الدرس في أخلاق أهل القرآن 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الدرس أهمية العمل بالقرآن وعدم الاكتفاء بتلاوته، ويبرز ضرورة تقوى الله وطلب العلم في حياة حامل القرآن. يُشدد على أن تلاوة القرآن يجب أن تُترجم إلى عمل وتقوى.
يصف المقطع صفات المتقين وأخلاقهم مثل الورع، وحفظ اللسان، واجتناب المعاصي، والتواضع. يُبرز أهمية هذه الصفات في حياة حامل القرآن.
يتناول المقطع آداب حامل القرآن مثل الغبطة بعلم، والعمل بالقرآن والسنة، وعدم استخدام القرآن للتكسب. يشدد على أهمية التواضع وعدم الكبر.
يُناقش المقطع حكم تصوير الكتب للاستفادة العلمية، ويشير إلى جوازه إذا كان القصد هو اغتناء العلم وليس التجارة، مستندًا إلى فتوى الشيخ العثيمين.
يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق أهل القرآن للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس الثامن. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو الدرس الثامن من دروسنا وقراءتنا في كتاب أخلاق حملة القرآن للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله رحمة واسعة. قال رحمه الله تعالى: «باب ذكر أخلاق أهل القرآن»، أي هذا مدخل لمعرفة أخلاق أهل القرآن وذكرهم. قال رحمه الله تعالى: «قال محمد بن الحسين -وهو الأجري- والقال الأراوي: ينبغي لمن علمه الله القرآن وفضله على غيره ممن لم يحمله كتابه، وأحب أن يكون من أهل القرآن وأهل الله وخاصته، وممن وعده الله من الفضل العظيم مما تقدم ذكرنا له، وممن قال الله عز وجل: ﴿يَثْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، قيل في التفسير: يعملون به حق عمله». والمعنى كما تقدم: لا يكتفي حامل القرآن بالذكر الظاهر وبذكر اللسان، ولكن عليه أن يعمل بما يقرأ وما يتلو، ولا يعني ذلك إهمال حسن التلاوة، ﴿يَثْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ بأداء ألفاظه وحروفه، وكذلك ما يتبع ذلك من العمل به، لأن تلاوته باللسان ذكر لله عز وجل، وفيه أجر عظيم كما تقدم، ولكن لا يقف الأمر عند التلاوة، بل لا بد من العمل، ولهذا كان من معاني وتفسير حق التلاوة العمل به، لأن التلاوة الحقة هي التي تقتضي إيمانًا متضمنًا لعمل، فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، فلا بد أن يرتبط أمر التلاوة بالعمل. قال رحمه الله تعالى: «ومما قال -وممن قال- أي بهذا القول، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران»». والحديث في الصحيحين، الحديث المشهور الصحيح، والمقصود منه أن تلاوة القرآن والإحسان بتلاوته فيه فضل أجر عظيم، فيجعل الله صاحبه مع الكرام السفراء، أي الملائكة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق -يعني ما زال في بداية التعلم يجد مشقة في التلاوة- فله أجران: أجر التلاوة والتعتعة كما جاء بالحديث، ولكن لا يقف أمر التلاوة عنده التلاوة باللفظ واللسان، بل لا بد من العمل الذي يتحقق به الإيمان. قال رحمه الله تعالى: «وقال بشر بن الحارث: سمعت عيسى بن يونس يقول: إذا ختم العبد القرآن قبل الملك بين عينيه». وهذا الأثر كما أشار في التعليق رواه البيهقي من قول حبيب بن أبي عمرة في شعب الإيمان وغيره، ومثل هذا يحتاج إلى دليل. فالمقصود أن تالي القرآن له أجر عظيم، والملائكة تحتفي به، وقد تقدم معنا بعض الأحاديث والآثار المروية في هذا. قال: «فينبغي له أن يجعل القرآن ربيعًا لقلبه، يعمر به ما خرب من قلبه»، وهذا لا يكون إلا بإيمان تحقق معه تقوى، ويصدق هذا الإيمان ويبرهن هذه التلاوة بالعمل. قال: «ويتأدب بآداب القرآن، ويتخلق بأخلاق شريفة تبين بها عن سائر الناس»، يعني تفترق وتختلف عن سائر الناس ممن لا يقرأ القرآن، وهذا هو الذي ينبغي أن يعرف حامل القرآن وتالي القرآن أنه ينبغي أن يختلف عن الناس، فالقرآن لا بد أن يهذبه ويصلحه. قال: «فأول ما ينبغي له أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية، ومن اتقى الله حق التقوى أكرمه الله في الدنيا والآخرة ووفقه وأعانه، ومن ذلك طلب العلم وتحصيله والوصول إلى أعلى مراتبه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، ليس معنى تقوى الله أن تتقي الله وتترك طلب العلم، لا تعمل بالأسباب، فإذا عملت بالأسباب واتقيت الله أعانك الله وبارك لك في هذه الأسباب ولو كانت يسيرة وقليلة، ولكن لا بد من الجد والاجتهاد كذلك». قال: «باستعمال الورع في مطعمه»، يعني من معاني التقوى، وإلا فالتقوى كلمة تشمل كل الدين، تشمل أعمال القلب واللسان وسائر الجوارح. قال رحمه الله: «وقال: فأول ما ينبغي له أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية باستعمال الورع في مطعمه ومشربه ومكسبه وملبسه، ويكون بصيرًا بزمانه وفساد أهله، فهو يحذرهم على دينه، مقبلًا على شأنه، مهمومًا بإصلاح ما فسد من أمره، حافظًا للسانه، مميزًا لكلامه». والمعنى أن يتميز بإصلاح نفسه في المأكل والمشرب، أن لا يأكل ولا يشرب إلا من حلال، ولا يلبس ولا يكسب إلا من حلال، وأن يضعه في الحلال، وأن يكون حاله كله مقبلًا على الطاعة، مستقيمًا على الدين، مهمومًا بإصلاح نفسه وإصلاح ما فسد من أمره وأمر غيره، حافظًا للسانه، وغير ذلك من الخصال التي أشار إلى بعضها رحمه الله. قال: «إن تكلم تكلم بعلم إذا رأى الكلام صوابًا، وإن سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صوابًا»، والمعنى سكوته بالقرآن وبما يدل عليه القرآن والعلم، وكلامه بالقرآن وبما يدل عليه القرآن والعلم، وهذا هو قول الله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، كيف يقول التي أحسن بما أعطاه الله وعلمه في الكتاب والسنة، فبالعلم بالقرآن، بالسنة، بما نقل عن سلف الأمة، يتكلم بعلم أو يسكت بعلم وحلم، فسكوتك بعلم وكلامك بعلم، لأن كل ذلك تزينه بميزان العلم، والعلم هو الكتاب والسنة. قال رحمه الله: «قليل الخوض فيما لا يعنيه، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه»، لما جاء من أدل كثير بالكتاب والسنة، وهذا من العمل بالقرآن والعمل بالعلم أنك تحفظ لسانك، كما جاء في حديث معاذ: «هل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»، والمعنى احفظ لسانك. قال: «يحبس لسانه كحبسه لعدوه ليأمن من شره وسوء عاقبته»، وهذا هو الحق أن ما يضر الناس من ألسنتهم أعظم مما يأتيهم من عدوهم، هذا في الدنيا وفي الآخرة. قال رحمه الله تعالى: «قليل الضحك فيما يضحك منه الناس، لسوء عاقبة الضحك، إن سر بشيء مما يوافق الحق تبسم»، يعني كما كان النبي عليه الصلاة والسلام، كان ضحكه التبسم لا القهقهة. قال: «يكره المزاح خوفًا من اللعب»، يعني لا يتماد فيه حتى لا يقع في اللعب المذموم الذي يميت القلب ويصرف عن طاعة الله، وربما يجر إلى الطريق إلى الله. قال: «فإن مزح قال حقًا، باسط الوجه، طيب الكلام»، هذا هو حال المؤمن الذي يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، يحرص على أن يضبط كل حركة وسكنة وكل عواطفه وأقواله وأفعاله بميزان القرآن والسنة، وبهذا بإذن الله يسلم ويغنم. قال رحمه الله: «لا يمدح نفسه بما فيه، فكيف بما ليس فيه»، ومعناه أنه من عمله بالعلم يحرص غاية الحرص على أن لا يفخر بنفسه ولا يتعالى بها، ولو أعطاه الله شيئًا من الحق والفضل، فلا يمدح نفسه، لأن تزكية النفس مرض، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، فكيف إذا لم يكن فيه، فصار يثني على نفسه أو يعرض بذلك، وهذا إن دل على شيء دل على مرض ونقص، فالواجب على المسلم وطالب العلم على وجه الخصوص أن يجنب نفسه هذا المسلك، فلو أعطاه الله شيئًا تواضع، فيرفعه الله، بينما لو تعالى وضعه الله سبحانه وتعالى. قال: «يحذر نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه»، ومعناه يجاهد نفسه بالتغلب على الهوى واتباع ما يرضي الله سبحانه وتعالى، وأن لا يقع فيما يغضب الله يسخط عليه. قال: «لا يغتاب أحدًا، ولا يحقر أحدًا، ولا يشمت بمصيبة، ولا يبغي على أحد، ولا يحسده، ولا يسيء الظن بأحد إلا بمن يستحق»، والمعنى يجتنب كل هذه المعاصي وما كان بمعناها، ويترفع عن ذلك، وقوله: «ولا يسيء الظن بأحد إلا بمن يستحق»، يعني إذا ظهرت عليه علامات الفسوق والفجور والفساد، فلا ينبغي أن يكون مغفلًا، فيصحب من لا يستحق الصحبة، ويتعامل مع من لا يستحق المعاملة. قال: «يحسد بعلم، ويظن بعلم»، ومعنى الحسد بعلم: الحسد الممدوح، ليس المذموم، ومعناه الغبطة، ليس تمني زوال الخير عن الغير، ولكن معناه طلب الخير الذي وفق إليه الغير دون زوال هذا الخير عن الغير، فهذا من الحسد بعلم الممدوح الذي هو الغبطة، أن تتمنى أن يعطيك الله كما أعطى غيرك، ويعطيك من فضل الآخرة قبل الدنيا، وهكذا يظن إذا كان من البخل، معناه يبخل بما يستحق البخل به من الدين وغيره، لا تتنازل عن دينك، ابخل في التنازل عن دينك لمن يطلب منك نقصانه. قال: «يتكلم بما في الإنسان من عيب بعلم»، يعني إذا استحق الأمر ذلك، سئلت عن رجل تقدم للزواج من أحد في الأمانة، إذا كنت تعرف تنصح، «فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ونحو ذلك مما دل العلم القرآن والسنة على النصيحة للمسلمين فيه. قال: «ويسكت عن حقيقة ما فيه بعلم»، يعني أنت تعلم أشياء، لكن ليس يلزم أن تتكلم بكل ما تعلم، إنما إذا احتيج الكلام تكلمت، تعرف من بعض جيرانك السوء، لا حاجة أن تتكلم عن هذا السوء، لكن إذا رأيت من يلتصق بهم وتخاف أن يضره، نصحت له، دين النصيحة، استشارك أحد نصحت له، ونحو ذلك من مدل العلم على الاستثناء فيه. وهكذا باختصار، طالب العلم والمسلم عمومًا يحرص دائمًا على العمل بالقرآن والسنة، وأن يكون مقصده هو وزن كل أعماله وأقواله بميزان الكتاب والسنة. قال رحمه الله: «قد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن جميل، حافظًا لجميع جوارحه عما نهي عنه، إن مشى مشى بعلم، وإن قعد قعد بعلم، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده، لا يجهل، فإن جهل عليه حلم»، يعني لا يعتدي على أحد، وإن وقع الاعتداء عليه حسا أو معنا عليه بالحلم، هذا هو خلق أهل القرآن. قال: «ولا يظلم، فإن ظلم عفى، ولا يبغي، وإن بغي عليه الصبر، يكظم غيظه ليرضي ربه ويغيظ عدوه، متواضعًا في نفسه، إذا قيل له الحق قبله من صغير أو كبير، يطلب الرفع من الله تعالى لا من المخلوقين، ماقتًا للكبر، خائفًا على نفسه منه». قال: «لا يتأكل بالقرآن»، يعني لا يجعل القرآن سبيلًا للتأكل، لا حسا ولا معنا، «ولا يحب أن تقضي له به الحوائج»، بل كان بعض السلف يغضب إذا قضيت له حاجة لأجل ما عنده من علم أو قرآن. قال رحمه الله تعالى: «ولا يسعى به إلى أبناء الملوك، ولا يجالس به الأغنياء ليكرموه، بل يترفع عن ذلك كله، ويجعل تعاملهم مع الناس بشخصه لا بالقرآن أو العلم الذي يحمله»، هذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه حامل القرآن بحق وصدق. نكتفي هذا اليوم بهذا القدر، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ننظر إلى ما تيسر من الأسئلة ونختصر في ذلك في هذا اليوم. السؤال الأول: يقول السائل: ما حكم الدخول إلى الخلاء بالجوال؟ الجواب: يجوز الدخول به، وإن كان فيه برامج فيه القرآن أو غيره، تغلقها وتحفظ جوالك في جيبك وتدخل حتى لا يضيع عليك، وللعلماء فتاوى في هذا، ومن مشايخنا من يفتي بهذا كشيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغيره من أهل العلم. السؤال الثاني: يقول السائل: كيف نعمل في بعض الألعاب التي يلعبها بعض الأبناء، فإن منعناهم ربما طلبوها بخفية أو ذهبوا إلى غيرنا، وإن سمحنا لهم تمادوا، فربما وقعوا في بعض المحذور؟ الجواب: حاول قدر المستطاع أن تشغلهم بما ينفعهم من العلم و... وغيره، فإن اضطررت فالبرامج النافعة والمفيدة والمباح منها من اللعب ما ليس فيه محذور شرعي. السؤال الثالث: يقول السائل: ما حكم نسخ بعض الكتب التي مكتوب عليها ممنوع من النسخ أو حقوق محفوظة؟ الجواب: إن كان للتجارة فلا يجوز، وإن كان ليس متوفرًا شراءه وأردته لنفسك للعلم فيجوز، وهذا التفصيل هو فتوى شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، حتى لا يحرم الناس العلم بمثل هذه الشروط، فإن وجدته اشتريته، فإن لم تجده وأردت به العلم وأن تغتني العلم ولم تصل إليه إلا بالتصوير أو نحوه فيجوز ذلك لا للتجارة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.