مختلف، فلا يلحق شيء بشيء وهو مختلف. يقول: ما حكم صيام آخر خميس واثنين من شعبان إذا وافق يوم الشك؟ الأولى والأفضل والأحوط ألا تصوم يوم الشك، لا يصام، بعض أهل العلم يرى تحريم صيام يوم الشك على كل حال، ولو وافق صومًا يصومه الإنسان حتى لا يحصل الاشتباه واللبس بالصوم احتياطًا، ويكون فاصلًا وفارقًا بين رمضان وشعبان، فهذا هو الأحوط. أما قبله بيومين أو أكثر فلا حرج في ذلك، لنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا صيام رمضان بيوم أو يومين إلا صومًا كان يصومه أحدكم». طيب إن قال قائل: في النص «يوم أو يومين»، لا فرق بين اليوم واليومين، فلماذا فرقتم؟ الجواب: لأنه جاء نص خاص في اليوم الأخير، وهو ما جاء في حديث عمار وغيره: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم». نعم، يقول: عندنا في القرية يتم حجز الأضحية من البقر في رمضان، ويتم الاتفاق على سعرها دون تقديم شيء من ثمنها، ويتم علفها على مال صاحبها حتى يوم الأضحى، المشكلة تكمن في الأضحية إذا ماتت دون تفريط، ممن هي؟ عند مالكها، يتحملها المالك وأصحاب الأضحية لا يتحملون شيئًا، هكذا جرى العرف عندنا، هل هذا صحيح؟ هذا صحيح، لأنه لم يتم الشراء، فهي ما زالت في ملك المالك، ما زالت في ملك المالك، وهذا ليس بيعًا، هذا اتفاق على البيع، ولم يتم البيع، فهو وعد بالشراء أو وعد بالبيع. يقول: توجد مقابر في بلادنا، وبسبب كثافة البيوت وانتشارها حول القبور أصبحت المقابر مهانة جدًا، ولا يستطاع التحرز منها بسبب أن مداخل الشوارع صارت على هذه القبور، فما رأيكم؟ ما الحل؟ الجواب: الحل أنه يجب أن يكرم أهل هذه المقابر، فأذية الميت كأذية الحي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كسر عظم الميت ككسره حيا»، فأذية الميت كأذية الحي، ويجب أن يكرم أهل القبور، ولا يجوز أن تهان هذه القبور. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبور، ونهى أن يمشى بين القبور بالنعال إكرامًا لأهل القبور وعدم الإهانة لهم. ولذلك ينبغي أن تسور هذه المقبرة، فينظر من أهل الخير يتبرعون ويجمعون تبرعات ويعملون سورًا لهذه المقبرة، هذا هو الحل. يقول: لو تعطونا لمحة يسيرة عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وبعض مواقفكم معه، فإن سيرة العلماء تشد من الهمم، جزاكم الله خيرًا. كتب في سيرة شيخنا شيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله كتابات كثيرة جدًا، ولا شك أن في تلك الكتابات من البسط وكذلك التفصيل. ومثل هذا المقام المختصر، ربما الواحد إذا تكلم لم يعطِ العالم حقه، وحسبك أن تعلم أن سنوات تقضيها وتلازم إنسانًا يصعب أن تصفها في جلسة، فضلًا عن لحظات في مثل هذا المجلس. لكن يكفي أن أذكر لكم على وجه الاختصار أن الشيخ محمد بن صالح عثيمين رحمه الله قد وفق في حياته لطريق علمية جمع الله عز وجل له بينها وبين التفرغ للطلب، ما لا يتيسر لغيره. رحمه الله رحمة واسعة، وكما ذكر لنا في بعض مجالسه كان في أول الأمر يعمل كغيره من الشباب الذين يساعدون آباءهم في أعمالهم الزراعية في تلك المنطقة في مدينة عنيزة، وكان يغشى كغيره مجلس الشيخ الكبير في مدينتهم، وهو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، يحضر عنده مجلس العلم. فلما رأى منه الشيخ الذكاء وحب العلم استأذن والده أن يفرغه لطلب العلم على أن يعين في أجرة النفقة، فأذن له الأب في ذلك. ومن حينها تفرغ الشيخ رحمه الله لطلب العلم، فوفق بعالم جليل، وأب رحيم اعتنى بالشيخ عناية خاصة، ففرغ له بعض كبار طلابه ليدرس عندهم ما يحتاجه من أساس العلم. وكانت هذه بداية دراسة الشيخ رحمه الله رحمة واسعة، ثم انطلق الشيخ بعد ذلك في القراءة على المشايخ والانتقال بعدها في الدراسة في المعاهد العلمية، ثم الدراسة الجامعية، ثم تدرج حتى صار عالمًا من أعلام العلم في مدينته، بل صار المرشح بإمامة المسجد، وأخذ التدريس بعد موت شيخه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله. ومما وفق له الشيخ رحمه الله أنه وفق لشيخ متجرد متجرد للدليل، وهذا قليل في تلك الجهات، كان الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله يدرس الكتب الفقهية، ولكنه يتجرد للدليل، فيرجح كثيرًا ترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومن علم أن حجته أقوى بالدليل والبرهان. ولذلك وجد من يعاديه -أي الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله- فكانوا يتهمونه بأنه خارج عن المذهب، وربما اتهموه بأنه بدون مذهب. وإذا قالوا كذلك -أي المتمذهبة- كأنهم يقولون: إن الإنسان بلا دين، فيجعلون الدين مرتبطًا بالتمذهب. فالدين مرتبط بالتمذهب، فلما أخذ الشيخ بعده التدريس والإمامة في المسجد كذلك أوذي رحمه الله من المتمذهبة كما أوذي شيخه وأشد، رحمه الله رحمة واسعة. ولذلك تحامل عليه بعض المتمذهبة حتى في المسائل العقيدة ينقبون ويدققون، رحمه الله رحمة واسعة، وهو المتجرد الذي عرف بأنه حريص على العقيدة السلفية وكذلك المنهج السلفي عقيدة وعبادة، وفقها رحمه الله رحمة واسعة. وكان كذلك مما تميز به حبه للعلم وحرصه في حفظه على الوقت، فكان يرتب وقته ترتيبًا دقيقًا، وعنده من الجدية في ذلك ما قد يجد بعض الناس في نفسه من شدة حزم الشيخ رحمه الله في الوقت. فمثلًا: كان يستغل بعد بيته عن المسجد قرابة خمسمائة متر أو أكثر، يمشي خمس صلوات ذهابًا وإيابًا على قدمين، ويجعل الذهاب لمراجعة القرآن والإياب -أي الرجوع من المسجد- للأسئلة، ويعطي لكل واحد ثلاثة أسئلة لا أكثر، وإذا جاء أحد يكلمه في أثناء الذهاب لا يرد عليه، يرد السلام ويقول: «ليس هذا وقت»، ويمشي ويراجع ما شاء الله القرآن في ذهابه إلى المسجد، وفي رجوعه كذلك. وإذا سأله إنسان ثلاثة أسئلة، يقول: «انتهت أسئلتك»، الذي بعده وهكذا، فكان حازمًا جادًا في وقته، ويجعل يومًا واحدًا لاستقبال الضيوف والنظر في مسائل الناس العامة والخاصة والدعوية وغيرها، يوم واحد فقط يفتح بابه، وسماه «الباب المفتوح»، جلسة «الباب المفتوح»، يوم واحد يأتي الناس إليه من عنده أمور خاصة أو عامة دعوية أو غيرها، يوم واحد في الأسبوع فقط. وباقي الأيام هو منشغل بالدعوة والتدريس والتأليف بين المسجد والجامعة، في الصباح يذهب إلى الجامعة يدرس ويرجع صلاة الظهر، يصلي طبعًا صلاة الفجر يصلي في المسجد، وبعد الصلاة يمشي إلى بيته، ثم يمشي إلى الجامعة، ثم يرجع الظهر فيصلي في المسجد، ثم يذهب إلى بيته، ثم يأتي العصر ويدرس درس العصر، ثم يرجع إلى بيته، ثم يأتي المغرب ويدرس درس المغرب إلى العشاء. ومن شدة ما شاء الله حرصه رحمه الله على الوقت أنه كان يفرق بين أيام الشتاء وأيام الصيف، فأيام الشتاء يجعل درسًا بعد العشاء لأن الليل يطول والنهار يقصر، فيجعل درسًا بعد العشاء في أيام الشتاء حين يزيد وقت الليل، يقول: «غدًا سيزيد وقت الليل عن النهار، فسنبدأ دروس العشاء»، وهكذا يستفيد الإخوة وطلبة العلم منه رحمه الله. وفي الإجازات يبدأ الدروس الصباحية حين لا يكون هناك الجامعة، يبدأ الدروس الصباحية للطلاب المتفرغين معه، ويبدأها من الساعة الثامنة حتى قبل الظهر، حتى قبل الظهر دروس علمية مباركة استفاد منها الكثير، وهي اليوم ما شاء الله مكتبة عظيمة من تسجيلات تلك الدروس التي أفادها واستفادها العالم بأسره، رحمه الله رحمة واسعة. وكذلك كان من استغلاله لوقته في رمضان يتوقف الدروس كلها إلا ما كان من درس المساء، وفي النهار يجعله بعد الفجر بمراجعة القرآن إلى الإشراق، ثم يرجع إلى بيته على جدوله المعهود المعروف، درس العصر ودرس العشاء، لا يكون درس بعد المغرب، ولكن درس العشاء. وهكذا يجعل درسًا شهريًا في مسجده وهو ما يسميه «باللقاء المفتوح»، أسئلة، وتكون له محاضرات وزيارات في أثناء السنة بحسب ما يقتضيه الحال، خصوصًا إذا كان هناك اجتماع لكبار العلماء، سواء في الرياض أو في الطائف، أو كان مواسم رمضان أو الحج، وتعرفون العشر الأواخر يكون في مكة، فتكون له الدروس هناك، أو في أيام الحج، فيعطي حيثما حل ونزل ما تيسر من الدروس العلمية، رحمه الله رحمة واسعة. وكان كذلك يعتني بطلابه فيتفقد الطلاب، وخصوصًا من عرف منهم النبوغ والجد والاجتهاد، يتفقد تفقدًا خاصًا، رحمه الله رحمة واسعة. فهذا خلاصة حاله رحمه الله في جده واجتهاده في الوقت والتدريس، وكان على صبر عظيم في قضية التفرغ للتدريس. سبحان الله، حينًا الواحد يتعب من الجلوس طويلًا، ويجد الشيخ رحمه الله عنده صبر في التدريس، مع أنه كان في فترة الأخيرة رحمه الله أصيب ببعض الأمراض، وهي أمراض ليست جسيرة بل عسيرة، ولكنه كان يصبر نفسه ويتصبر، ونجد ذلك ونراه، ومع ذلك لا ينقطع، لا يحب أن ينقطع عن التدريس والتعليم إلا ما اضطر إليه، رحمه الله رحمة واسعة. ساعات طويلة يصبر على التدريس والتعليم والتأليف، وفتح الله عز وجل عليه من الفوائد والمنافع ما لا يخفى، وهو مصطور في كتبه وفي التسجيلات المسجلة له، رحمه الله رحمة واسعة. هذه بعض الإلماحات وإشارات، أسأل الله عز وجل أن يعيننا أن نأخذ بطريق مشايخنا وعلمائنا، ويوفقنا أن نسلك مسلكهم في الخير والصلاح والجد والاجتهاد، وأن يغفر لهم ويكتب لهم الأجر والمثوبة. يقول السائل: عندي صيام رمضان ولم أتمكن من قضائه، طيب هذا تقدم. يقول: هل وردت أحاديث أن أرواح الأموات تتزاور؟ نعم، وردت أحاديث، وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعدة أحاديث، وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله فصولًا في هذا الباب في كتابه «الروح» على أن كتاب الإمام ابن القيم «الروح» ألفه في أول حياته، فلذلك فيه بعض الملاحظات التي تنافي طريقة الإمام ابن القيم رحمه الله، وكذلك بعض المسائل التي عليها أهل السنة. وفي هذا تنبيه أن كل عالم مهما بلغ في الفضل والعلم إلا أنه لا يسلم من نقص، فكل ابن آدم خطاء، ولكما قيل: «لكل عالم زلة، ولكل جواد كبوة»، فخذ ما علمت من الصواب، ودع المشتهرات التي يقال: «ما هذه؟ ما هذه؟». يقول: أحد العاملين في المراكز الصحية لا نراه يدخل المسجد لصلاة الجماعة قط، وهو من كبار العمال في المرفق، فهل من نصيحة؟ النصيحة أن المسلم عمومًا، ومن كان قد وفق لمثل هذه المجالس ومثل هذه الأماكن المباركة خصوصًا، ألا يفرط في الخير، وأن يكون ممن يقبل عليه. وقد يسره الله عز وجل سواء الصلاة جماعة التي هي واجبة، وقد هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرق على أقوام بيوتهم بسبب تخلفهم عن صلاة الجماعة، وكانوا يجعلون الفارق بين المؤمن والمنافق المحافظة على صلاة الجماعة، كما جاء في حديث مسعود وغيره من الأحاديث الأخرى. فمحافظة على صلاة الجماعة من الواجبات، وكذلك المحافظة على مجالس العلم وحلق العلم، أنت لا تدري في أي مسألة يهديك الله عز وجل وتكون سببًا في دخولك الجنة، ومجالس العلم من أعظم أسباب دخول الجنة، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة. وتعرفون خبر الثلاثة، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال عن الأول: «استحيى فاستحيا الله منه»، والثاني: «أعرض فأعرض الله عنه»، والثالث: «آوى فآواه الله». فلا تكن أحد الاثنين، ولكن كن الثالث الذي آوى نفسه إلى حلق العلم فآواه الله سبحانه وتعالى. والأعمال لا تنتهي، ينبغي أن تعلم حتى ولو كان فيها نفع وأجر، فأنت تنفع إخوانك في الجانب الصحي مثلًا، لكن لا تتزاحم عليك الحقوق والواجبات، فكل واجب له مكانه، وكل حق له أولويته، وينبغي أن لا تطغى بعضها على بعض. يقول بعض الإخوة: يصلون صلاة التراويح أحيانًا أربعًا، وحيانًا ست ركعات في تسليمة واحدة، هل هذا جائز؟ صحت كيفيات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الكيفيات ما ذكر هنا بالسؤال، كما جاء في حديث عائشة: فقد صح أنه صلى أربعًا وسلم، وأربعًا وسلم، ثم أوتر بثلاث. وصح أنه صلى ستًا كذلك وسلم، وكل ذلك صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن هل فعله على وجه التكرار؟ الجواب: لا. ولذلك أكثر الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي ركعتين ركعتين، من قوله ومن فعله، وقد جاء في حديث ابن عمر وغيره: «صلاة الليل مثنى مثنى». وهكذا جاء من حديث عائشة، ومن فعله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الكثير الذي كان يفعله عليه الصلاة والسلام. ولذلك أنصح نفسي وإخواني أن نعمل السنة كما جاءت، فالأكثر هو الأكثر، والأقل هو الأقل. مثلًا: صح عن النبي عليه الصلاة والسلام -وهذا من تنوع العبادات- أنه سلم بتسليمتين، وهذا الأكثر، وصح أنه سلم بتسليم واحدة، ولكنه ليس بكثير، بل بعضهم ذكر أنه لم يصح في الفريضة ولا مرة واحدة، وإنما صح في النافلة. فقال العلماء: ما صح في النافلة صح في الفريضة، لكن ليس معناه أن فعله دائمًا، اليوم بعض الناس في بعض البلاد، ورأيت هذا في أندونيسيا كثيرًا، تجد الإخوة يسلمون تسليم واحدة أكثر من تسليمتين، وهذا هل هو السنة؟ ليس السنة، هذا خلاف السنة، لأن السنة أن تسلم تسليمتين، هذا الأكثر العام من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وليس نقلب السنة، نجعل الأقل أكثر والأكثر أقل، لا، خذ بالسنة جملة وتفصيلًا وعددًا وكمية على حسب ما جاءت به السنة. ثم أمر آخر: نحن نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمراعاة أحوال الناس، فإذا كانت بعض السنة ستسبب نفرة وفتنة، فهنا نترك ونؤخر هذه السنة حتى يأتي الوقت المناسب لتعليمها، وكذلك العمل بها. كما جاء في أثر علي وابن مسعود: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» ما أنت بمحدث قوم حديثًا لا تعرفه أولئك إلا كان لبعضهم فتنة. فلما تأتي مسجد عوام أول مرة، تأتي أنت ضيف أتيت إلى هذا المسجد أول مرة، وتصلي بهم ستًا بتسليمة واحدة، أي شيء؟ يقول العوام: «هذا هو الدين الجديد الذي قلنا لكم»، قلنا: «أن هؤلاء ما عندهم الدين الجديد»، هذا الدين الجديد من أين جاءت هذه الصلاة؟ «نحن لنا عشرين سنة ما عرفنا هذه الصلاة»، وجاءنا الشيخ فلان والشيخ فلان، «ما أحد صلى هذه الصلاة»، فتأتي فتفتنهم وتسبب لهم مشكلة وخصومة وأشياء، حتى لو قتلهم. هذا ثابت، هم ما يفهمون، ثابت يفهمون أنك إنسان جديد غريب، لم يثقوا بعلمك بعد، خصوصًا أنك صغير في السن وجديد عليهم، فما يقبلون منك. لكن علمهم السنة، حببهم إلى السنة حتى يثقوا فيك وفي علمك وفي كذلك معلوماتك، فعند ذلك تمهد وتقول: «إن شاء الله هذه السنة سنفعل بعض الأشياء التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل كذا مثل كذا مثل كذا»، ما رأيكم؟ هم يقولوا لك: «فضلًا افعل، نحن معك». أما أنك تأتي وتفاجئهم فتسبب فتنة ومشاكل، أنت لست بحاجة لهذا، الدعوة مليئة بالأشياء التي تحتاج أن تعلمهم إياها، ما وقفت عند هذه السنة، فانتبهوا لمثل هذه التصرفات الغريبة التي تسبب الفوضى في المجتمع، تسبب الفوضى. بعض الناس ما يعني كأنه ما يعرف إلا كما قيل: «عين الديك»، خلص يمسك شواذ المسائل ونوادر المسائل، فإذا أتى يبدأ يطبق كل شيء غريب ونادر، وهذا خطأ، هذا ليست طريقة النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته رضي الله عنهم أرضاهم، بل كانوا يقولون: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟». فإذا راعيت هذه المسألة، ثم كذلك شيء آخر: نلاحظ أن هذا الذي حكته عائشة، هل حكته أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس أم صلى لنفسه؟ صلى لنفسه، فإذا هناك فرق أن تصلي لنفسك افعل ما شئت، حتى في مسألة التطويل هناك تطويل مأذون فيه، أن تصلي بالناس وهناك تطويل غير مأذون فيه، وهو إذا كنت إمامًا للناس. مثلًا: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في ركعة واحدة في البقرة والنساء وآل عمران، هذا صحيح، صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، من يستطيع ينكره؟ لكن تعال صلِ بالتراويح بالناس هكذا، هل هذه سنة؟ ونقول: «صح عن النبي صلى الله عليه وسلم»، نقول: «صح عن النبي صلى الله عليه وسلم»، لكن لم يصلِ بالناس في المسجد. انتبه، طبق السنة، وتطبيق الصحيح، أنت إذا صليت بالناس تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أم في الناس فليخفف»، فليخفف، كذلك التخفيف، هذا هل معنى أن تقرأ «قل هو الله أحد»، «قل أعوذ برب الناس» كل يوم؟ لا، التخفيف تنظر كيف صلى النبي صلى الله عليه وسلم. سئل ابن مسعود قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قراءة النظائر»، وذكر عشرين سورة كان يجمع بينها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا في صلاته، إيش هذه العشرين سورة؟ ذكرها كما جاء في السنن، مثلًا: المزمل والمدثر -يعني عم- والمرسلات، وهكذا غيرها من السور التي كان يجمع فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالنظائر. مثلًا: الطور والذاريات، أو الذاريات والطور، أحيانًا يقدم وأحيانًا يؤخر، وغيرها من النظائر، إذن هذا هو المتوسط، هذا هو المتوسط، بينما في العشاء علم النبي صلى الله عليه وسلم وأرشد أن يقرأ بماذا؟ «سبح اسم ربك الأعلى» و«الليل إذا يغشى»، ونحوها من السور. إذن هذه السنة، خذ بالسنة كما جاءت، ليس تأخذ بالسنة كما فهمت، ولكن كما طبقت السنة تأخذ كما طبقت، لا كما تفهمها أنت، ربما أنت تفهم الفهم الخاطئ. فمثلًا: هذا المثال الذي سمعناه: صح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ركعة واحدة بهذه الثلاث الصور الطوال، ركعة واحدة، ليست كل الصلاة في ركعة واحدة، لكن ليس بصواب أبدًا أن تطبق هذا بالناس. أن تطبق هذا بالناس، كذلك مثلًا: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في صلاة المغرب بسورة الأعراف، لكن صلى بمن؟ بأصحابه، وصلى رضي الله عنه وأرضاه بأصحابه رضي الله عنهم في فترة متأخرة، يعني: معناه تمكن الناس من العلم، تمكن الناس من السنة، صار مسجده مسجدًا مليئًا بالمحبين للقرآن، محبين للسنة. أما في بداية عهده ما كان يصلي هذا، ولم يثبت أنه فعله كذلك على وجه التكرار، ولهذا لما سئل شيخنا الشيخ محمد المصالخ رحمه الله، قيل له: «يا شيخ، الشيخ الخريصي صلى بالناس بسورة الأعراف أمس، كيف ترى؟» كان إمام الجامع الكبير في بريدة رحمه الله رحمة واسعة، فهل تصلي بنا؟ قال شيخنا رحمه الله معنى كلامه: «قال إذا كان عندي مثل الصحابة سأصلي بهم»، يعني: بسورة الأعراف، لو صلى -يعني- معنى كلامه: لو صلى بالناس بسورة الأعراف، يمكن ما يأتون يصلون في المسجد مرة أخرى، مسجد سوق ومسجد عوام. فتصلي بهم بسورة الأعراف يكون هذا مشقة، وتعرفون لما معاذ رضي الله عنه صلى بسورة البقرة في صلاة العشاء، خرج الأعرابي ما صبر على الصلاة، خرج وترك الصلاة، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم يشتكي من؟ معاذ، ومعاذ هو حب النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على من؟ على معاذ، وأرشده أنه إذا صلى بالناس فليصلي بماذا؟ «بالليل إذا يغشى» و«سبح اسم ربك الأعلى»، ونحوها من السور. أي: في صلاة العشاء، فإذن نحن نفرق، الأصل التخفيف، الأصل التخفيف، وأحيانًا إذا كان الوقت مناسبًا نطبق ما جاءت وصحت به السنة كما طبقت كما طبقت، فننتبه لمثل هذا كذلك. وقريب من هذا حصل في أحد المراكز أن أحد الإخوة صلى الفجر بسورة البقرة، فطلبت العلم قالوا: «كسرت ركبنا»، يعني: ماذا فعلت اليوم؟ قال: «قد فعلها أبو بكر»، وقال أبو بكر رضي الله عنه: «لو أشرقت علينا الشمس»، قالوا له: «كادت الشمس أن تشرق»، يعني: الصحابة استثقلوا ذلك. وقالوا لأبي بكر: «كادت الشمس أن تشرق»، قال: «لو أشرقت لا أشرقت علينا ونحن غير غافلين». طيب هؤلاء هم خيار الصحابة، ومع ذلك بعض الصحابة أنكر على أبي بكر فعله هذا رضي الله عنه وأرضاه. فأنت لما تأتي في هذا الزمان وتفعل هذا، وخصوصًا أن مسجدك في بعض العوام، لا شك أن هذا ليس بتصرف حكيم، ليس بتصرف حكيم. لكن حاول أن تفعل الشيء الوسط، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأرجو أن يكون كلامي مفهومًا، ولا يفهم أحد خطأ، كل شيء يوضع في موضعه جملة وتفصيلًا كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام. يعني: لا شك أن هذا فيه تقديم سورة الأعراف خصوصًا، تعرفون الناس عندهم أعمال وعندهم أسواق. فالمساجد التي يكثر فيها الناس يراعي الإنسان، وهذا من فقه الصلاة، يراعي الإنسان حال الأكثرين، الأكثر يتحمل هذا أم لا يتحمل؟ هذه القاعدة، هذا هو الضابط، الضابط أنك إذا أردت أن تفعل شيء وكنت فيه في الخيار تنظر حال من خلفك من الناس، هل الأكثر يحب هذا أو لا يحب؟ فإن كان الأكثر لا يحب هذا فتأخذ بالأكثر. ما هو الدليل على هذا؟ ما هو الدليل على هذا؟ من يذكر لنا دليلًا على هذا؟ الدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام في الأخذ بماذا؟ بأضعفهم في الإمامة، فإن من ورائك الصغير والكبير وذا الحاجة، الصغير والكبير وذا الحاجة، إذا شككت في الأمر خذ بحال الأضعف، خذ بحال الأضعف. فإن كان الأكثر لا يستطيعون، فإذا لا تفعل حتى ولو كانت الصلاة نافلة، مثلًا: صلاة الليل، صلاة التراويح، أنت لا تقول: «خلاص هي صلاة نافلة، أستطيع أن أطيل»، لا، يختلف إنسان في المدينة وفي مسجد سوق، ربما الجزء يعتبر كثير، الجزء يعتبر كثير، ولهذا كان شيخنا الشيخ محمد بن صالح رحمه الله وهو حافظ للقرآن ومتقن، ومع ذلك في مسجده لا يصلي إلا بنصف جزء، لماذا؟ لأن مسجده في السوق، مسجد السوق، مسجده بجانب السوق، الجامع الكبير في عنيزة بجانب أكبر سوق في عنيزة. فيراعي الناس، كان يقول بعض طلبة العلم: «يقول لماذا لا تصلي مثل الحرمين جزء؟» يقول: «أنا أراعي أضعف الناس حاجة الناس»، فهو يعتبر أن النصف جزء كثير، ومع ذلك يصلي به لأجل لا يحرم الناس من فضل القرآن مع مراعاة حاجة وحال الناس. فأنت تراعي حال الناس، المساجد التي في الأسواق يصلي الناس فيها الإمام ولو كانت صلاة التراويح أو الليل بخفيف، والمساجد التي بعيدة من الأسواق أو في أماكن يكثر فيها طلبة العلم ممكن يزيد قليلًا، ومساجد فيها طلبة علم خلص ربما يكون أكثر، وإذا كانت في آخر الليل تختلف عن أول الليل، ممكن تزيد في آخر الليل أكثر مما تزيد في أول الليل. لكن راع حال الأضعف، راع حال الأضعف، أما إذا صليت لنفسك فصلي ما شئت، إذا صليت لنفسك فصلي ما شئت، وكذلك إذا صليت لنفسك فهناك حدود حتى في الشرع هناك حدود، كم الحدود؟ أقصى حد أن يقرأ الإنسان في اليوم وفي الليلة خمسة عشر جزءًا، دليل؟ في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، وبه نعرف خطأ قول من يقول: «أن القرآن يختم كل ليلة»، يقول: «هذا خلاف السنة»، هذا خلاف السنة. السنة أن يكون في ثلاث ليال، في ثلاث ليال،