أخلاق أهل القرآن  10

أخلاق أهل القرآن 10

الدرس في أخلاق أهل القرآن 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أثر القرآن على أخلاق حامله عند المصائب

يتحدث الشيخ عن أثر القرآن على أخلاق حامله عند المصائب، موضحًا كيفية التصرف الصحيح وفقًا للشريعة. يشرح كيفية الحزن والصبر والبكاء بطريقة صحيحة مستندًا إلى القرآن والسنة.

أهمية العلم في العبادات والمعاملات

يؤكد الشيخ على أهمية العلم في أداء العبادات والمعاملات بشكل صحيح، حيث يميز بين النافع والضار ويضبط الأمور. يشير إلى أن العلم يلعب دورًا حاسمًا في أداء العبادات بشكل صحيح.

تأديب المسلم بأدب الكتاب والسنة

ينبغي للمسلم أن يتأدب بأدب الكتاب والسنة في كل شيء، ويحرص على العلم في كل فعل يقوم به. العلم يرشد إلى كل خير ويساعد على أداء العبادات والمعاملات بشكل صحيح.

ختام الدرس والتأكيد على العلم الإلهي

يتم ختام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه، والتأكيد على العلم الإلهي، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشدد على أهمية العلم والعمل به.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق أهل القرآن للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس العاشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو الدرس العاشر من دروسنا في القراءة والتعليق في كتاب أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري رحمه الله تعالى. ومر معنا في الدرس الماضي ما ذكره رحمه الله تعالى من أخلاق أهل القرآن والعمل به، التي هي من لوازم ما ينبغي أن يتحلى به حامل القرآن. ومن وفقه الله سبحانه وتعالى لتدبره، فإنه يظهر ذلك في خلقه وقوله وفعله ومواقفه، وفي كل حركة وسكنة له. ومن ذلك ما ذكره رحمه الله فيما مر معنا من آداب وأخلاق تتعلق بأداء حامل القرآن لحق الله سبحانه وتعالى، وحق المخلوقين، ومن أول المخلوقين حقًا حق الوالدين، ثم الأقرب فالأقرب. وهكذا كذلك ما ينبغي أن يكون عليه في خلطته لغيره، وفي تعليمه، وفي سائر أحواله وأموره. ثم استطرد وذكر شيئًا من ذلك كذلك، وكل هذا من باب التأكيد والتنبيه على هذه التفاصيل التي قد يشرد عنها الذهن، وقد يغفل عنها الإنسان، ولكن بالتذكير بها يحصل المقصود من التعليم والتنبيه. وهذه الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها حامل القرآن، قال رحمه الله تعالى: «إن أصيب بنصيبة، فالقرآن والسنة له مؤدبان، يحزن بعلم، ويبكي بعلم، ويصبر بعلم، وينظر بعلم، ويصلي بعلم، ويزكي بعلم، ويتصدق بعلم، ويصوم بعلم، ويحج بعلم، ويجاهد بعلم، ويكتسب بعلم، وينفق بعلم، وينبسط في الأمور بعلم، وينقبض عنها بعلم، قد أدبه القرآن والسنة». كذلك من حسن أثر القرآن على صاحبه، إن هو أحسن فيه بحسن تدبره، وأخذه للعلم منه، فإنه يتأدب بأدب القرآن والسنة. ومن ذلك أنه إذا أصيب بمصيبة، فإنه يتأدب بأدب القرآن والسنة عند المصيبة، كما بسط ذلك أهل العلم في كتب الحديث والفقه والآداب، من تفاصيل الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، فضلًا أن طالب العلم حامل القرآن. فإذا أصيب العبد بمصيبة، قال: «إن لله وإن إليه راجعون»، كما أمر الله سبحانه وتعالى، وعلم في كتابه. وهكذا يقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، كما جاء في حديث ابن عباس في البخاري وغيره، «حسبنا الله ونعم الوكيل»، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قال له الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم». وهكذا غيرها من الآداب. ومن ذلك أن لا يضرب الخدود، ولا يشق الجيوب، ولا يدعو بدعوة الجاهلية، ولا يظهر منه قول أو فعل فيه التسخط وعدم الرضا بقضاء الله وقدره، بل يقول: «الحمد لله على قضاء الله وقدره»، ويعلم أن ما اختاره الله له خير مما يختاره لنفسه، وغير ذلك من الأداب. فبالقرآن والسنة يتأدب الأدب الصحيح، لأن الإنسان قد يقول: «أنا مسلم، وأنا بفضل الله وفقني الله لطلب العلم»، ولكن في الحقيقة لم يعمل بحقيقة الإسلام، لأن الإسلام الاستسلام لله عز وجل في قولك وفعلك، وظاهرك وباطنك، في إقدامك وإحجامك، كل أمورك مقيدة ومرتبطة وموزونة بميزان الإسلام الذي هو القرآن والسنة. وهكذا قوله رحمه الله: «يحزن بعلم»، حزنه بعلم، بمعنى لا إفراط ولا تفريط، لا يقبط كل حزن فيكون سببًا للأمراض والأسقام، ولا يسترسل مع عواطفه في الحزن، فيدعوه ذلك إلى التسخط القولي والفعلي. ولهذا كان حزن النبي صلى الله عليه وسلم حين أصيب في مصيبة موت ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أنه دمعت عينه، فدمع العين مما أذن به الشرع، وهو من الحزن الذي فطر عليه الإنسان، وفي نفس الوقت لا ينافي الصبر عند البلاء. لكن رفع الصوت والجزع والدعاء، وكل تصرف قولي أو فعلي فيه معنى عدم الرضا بهذا البلاء والقضاء، فهو منافي للحزن الصحيح. لا يقول إنسان: «أنا حزين»، إذن ماذا يعتزل الناس، يحرم على نفسه ما أحله الله، وغير ذلك من التصرفات التي تصرفها الكثير من الناس بجهل. لكن إذا وزن بميزان العلم، ميزان الكتاب والسنة، فإنه يحزن الحزن الصحيح الذي ليس به إفراط ولا تفريط. وهكذا البكاء، يبكي بدمع العين لا بالصوت، لا بالدعاء بالويل والثبور، لا بشق ثياب وضرب الخدود ونتف الشعر، وغير ذلك من التصرفات الخاطئة، فلا إفراط ولا تفريط. وهكذا قوله رحمه الله: «يصبر بعلم»، صبره كذلك بعلم، بمعنى ليس يصبر على حساب شرع الله سبحانه وتعالى، أمره ونهيه، ولا مثلًا إذا أصيب بداء ومرض يصبر حتى يهلكه الداء والمرض، لا يصبر مع الأخذ بالأسباب. ما أنزل الله عز وجل من داء إلا وأنزل الله له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله. فإذا الصبر يوزن بميزان العلم، صبر مع الأخذ بالأسباب، إن كان داء عالج هذا الداء، فإن جاء الشفاء فالحمد لله، وإن لم يأت الشفاء فيصبر ويحتسب، ويعلم أن الخير فيما اختاره الله له. إن جاء الشفاء والعافية في الدنيا، أو هو خير اكتنزه واختزنه له ربه سبحانه وتعالى، ليرفع درجته ويكفر سيئته في الآخرة، كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أنه قال: «إن الله يرفع العبد الدرجة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه». إذن قد يبتليك الله عز وجل، فتأخذ بالأسباب لرفع البلاء، ولكن لا تجد ذلك، ولا يتيسر ذلك، فهو حكم من الله، يكفر عنك من سيئاتك، ويرفع من درجاتك، بل ويرفعك درجة لا تستطيع أن تصل إليها بعملك، ولكن بهذا البلاء الذي ابتلاك الله عز وجل به. فإذن احمد الله عز وجل في السراء وفي الضراء، وزن أقوالك وأفعالك ومواقفك بالتصرف والموقف الصحيح. ومن ذلك أن تصبر بعلم، وهذا مثال لمعنى الصبر بعلم، أنك تصبر مع الأخذ بالأسباب، إذا كان بلاء ترفع البلاء وتحاول، فإذا رفع الحمد لله، توفيق من الله، لا بفضلك ولا بقوتك، ولا بحولك، ولا بحول أحد من خلق الله، ولكنه فضل من الله. حتى لو عانك أحد، فهو مسخر من عند الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك لا يمنع أن تشكره، من لم يشكر الناس لم يشكر الله، ولكن لا يتعلق قلبك بنفسك، ولا بالمخلوقين، بل يتعلق قلبك دائمًا أبدًا بالله العلي العظيم سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «وينظر بعلم»، يعني أن من وفقه الله لعلم القرآن والسنة، حتى النظر والسمع وسائر الجوارح، يزنها بميزان العلم، فينظر للحلال، ويحجز نظره عن الحرام، ينظر إلى ما ينفع، ويحفظ نظره عما يضر. وهكذا يسمع ما ينفع، ويحفظ سمعه عما يضر، وعما يحرم، وغير ذلك مما لا يخفى. فبالعلم تميز بين النافع والضار، وتميز موضع الإقدام من الإحجام، وتميز كذلك الوقت، حتى النافع إذا كان في غير وقته، فهو قد يكون إثمًا، وقد يكون خلاف الأفضل. مثلًا أراد الإنسان أن يقرأ القرآن على حساب إجابة صلاة الجماعة، فنقول له: «أخطأت، صلاة الجماعة واجبة، وقراءة القرآن مستحبة، فلا تضيع صلاة الجماعة عن قراءة القرآن»، حتى الصلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، المكتوبة مقدمة على النافع، فضلًا عن القرآن. فلذلك العلم يضبط لك أمورك كلها، ولهذا قال بعده: «ويصلي بعلم»، يعني يحرف متى يصلي، فيقدم الفرائض، ثم يتبع النوافل، ويراعي الرواتب، ثم الأهم فالأهم، ويراعي أوقات النهي من غير أوقات النهي. وهكذا كل شيء بميزان العلم يوضع في موضعه الذي يكون به كماله وتمامه، حتى كيفية الصلاة، فإنه بالعلم يصلي الصلاة الصحيحة. لهذا قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث مالك بنج الحويرث في صحيح مسلم وغيره: «صلوا كما رأيتموني أصلي». إذن أنت يا أيها المسلم، فضلًا عنك يا طالب العلم، تحتاج أن تعتني بالعلم الذي روي في صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى تصلي كما صلى. كيف يمكنك أن تصلي كما صلى عليه الصلاة والسلام، وأن تجاهل بما روي؟ ولذلك ألف العلماء في الصلاة كتبًا، ككتاب تعظيم قدر الصلاة للذهبي رحمه الله، وهكذا من كتب المشايخ المعاصرين، الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»، وهكذا الشيخ ابن باز رحمه الله، له «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»، وغيرهم من أهل العلم. فأنت تقرأ مثل هذه الكتب، وتعتني بالأدلة، وتحاول أن تعمل بما بلاغك من هذا العلم. وهكذا قوله هو: «يزكي بعلم»، كذلك الزكاة، سواء زكاة المال أو زكاة النفس والأعمال، فأنت بعلمك تضع كل شيء بموضعه الصحيح. تعرف كيف يمكنك أن تزكي، ولمن تزكي، وفي أي وقت تزكي، ومتى يجب عليك أو تجب عليك الزكاة، وعلى من تجب الزكاة، وغير ذلك من التفاصيل الكثيرة التي تتعلق بأحكام الزكاة. وهكذا كذلك تزكية النفس والأعمال، كل ذلك يحتاج منك أن تفتش في العلم، علم الكتاب والسنة، ما تضع كل مسألة في موضعها الصحيح. وبغير العلم أنت تتخبط. وهكذا قوله: «وينفق بعلم»، كذلك الإنفاق، كم من الناس أرادوا الخير فلم يدركوه بالجهل وحرمان العلم، لكن بالعلم أنت تستطيع أن تضع كل شيء في موضعه الصحيح، حتى النفقة. ولذلك تجدون بعض الناس المساكين المحرومين، عنده أموال كثيرة، ولكنه لا يوفق بالنفقة التي تنفعه بالدنيا والآخرة. هذا يعطي الفنانين، وذاك المغنين، وذاك لاعبي الكرة، وذاك يضعها في الله، وغير ذلك، ويحرم أبواب الخير والبر الصحيحة النافعة، التي ينفع الله بها في الدنيا وفي الآخرة. بل النافع درجات، فهناك المتعدي، وهناك غير المتعدي، وأنت بالعلم تستطيع أن تعرف موضع كل نفقة يحبها الله سبحانه وتعالى، متى الوقت التي يحبها الله، ومتى هي أنفع. قال رحمه الله تعالى: «وينبسط في الأمور بعلم، وينقبض عنها بعلم، قد أدبه القرآن والسنة». وهكذا كل شيء تنبسط فيه، يعني تتوسع بعلم، وتنقبض بعلم. فمعاملتك لإخوانك، مواضع الانبساط بالعلم تستطيع أن تعرفها، ومواضع الانقباض بعلم تستطيع أن تعرفها. فإذا خاضوا في شيء فيه تعاون عن البر والتقوى، انبسطت وشاركت وسابقت ونافست فيه. وإذا كان شيء مما لا ينفع، وقد يضر، فضلًا عن الإثم، فإنك تنقبض وتنسحب وتبتعد، ولا تخالط الجاهلين والجهل درجات، حتى المحسن قد يجهل، فإذا جهل فلا تشاركه في جهله، تنقبض إذا استطعت أن تنصحه، وإلا فانقبض إلى أن يأتي الوقت المناسب، فتنصحه. لما أقبل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شرب الخمر قبل تحريمها، فأقبل على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ما قال، رجع النبي صلى الله عليه وسلم القهقرى، فركه وانقبض عنه، لأن الوقت ليس مناسبًا أن يخوض معه في شيء. وهكذا قل فيما كان بمعناه، تقبل وتنبسط في الخير والتعاون عليه، وتنقبض وتنسحب وتبتعد فيما هو ليس كذلك. ومن ذلك الفتن، إذا أقبلت فأنت تبتعد عنها، تتقاعص وتتباعد منها. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي». والمعنى أن الإنسان ينقبض عن هذه الفتن. قال رحمه الله تعالى: «يتصفح القرآن ليؤدب به نفسه»، هذا هو الغرض الذي ينبغي أن تحرص عليه، وهو من معاني تدبر القرآن والعمل به. ومعانيه كثيرة. قال: «ولا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله عز وجل عليه بجهل، قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير». ومعناه لا ترضى أن تؤدي أي شيء فرضه الله عز وجل عليك بجهل. فرض الله عز وجل عليك الصلاة، إذن تعلم كيف تصلي بأدلة الكتاب والسنة. فرض الله عز وجل عليك الزكاة، الزكاة تعلم كيف تؤدي الزكاة كما يحب الله ويرضى بأدلة الكتاب والسنة. وهكذا الصوم، وهكذا الحج، وهكذا كل شيء عام وخاص، برك لوالديك، تربيتك لأولادك، معاملتك لزوجتك، معاملة المرأة لزوجها، حتى التاجر في تجارته، والعامل مع رب العمل، وكل معاملة ينبغي أن تتأدب بأدب الكتاب والسنة. حتى مع الحيوان، حتى مع الشجر، حتى مع الحجر، هناك آدابًا ينبغي للمسلم، فضلًا عن طالب العلم، أن يتعلمها ويتأدب بها. ولهذا قال رحمه الله: «ولا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله عز وجل عليه بجهل»، يعني احرص على العلم في كل شيء. كما قال بعض الأئمة: «روي عن البخاري وغيره: إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بعلم فافعل». والمعنى احرص على أن تقرأ وتسأل في كل شيء كيف تفعله بعلم. فحك الرأس بعلم، على سبيل المثال، فأنت تحك في غير الصلاة، ليس كما تفعل في الصلاة. وهكذا كذلك حين تتكلم مع الآخرين، ليس حين تكون وحدك، وغير ذلك من الآداب التي نبه عليها العلماء. قال رحمه الله تعالى: «قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير»، معناه يرشده. فأنت تسترشد دائمًا بالعلم، ليدلك على كل خير، حتى ما علمت تعيد النظر فيه، لتؤديه على أكمل وجوهه وأرفعها. فلا مانع إذا كنت ممن أعطاك الله عز وجل العلم، أن تعيد النظر في وقت أدائه ما تريد أدائه إلى العلم. مثلًا أنت درست كتاب الحج، فأردت أن تحج، لا تعتمد على العلم السابق، اقرأ من جديد وتفقه من جديد، واجعل زادك في حجك مع الزاد الحسي، الزاد المعنوي التقوى والعلم. يكون عندك من صوتيات ومن كتب أهل العلم، ما يعينك في كل مرحلة من مراحل الحج، وكل يوم من أيامه، وكل فعل من أفعاله، ما يعينك على أدائه على أكمل وجوهه. فإذا أشكل عليك شيء، كذلك سألت أهل العلم. وهكذا قل في كل ما يمر بك في حياتك. فأنت تمرر العلم وتجعله مرشدًا لك، ودليل يدلك ويصلك إلى الخير على أكمل وجوهه وأتمه. طيب نكتفي اليوم بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طيب ننظر الآن إلى ما تيسر من الأسئلة. هذا السائل يسأل، يقول: «عنده خروف، وفي قرنه عيب، هل يصلح أن يضحي به؟» الجواب: الأفضل أن تؤدي أضحية كاملة الصفات، وإذا نقص في الصفات، فهناك من الصفات ما يضر بالكمال، ومنها ما يضر بالإجزاء. فالنقص في القرن على الوجه الذي ذكر السائل، لا يضر بالإجزاء، ولكن يضر بالكمال. يضر بالكمال، فالأفضل له والأكمل أن يأخذ الصفات الكاملة. ولكن مثل هذا الشيء اليسير لا يضر. فمثلًا يعتني بالسن، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم: «لا تذبحوا إلا مسنة»، فيحرص على السن. ومع ذلك إذا نقصت بعض الصفات فلا يضر، لكن الأفضل والأكمل أن تكون الأضحية كاملة الصفات. ففي حديث أنس بالصحيحين: «ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر». انظر إلى هذه الصفات: «كبشين أملحين أقرنين»، ومعناه كاملة الصفات. والذي لا يجزئ هو ما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكبير التي لا تنقي». وألحق بها بعض العلماء ما كان بمعناها من الصفات التي تنقص وصف الأضحية، فلا تجزئ من باب أولى. فإذا كانت العوراء لا تجزئ، فالعمياء من باب أولى، وإذا كانت العرجاء البين ضلعها لا تجزئ، فالكسحاء من باب أولى. وهكذا. فإذن ينبغي أن نفرق بين الصفات الكمال والصفات الإجزاء، على تفاصيل معروفة مذكورة في كتب الفقه والحديث، بيّنتها الأدلة الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبيّنها العلماء من باب التفصيل والتأكيد. طيب يقول السائل: يسأل هذا السائل عن حكم العدسات اللاصقة للنساء التي تستخدم للزينة. الجواب: إذا كانت العدسات اللاصقة للنظر، فهذا من الأمور المباحة، ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، بشرط أن لا يضر، وينبغي أن يعتني الذي يستخدم العدسات اللاصقة، ذكرًا أو كان أو أنثى، للعلاج والنظر، أن يعتني بالجودة التي لا تضر معه. وفي الأوقات والشروط المذكورة باستخدام العدسات اللاصقة، أهل النظر. أما ما كانت للزينة للرجال أو للنساء، كالملونة وغيرها، لتزيين ألوان العين، فالعلماء اختلفوا في مثل هذا. فمنهم من منعه، وأدخل المنع في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل خلق الله حسن»، يعني لا تغير، فكيف بالمغير لغير علة؟ وبعضها للعلم أباحه، على أصل الإباحة في مثل هذه العادات والمعاملات والأمور المستحدثة، ما لم تخالف الشرع. فباختصار، الأحوط اجتنابه، وإن استعملته بعض النساء للزينة على وجه لا يضر، وبين النساء، وهذا للأسف لا يقع إلا أندر من النادر. فبعضها للعلم أجاز مثل هذا، وإلا فالأحوط والأكمل أن تقنع المرأة، فضلًا عن الرجل، بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، ولا حاجة للتوسع بمثل هذه الأمور التي فيها إضاعة للمال، وفيها إضاعة للوقت، وربما يدخل الضرر مع ما فيه من الفتنة والكذب. وفي حديث أسماء: «المتلبس بما لم يعط كلابس ثوبي زور». والله والله المستعان. طيب هذا سائل كذلك يسأل، يقول: «ما حكم استعمال الحبوب لمنع الدورة لأجل الصيام أو الحج؟» الجواب: اختلف أهل العلم في هذه المسألة، والأحوط على المرأة أن لا تستخدمها، وهذه فتوى شيخنا محمد صالح بن عثيمين رحمه الله، وأن تبقى على ما فطرها الله عز وجل عليه. لكن بعض العلماء أجازه للضرورة، خصوصًا في الحج، إذا خشيت أن يضايق وقت حجها، وتخشى أن لا تطوف طواف الحج، ويذهب رفقتها، أو كانت رحلتها رحلة الرجوع، يضيق وقتها مع وقت أداء طواف الحج، إذ سيأتي حيضها في ذاك الوقت. فهنا للضرورة أجاز بعض أهل العلم في مثل هذه الحالة أن تأخذ الحبوب لأجل أن لا يفسد حجها، فالضرورات تبيح المحظورات، فضلًا عما هو مشتبه. وهذه المسألة من الأمور المشتبهة، فاجتنابها أولى. فإذا كانت ضرورة فلا بأس باستعمالها، وإلا ففي الأصل: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا القدر هذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.