السؤال: اللقاء المفتوح 42، وكان يوم الجمعة 26 صفر 1444هـ الموافق 23 سبتمبر 2022م بدار الحديث بالفيوش أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع مجموعة من الأسئلة الفقهية المتنوعة التي طرحها عدد من السائلين، وتطرق إلى مسائل مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، حكم تصوير الأشياء التي لها عينان وفم.
يتناول المقطع عدة مسائل فقهية متفرقة، منها حكم نزع الشراب بعد المسح عليه، وجواز القراءة على بعض الأشياء للتداوي، وبيان حكم قيام الليل.
يتناول المقطع أحكام صلاة الليل وعدد ركعاتها، وأحكام صلاة الضحى ووقتها، ويبين أحكام المسجد وصلاة تحية المسجد باستثناءاتها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا لقاء من اللقاءات المفتوحة التي نجعلها في مذاكرة ما ينفعنا من المسائل مما يرد من الآباء والإخوة والأبناء، فنتذاكر فيها، وما فيها من مسائل علم، عسى الله عز وجل أن ينفعنا بها، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. يقول السائل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وإن شاء الله من باب الاختصار وعدم التطويل أقرأ الأسئلة. يقول: قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية والإمام يقرأ، وهل تكفي قراءة الإمام أم لا؟ هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم لاختلاف الأدلة الواردة فيها، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وصح عنه عليه الصلاة والسلام في أن قراءة الإمام لمن خلفه قراءة. وقد اختلف العلماء في الجمع بين الحديثين، فمن أهل العلم من يرى لزوم قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم سواء، وفي السرية والجهرية. ومن أهل العلم من فرق، ومن أهل العلم من لم يفرق، فقال: لا يلزم المأموم القراءة خلف الإمام لا في السرية ولا في الجهرية. ومنهم من فرق بين السرية والجهرية. والصحيح -والله تعالى أعلم- أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام، لا فرق بين السرية والجهرية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء عنه: «وكان في صلاة الفجر حين أشكل عليه إراءة بعض المأمومين في الصلاة، فقال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب»، أي: بالفاتحة. وكان هذا بصلاة الفجر، فدل على أن صلاة الفجر وهي جهرية يقرأ المأموم فيها بالفاتحة، ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهروا أو يقرأوا بغيرها حتى لا يشوشوا على الإمام. وبهذا يعلم أن هذا هو الراجح -والله تعالى أعلم- من هذه الأقوال. ومع ذلك، من تبين له بحجة وبرهان ودليل ظهر عنده، وهو أهل للاجتهاد أو يثق بمن هو أهل بالاجتهاد، فأخذ بقول آخر، فلا حرج. فهذا من المسائل التي يسع فيها الخلاف، وإن كان الراجح -والله أعلم- هو الذي سمعنا. طيب، يقول السائل: هل كل شيء فيه عينان وفم يعتبر صورة، مثل السيارة إذا عمل لها عينان وفم، أو الطائرة، أو البيت؟ ولا يتصور أن فيه روح، فهل يعتبر صورة من الصور المحرمة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من منع ذلك؛ لأن أصل هذه الأعضاء لا تكون إلا فيما فيه روح، فمنعه مطلقًا. ومنهم من أجاز مثل هذا. ومنهم من فصل، فقال: إذا كان فيما لا روح به، فلا حرج. فهو مثل تصوير الأجزاء مما فيه روح. وهذا كذلك فيه خلاف، تصوير الجزء مما فيه روح، هل يدخل في التصوير المنهوع عنه أم لا؟ ولا شك أن الأحوال تركه إذا ليس هناك حاجة. لكن إذا كان هناك حاجة، من تعليم أو نحوه، فلا بأس إن شاء الله، مع ترك المحاكاة التي تورث التشبيه والتشويش، بل ربما بعضه -كما قال بعض مشايخنا، كالشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله- كان يرى أن بعض ذلك ربما يكون فيه سخرية بالمخلوقات، ويكون أعظم من تصوير ذوات الأرواح. فإن كان فيه هذا المعنى، أي: كان الرسم والتصوير على وجه السخرية، فهذا لا يجوز، ويسد هذا الباب. يقول: هل على المرأة الكبيرة في السن عدة إذا توفي عنها زوجها، وكم مقدار عدتها؟ الصحيح أن العدة عامة لكل من توفي عنها زوجها، عدة الوفاة عامة، لا تفرق بين صغيرة وكبيرة، كل من توفي عنها زوجها، فإنها تعتد عدة المتوفاة عنها زوجها. ومقدار هذه العدة بحسب حال هذه المعتدة، فإن كانت حاملًا، فكما قال الله عز وجل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وإن كانت ليست حاملًا، فأربعة أشهر وعشرة أيام. وهكذا، وهذا هو الذي تقتضيه عمومات الأدلة، ولا دليل على التفريق بين الصغيرة والكبيرة في مثل هذا الباب -والله تعالى أعلم-. وهذا سائل آخر يقول: لبست الإحرام من المطار، ثم وصلت إلى جدة، فطلعت علي بصمة، ثم رجعت إلى بلدي، فهل علي شيء؟ الواجب في مثل هذا الحال -خصوصًا إنسان الذي يعلم أو عنده غلبة ظن أنه سيمنع أن يشترق- فيقول: «اللهم إن حبسني حابس فمحل لي حيث حبستني». فإذا أحرم -سواء محاذاة الطائرة أو محاذاة الميقات- ثم دخل، فحصل له عذر، فمنع من إكمال عمرته والدخول، فيتحلل بالمكان الذي هو فيه، ولا يلزمه شيء. وأما من لم يفعل هذا الاشتراف، وقد رجع إلى بلده وأمر من التحلل، فإنه يفدي فدية إحصار، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فيرسل به إلى البيت الحرام، ويتحلل. وهذا سائل يسأل يقول: عندنا أخ يربط كرسيه في السارية في الصف الأول، ونصحه ولم يقبل النصيحة، وقال: عنده فتوى من إمام المسجد، هل هذا جائز؟ إذا كان يخاف على الكرسي فيربطه في غير الصف الأول، حتى لا يكون هذا من التحجر وحجز المكان والاعتداء عليه، فمثلًا يخاف على الكرسي يربطه في سارية من السواري. وإذا جاء فتح هذا الكرسي وجلس عليه في المكان الذي يتيسر له، إن جاء مبكرًا ففي الصف الأول، وإن جاء متأخرًا ففي الصفوف التي بعدها، الأقرب فالأقرب. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحجر المسلم المكان كتحجر البعير للموضع، وهذا يدخل فيه -والله أعلم-. وإذا كان عنده فتوى معينة، ينظر ما هذه الفتوى؛ فلكل مقام مقال. يقول: هل الدم نجس؟ وكذلك المذي الذي يخرجه بعد البول، وهل يغسل له ويتوضأ؟ مر معنا قريبًا في دروس سابقة في كتاب الطهارة أن الدم فيه خلاف، الجمهور أنه نجس، والصحيح التفصيل بمقتضى مدلول الأدلة، فدم ما لا يؤكل لحمه نجس، وما يؤكل لحمه فطاهر. وعمومات الأدلة تدل عليه. وكذلك دم الإنسان -على الراجح- طاهر، وقد دلت الأدلة التي تدل على هذا، واتضح أن الصحابة كانوا يصلون بدمائهم -رضي الله عنهم أرضاهم-. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء أن الدم بهذا الوصف نجس، فعمومات الأدلة تدل على هذا التفصيل -والله تعالى أعلم-، وهذا على وجه الاختصار. وقد مر قريبًا معنا في كتاب الطهارة من شرح الدرر البهية: «نرجو أن تدلنا على كتاب نقرأه في تعظيم الله ومعرفة الله أكثر، وجزاك الله خيرًا». الكتب كثيرة، ومن أحسنها كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتأليف ابن القيم رحمه الله تعالى، مثل كتاب الإمام ابن القيم في ذكر منازل السائرين: «منازل أهل إياك نعبد وإياك نستعين»، فقد ذكر «مدارج السالكين». نعم، وله مختصر «تهذيب مدارج السالكين»، أصل الكتاب «منازل السائرين» اختصره في «مدارج السالكين»، ثم اختصر في «تهذيب مدارج السالكين»، فهو كتاب نافع ماتع مفيد جدًا. وهكذا كذلك كتابه الآخر «الداء والدواء»، فإن فيه ما عليه الإنسان وأحواله مع نفسه ومع ربه، وما يكون من ذنوبه وخطاياه، وكيف يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك كتاب «الكبائر» للإمام الذهبي، وكذلك مختصر «منهاج القاصدين» للمقدسي، و«تلبيس إبليس» لابن الجوزي، و«اقتضاء الصراط المستقيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأشياء كثيرة ينبغي للإنسان أن ينظر الأنفع، ثم ما يناسبه بحسب مستوى يقول. طيب، هذا قرأناه، يقول: رجل توضأ ولبس الشراب ومسح عليه العصر والمغرب، وبعد صلاة المغرب نزع الشراب، هل ينتقض الوضوء بنزع الشراب؟ إذا لم ينتقض وضوه، فنزع الشراب ليس ناقضًا من نواقض الوضوء، نزع الشراب ليس ناقضًا من نواقض الوضوء، إذا كان وضوه منتقض ونزع الشراب، فلا يستطيع أن يلبس الشراب ويمسح عليه؛ لأن من شروط لبس الشراب -لمن شروط الشراب الذي يراد المسح عليه- أن يلبس على رجل قد تطهرت الطهارة الحسية على ذلك الموضع. فلذلك إذا نزعه -مثلًا- لأجل استبدله بشيء آخر، فيجوز أن يلبس شيئًا جديدًا ما دام أن الوضوء لم ينتقض. ثم ماذا يمسح على اللبس الجديد أو على اللبس القديم؟ الصحيح على اللبس القديم؛ لأن طهارة هذا الشراب تابعة للمسح التي سبقته في الشراب الذي قبله. ومثله لو احتاج أن يلبس شرابًا فوق الشراب لشدة البرد -مثلًا-، فهل يجوز؟ الجواب: إذا كان لم ينتقض وضوءه، فيجوز أن يلبس الشراب الجديد فوق القديم، ويكون المسح على القديم والجديد معًا، فهو يمسح على الجديد، ويغنيه هذا عن المسح عن القديم. وتكون المدة باعتبار القديم لا باعتبار مدة الجديد، يعني -مثلًا- كما ذكر السائل: مسح أول مسحة في صلاة المغرب، ولبس الشراب في صلاة العصر، ثم بدأ له بعد المغرب -بعد أن مسح- وصار على طهارة أن يغير الشراب أو أن يلبس شرابًا فوق الشراب لشدة البرد -مثلًا- أو لأي سبب آخر، ما دام أنه على طهارة، فلا بأس. ولكن مدة هذا الشراب الجديد تكون متبعة لمدة الشراب الذي قبله، فإذا كان غير مسافر، فيجوز له مسح يوم وليلة -يعني 24 ساعة- من بداية أول مسحة، وهي صلاة المغرب -كما تقدم معنا في هذا المثال-. وإن كان مسافرًا، فثلاثة أيام بلياليهن -يعني 72 ساعة- من أول مسحة مسحة بها على ذلك الشراب -والله تعالى أعلم-، والأدلة على ذلك كثيرة، من حديث «ثابت بن عسال» وغيرها من الأحاديث في المسح على الخفين. يقول: رجل يشكره من السحر، وذهب إلى من يقرأ عليه، وأمره بشراء بعض الأدوية، وفيها بعض الآيات القرآنية المكتوبة يضعها في ماء حتى تدوب، ثم يقوم برش الغرفة، هل يجوز هذا الفعل؟ الناس في هذا طرفان ووسط، فمن الناس من توسع في استخدام المشروبات والمطعومات والملبوسات المقروءة، وهذا التوسع كان لبعض الناس بسببين: السبب الأول أن منهم من يتجر بهذه الطريقة، جعلها سببًا للتكسب والتعيش، يأتي المريض المسكين عند هذا الراقي، فيقول له: عندنا مريض، فيقرأ عليه، ثم ربما يريد أن يدفع الأجرة، فيقول: ما يحتاج، ما يريد يأخذ الأجرة، لكن يكتب له ورقة -ما شاء الله- طويلة فيها قيمة قيمة الدخول إلى عشرة بكواترة، يذهب يشتري عسل مقروء وزيت مقروء وماء مقروء، وربما بعض الأعشاب كذلك مقروعة، وهكذا أشياء، ولست كبيرة طويلة مقروءة، حتى إن بعضهم إذا قلت له: خلاص سأشتري من مكان آخر، يقول: لا، كيف تشتري من مكان آخر؟ هذا عندك موجود، وهذا مقروء، وهذا مقروء. فإذا اشتريت من مكان آخر ورجعت إليه، يقول: السبب معروف، أنت ما اشتريت من هذا المقروء الذي عندي، رح تشتريت من مكان آخر، إذن الغرض تجارة يتعيش بهذه الطريقة، وهذا خطأ وظلم، بل نص غير واحد من أهل العلم أن هذه طريقة محرمة، ومن بدع القراء من بدع القراء في هذا العصر. والواجب أن يمنع أمثال هؤلاء؛ فهؤلاء سببوا حتى تشويش، فاختلط على الناس بين السحرة والمشعودين وبين أمثال هؤلاء الذين يتجرون بمثل هذه المهنة -مهنة الرؤية-، ولم يكن من طريقة السلف -لا الصحابة والتابعين ولا أتباع التابعين ولا أحد من أئمة الدين- أنه كان يتعيش بالرؤية، لا يتعيش بالرؤية إلا أحد رجلين: ناقص في دينه أو ناقص بعقله. أما الرجل صاحب الدين والعقل الصحيح، لا يرضى لنفسه ولا لإخوانه بهذه الطريقة. والقسم الثاني من هؤلاء الذين عندهم جهل، فيتوسعون في ذباب القراءة على المأكلات والمشروبات والملبوسات، ولو لم يأخذوا أجرة، لكنهم يشقون على الناس، يذهب ويقول له: اذهب اشتر زيت، وهاتي إليه، ربما يقول بعض الناس: أنا ما اشتريت منه هذا، جاهل، جاهل، ألزمك بأشياء ما ألزم الله بها، كلف عليه وحملك ما لا تطيق، وهذا غير صحيح. وقسم آخر -في مقابل هؤلاء- منعوا القراءة على أي شيء: لا مشروب ولا مأكل ولا ملبوس، وقالوا: لم يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنسد هذا الباب، فنسد هذا الباب. وقسم وافقت أثبتوا ما ثبت بالتجربة، ويحرصون على الاقتصار بما ثبت عن الصحابة والتابعين، مثل القراءة على زيت الزيتون، وعلى السدر -ورقات السدر- كما ثبت عن ابن عباس وغيره. وما ثبت بالتجربة أنه ينفع، فإنهم يثبتون ويستخدمونه، ولا يتوسعون في هذا. وبالتجربة ثبت أن بعض هذا المقروء يؤثر على من يقرأ عليه، يعني إذا دهنت بزيت الزيتون أو اغتسل المقروء عليه بورقات السدر، فإنه يؤثر عليه ويحصنه ويحفظه. وقد وردت آثار عن بعض الصحابة والتابعين ولئمة، ولم يزل ولا يزال الكثير من مشايخنا وعلمائنا على هذا، يعني يجيزون القراءة على بعض ما ثبت بالتجربة، مثل ورقات السدر مع الماء، أو كذلك زيت الزيتون، ونحو ذلك. أما التوسع بكل الأعشاب، حتى صار بعض الناس يتدخل فيما لا يجوز له التدخل فيه، فيشتري الحقن -يعني بالتارين- مقروء، و«يعني مغدية حلو مالح معتدل» كله مقروء، فتح لنفسه صيدلية ويشتغل ويشتغل بها، يقول: هذا مقروء، يعني تجارة، وأشياء لا يجوز أن يتدخل فيها، هذه تترك لأهلها -والله المستعان-. يقول: هل قيام الليل فيه تفنيد المطلق أم له حد؟ وإلى صلى الرجل فأوتر في الليل، ثم قام آخر الليل يريد أن يصلي ويوتر، هل يصلي كيف شاء وكم شاء؟ الصحيح أن صلاة الليل التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم 11 ركعة، كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين: «لم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا غيره على 11 ركعة». وإذا قام من النوم افتتح الصلاة بركعتين سفيفتين حتى يكتمل حل عقد الشيطان؛ فإنه إذا قام وذكر الله انحلت عقدة، وإذا تطهر انحلت عقدة، وإذا صلى انحلت عقدة. وقد جاء هذا في حديث أبي هريرة من قوله عليه الصلاة والسلام، وفي حديث ابن عباس في الصحيحين من فعله عليه الصلاة والسلام، فتكون أكثرها 13 ركعة، يزيد ركعتين إذا قام من النوم يزيد ركعتين خفيفتين. وإذا كان ليس كان قبل هذه الصلاة نوم، فيصلي 11 ركعة، هذا هو الأفضل والأكمل، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يصلي أقل من ذلك، ونقول: الأفضل والأكمل؛ لأمرين: الأمر الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله ويداوم عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم أتقى الناس وأعبد الناس عليه الصلاة والسلام، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، بل الله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. والأمر الثاني أن هذا هو الأرفق والعدل الذي يطيقه الإنسان، فإن كان عنده نشاط زاد في القراءة والركوع والسجود والدعاء في هذه الحدى عشر ركعات، وإن أصابه شيء من التعب أو النصب أو الفتور خفف في القراءة أو خفف في عدد الركعات، فهو بالخيار على حسب نشاطه وقوته. وكونه يداوم على هذا القليل الذي يظنه قليل خير من كثير لا يداوم عليه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها- وجاء معناها عن عدد من الصحابة: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، إن الله لا يمل حتى تملوا». ويقول في الحديث الآخر: «حب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل»، فقليل دائم خير من كثير منقطع. يبقى السؤال: إذا صلى في أول الليل، خشي أنه ما يقوم في آخر الليل، فصلى في أول الليل إحدى عشر ركعة، ثم قام في آخر الليل قريب الفجر، فرغب وأحب أن يصلي، هل له أن يصلي؟ الصحيح: نعم له أن يصلي، يقوم يقوم يصلي، يعني الوضوء. وإذا كان في المسجد تحية المسجد أو حتى نفل مطلق يجوز. ولكن ما دام قد صلى إحدى عشر ركعة، يقتصر في الصلاة ويكثر من القراءة أو الدعاء، يجعل جهده في القراءة والدعاء أكثر من أن يكثر الركعات، وهذا هو أصل فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم-. يقول: هل صحيح أن ابن الأمير الصنعاني خرق الإجماع في مسألة خطبة العيدين بقوله أنها خطبة واحدة؟ سيأتي الكلام عليه في دروس لاحقة إن شاء الله قريبًا. والصحيح أن المسألة مما يسع فيها الخلاف، فجمهور أهل العلم يرون أن للعيدين خطبتين، وجماعة من أهل العلم يرون أن للعيدين خطبة واحدة فقط. ولم يثبت في شيء صحيح صريح أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبتين. ومع ذلك فالأمر واسع، هذا من المسائل التي يسع فيها الخلاف، ولا ينبغي التشديد فيها -والله أعلم-. ومن ادعى الإجماع فعليه بالدليل، ولا دليل على هذا الإجماع -والله أعلم-. وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله في الإجماع: «المعتبر هو ما إذا قلت: أجمعوا، لم تجد أحدًا يخالفك، لا يمكن يدعى الإجماع مع وجود الخلاف». يقول: هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سلم في صلاة تسليمة واحدة؟ اختلف أهل العلم في هذا الحديث، فمن أهل العلم من يحسنه، ومن أهل العلم من يضعفه. فمن رأى تحسين هذا الحديث -وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم تسليمة واحدة- فيثبت هذا الحكم. ومن يرى ضعف هذا الحديث لا يثبت هذا الحكم. والأمر بهذا واسع، وهذا كذلك مما يسع فيه الخلاف، لكن الكل متفق أن أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم على تسليمتين، وليس على تسليمة واحدة، هذا هو أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وأحيانًا -بل نادرًا- بل بعضهم قال: لم يثبت إلا مرة واحدة أنه سلم تسليمة واحدة عن يمينه، أخفض صوته وأقصر بتسليمه، يعني التفاته ليست التفاته كاملة، نصف التفاته، وكذلك نصف تسليمة: «السلام عليكم» ليس به «السلام عليكم ورحمة الله». يقول: ما حكم من يصلي صلاة الضحى ركعتان بعد الشروق وركعتان في منتصف النهار؟ الصحيح أنه لا يوجد صلاة تسمى صلاة الشروق، ولا يجوز الصلاة وقت الشروق؛ فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاث صلوات: صلاة عند غروب الشمس، وصلاة عند شروقها، وصلاة عند زوالها، فهذه الأوقات الثلاثة أوقات كراهة، بل نص عدد من أهل العلم -لما ورد من أدلة- أن وقت الإشراق ووقت الغروب يعتبر وقت تحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه هذه الصلاة بفعل المشركين. فلهذا نص بعض أهل العلم أن هذا من المحرمات، بل نص بعضهم أنه من الكبائر؛ فمن معاني الكبائر أنها ما شبهت بأفعال المشركين، ما شبهت بأفعال المشركين، فلا يجوز الصلاة وقت الإشراق ولا وقت الغروب. ولكن إذا ارتفعت قدر رمح -يعني أكثر من خمس دقائق إلى عشر دقائق- جاز له أن يصلي، وهذه الصلاة هي صلاة الضحى في أول النهار. ويبتدئ وقت صلاة الضحى من أول النهار بعد الشروق بقدر عشر دقائق أو حولها إلى قبل الظهر. وأفضلها حين ترمض الفصال أو في أول النهار أو في أول النهار، هذان وقتان مشهوران، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على الصلاة فيهما من قوله ومن فعله عليه الصلاة والسلام. فإذا صلى في أول النهار فأفضله أربع ركعات وأقله ركعتان. وإذا صلى في آخر النهار حين ترمض الفصال -ترمض الفصال يعني صغار الإبل تبتعد وتهرب من الشمس وتحتمي بالظل- حتى إذا لم يكن ظل لمن عاش في البادية يرى أن هذه الصغار تقف في ظل أمهاتها تحتها في ظل الأمهات، هذا الوقت هو وقت الذي هو أفضل وقت لصلاة الضحى، فيصليها أربعًا أو ثمانيًا أو ركعتين على حسب ما يتيسر له، والأمر واسع في هذا. وإذا كان في المسجد جلس من بعد صلاة الفجر، فأقله يصلي ركعتين؛ كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تسمية ذلك أنها تكتب له فيمن رابط ولزم ذلك أجر عمرة تامة تامة تامة، والحديث مختلف فيه، والراجح: حديث حسن، فمن تيسر له هذا فلا يحرم نفسه من أجر هذه الصلاة. يقول: ما حكم اتخاذ الكتب سترة يصلي إليها؟ هذا لا يجوز، وليس هذا من احترام العلم، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، لا يجوز اتخاذ الكتاب سترة. لكن إذا كان الكتاب موضوعًا على كرسي المصحف أو كرسي القراءة، فلا بأس. على القاعدة: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فأنت كرسي الذي هو كرسي القراءة أو كرسي المصحف أو كان الكتاب أو المصحف موضوعًا على كرسي، فلا بأس. أما أن تجعل الكتاب نفسه سترة، فلا، هذا من إهانة العلم وذكر الله عز وجل الذي فيه. يقول: بعض الناس إذا دخل المسجد يجلس على كرسي ويقول: هو ليس بجلوس. الأصل لا يجلس الإنسان إلا أن يصلي ركعتين؛ لحديث أبي قتادة في الصحيح: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلًا دخل يوم الجمعة فجلس، أوقف خطبته، وقال للرجل: «أصليت؟» قال: لا، قال: «قم فصلي ركعتين وتجوز فيهما». فدل على أن الأصل صلاة ركعتين، وذهب جماعة من أهل العلم أن الركعتين واجبتان، فيجب أن يصلي من دخل إلى المسجد ركعتين، ولا يجوز له الجلوس من دونهما. ومن أهل العلم قال: سنة مؤكدة، لا ينبغي كذلك لمن تيسر له أن يتركها. وعلى كلا القولين لا ينبغي للمسلم أن يترك هذه الصلاة، بل ينبغي أن يحرص عليها. ولم يستثنى من ذلك إلا ما استثنى بالدليل، وقد استثنى الدليل أحوالًا خاصة لا تتعدى هذه الأحوال، فمن جلس للخطبة ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس ولا يصلي ركعتين، وهذا مما يستثنى كيف استثنين هذا بالدليل: حديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ابن عباس وابن الزبير وغيرها من الأحاديث أخرى. وكذلك الجلوس للتعليم يعلم الناس، فإذا كان الناس ينتظرون مجلس العلم، فانتظار الناس للمعلم جعل المعلم يجلس فيعلم الناس، فهذا من باب تقديم المصرحة الأنفع والأعظم، فهو يجلس لأجل التعليم. أما من يجلس لغير التعليم، فهذا لا يجد لنفسه رخصة، أين الرخصة في أن من يدخل إلى المسجد فيجلس على كرسي؟ يستثنى لا يوجد دليل، إنما الدليل استثنى من يجلس لأجل التعليم. وهذا هو الصحيح، وهو فتوى عدد من مشايخنا الذين يرون أن تحية المسجد واجبة، ومع ذلك استثنوا من يجلس للتعليم -كشيخنا مقبل رحمه الله تعالى- فكان يرى أن تحية المسجد واجبة، ومع ذلك يستثنى مجلس التعليم؛ فإنه يجوز أن يجلس لفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده -رضي الله عنهم ورضاهم-. أو كذلك من كان عنده مانع، فمن كان عنده مانع فالمشقة تجلب التيسير، مثل الصحابة الذين كانوا يسكنون المسجد، فيشق عليهم كلما دخلوا إلى المسجد صلوا ركعتين، وهم أحيانًا على غير طهارة. وهنا المشقة تجلب التيسير؛ لأن المسجد صار بالنسبة له كالبيت، المسجد صار بالنسبة له كالبيت. فإن كان يستطيع أن يتوضأ فهذا أفضل وأكمل، وإن كان لا يستطيع أو يشق عليه -خصوصًا في ذاك الزمان- كان الماء ليس بالأمر السهل، يحتاج أحدهم أن يتوضأ إلى بئر بعيدًا عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما جاء في حديث أنس وغيره: «أنه جاء إلى المسجد فتذكر أن عليه وهو فراح إلى البئر فتوضأ ورجع، ولا يزال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة، فسألوه: كم قدرت هذا؟» قال: «قدر ثلاثين آية»، يعني تقريبًا حدود الصفحة إلى الورقة من القرآن، كان هذا بصلاة الظهر والعصر. ومعنى أن الوضوء ليس مثل اليوم داخل المسجد تتوضأ، يذهب ويغترف من البئر ويتوضأ ثم يرجع إلى المسجد، ففيه مشقة بالنسبة لمن يسكن في المسجد، فالمشقة تجلب التيسير. وهل مثله بالنسبة للمعتكف؟ اختلف أهل العلم في هذا، والصحيح أن المعتكف إذا كان في الوضوء بالنسبة له مشقة فلا بأس، المشقة تجلب التيسير، فهذا من هذا الباب -والله أعلم-، والمسألة فيها خلاف. يقول: هل يشرع للمسلم أن يصلي الاستخارة بشكل يومي عند ذهابه إلى العمل، ويكون في استخارته دعاء شامل في كل عمله الذي يواجهه يوميًا؟ الاستخارة إنما تكون فيما يحتاج إلى الاستخارة فيه، وأما فعله على وجه يومي يخشى أن يدخل في باب الوسواس، فتصير حياته كلها شكوك ووسواس، فيحتاج أن يستخدم يوميًا، وهذا خطأ. أما إذا وجد سبب ينتظر فرج الله سبحانه وتعالى فيه، فلا بأس أن يكرر الاستخارة حتى ينفرج عنه ما هو فيه. وفرق بين المثالين -والله أعلم-. يقول: هل يجوز الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب؟ لأنه قد جاء عن الإمام الألباني رحمه الله أن نهي عن هذا مع بيان الدليل والتعليل. نعم، كما ذكرت: الشيخ الألباني رحمه الله يحسن حديثًا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتباء يوم الجمعة. والصحيح أن الحديث لم يصح، ولهذا أبواب البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الجمعة وفي كتاب المساجد: «باب الاحتباء في المسجد»، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين احتبى في المسجد حين آلى نساؤه عليه الصلاة والسلام. فدل هذا على جواز الاحتباء في المسجد، واستدل العلماء بهذا على جواز التشبيك، واستدل غيره به على الاحتباء؛ لأنه جاء ببعض الروايات: «الاحتباء». فالشاهد: الاحتباء لم يرد في النهي عنه على الصحيح شيء صحيح صريح. وإذا تركه الإنسان خشية أن يفقد الطهارة؛ لأن جلوس المحتفي مظنة فقد الطهارة، خصوصًا لمن جاء إلى الخطبة وهو متعب يوم الجمعة، فإنه قد ينعس في انتظاره، والعينان وكاء السهل، إذا نامت العينان انفتح الوكاء. وكون الإنسان يجلس متربعًا هذا أضمن وأوكد في حفظ طهارته. ولهذا كره بعض العلماء -من جهة المعنى ومن جهة هذا التعليم- نهوا عن الاحتباء يوم الجمعة. فإن كان هناك شيء فيكون من هذا الباب. وأما الحديث فمختلف فيه كما تقدم معنا، وهذا من المسائل التي يسع فيها الخلاف، والأمر واسع إن شاء الله، فلا ينكر هذا على هذا ولا هذا على هذا، والأمر سهل. يقول: إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يتلفظ بلسانه، هل يقع الطلاق؟ الجواب: لا يقع الطلاق؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: حديث أبي هريرة، وجاء معناه عن غيره: «أنه لا يكتب للعبد ما لم يعمل أو يتكلم»، فالعبرة فيما يكتب على العبد ما كان من كلام أو عمل. وأما ما يكون في القلب، فهذا مما عفى الله عز وجل عنه رحمة منه سبحانه وتعالى ورفقًا بعباده، فلا يفتح لنفسه باب الوسواس. والطلاق إنما يقع باللفظ أو ما كان بمعناه من كنايات الأقوال والأفعال إذا كانت معها نية الطلاق أو دل العرف على كونه طلاقًا. يقول: هل يجوز قول: «يُساتر»؟ الصحيح أن الساتر ليس من أسماء الله، بل اسم الله الستير. وأما ساتر فلا يذكر على أنه اسم، وإن ذكر من باب الإخبار، فهذا أمر آخر، فيتوسع في باب الأخبار ما لا يتوسع في باب الأسماء والصفات. وباب الأخبار أن تذكر على وجه الصفات، يعني تصف الجمل أو ما قبلها من أسماء. يقول: هل من نصيحة لنا جميعًا في تعظيم الأوقات؟ فإن كثيرًا منا ينشغل بالجوال في المسجد، وفي البيع والشراء في أوقات الدروس العامة، فهل من نصيحة أو توجيه؟ الوقت هو عمر الإنسان، وليس للإنسان إلا عمره واحد، فلا ينبغي للإنسان أن