الدرس في أخلاق أهل القرآن 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس أهمية التحلي بأخلاق أهل القرآن واتباع آداب القرآن والسنة في الحياة اليومية، مع التركيز على الرضا بالقليل من الدنيا الحلال والابتعاد عن الحرام والمشبوه. يشدد على أن القرآن والسنة يرشدان إلى أسلوب حياة متوازن ومعتدل.
يتناول هذا الفصل آداب التعامل مع الناس مثل آداب الاستئذان وبر الوالدين وصلة الرحم، ويشير إلى أهمية تطبيق هذه الآداب لتحقيق الخير والتوفيق في مختلف المواقف اليومية.
يناقش هذا الجزء من الدرس أحكام العمل في شركات التقسيط، وضوابط القراءة على المرضى، وحكم الرد على أهل الباطل في وسائل التواصل الاجتماعي، مع التأكيد على أهمية الرجوع إلى أهل العلم في هذه الأمور.
يتضمن هذا الفصل دعاء لله تعالى بالتوفيق والنجاة من الشر، والثناء على الله ورسوله، وطلب الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعكس جانب العبودية والتقرب إلى الله.
يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «أخلاق أهل القرآن» للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس التاسع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي في باب ذكر أخلاق أهل القرآن، مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من صفات وأخلاق أهل القرآن التي ينبغي أن يتحلوا بها، وما زلنا في ذلك، ونتم إن شاء الله ما تيسر في درسي هذا اليوم، الدرس التاسع، والتعليق بما فتح الله عز وجل ويسر جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «إن كسب الناس من الدنيا الكثير بلا فقه ولا بصيرة، كسب هو القليل بفقه وعلم». والمعنى يقنع بما أعطاه الله؛ لأن القرآن يرشده ويدله على الرضا بالقليل ما دام من طريق الحلال، ولا يطمع بالكثير إن كان من غير الحلال أو المشبوه. وهذا هو معنى قول رحمه الله: «إن كسب الناس من الدنيا الكثير بلا فقه ولا بصيرة». ومعنى يأخذ منها هنا وها هنا، لا يبالون أمن حلال أو من حرام؛ فالفقه والبصيرة بها يميز من وفقه الله بين النافع والضار، وبين الحلال من الحرام. فالمقصود أن حامل القرآن ينبغي أن يتخلق ويتحلى بأخلاق أهل القرآن، ويحرص على أن يكون القرآن مرشده، ولو نقص منه شيء من الدنيا؛ لأنه يريد السلامة في الدنيا وفي الآخرة. فالفقه والبصيرة أثر من آثار الانتفاع بالقرآن؛ لأن القرآن يهدي للتي هي أقوى، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وكسب القليل بفقه وعلم فيه البركة، مع أن القليل عند غيره كثير إذا نظر إلى من هو دونه، وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى أن يبارك الله عز وجل بالحلال ما ينفعه به صاحبه، خير مما يحصله صاحب الحرام أو من يخوض في المشبوه فضلًا عن الحرام. والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. وما أكثر ما ذكره العلماء قديمًا وحديثًا من أحوال الناس، ما به عظة وعبرة؛ فليس العبرة بكثرة المال ولا كثرة الدنيا، ولكن العبرة بالبركة فيما أعطاك الله عز وجل من أمر هذه الدنيا. ومع ذلك إذا أعطاك الله فاحرص أن يكون ذلك عونًا لك في دينك ودنياك، في يدك لا في قلبك؛ لأنها إذا زاحمت ما في قلبك من الإيمان والدين وسيرك إلى الله سبحانه وتعالى عطلتك وأفسدت ما فيه الخير لك في الدنيا وفي الآخرة. ولهذا كان بعض السلف يقول: «اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا». قال رحمه الله تعالى: «إن لبس الناس اللين الفاخر لبس، ومن الحلال ما يستر عورته». والمعنى ليس همه وحرصه هذا، ولكن همه وحرصه الحلال، ولو كان قليلًا يستر العورة، كما كان الصحابة رضي الله عنهم. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «أدركت سبعين رجلًا من أهل الصفة، لا يجد أحدهم ما يستر إلا ما يستر ما بين سرته وركبته، بل كان أحدهم إذا سجد ربما تنكشف عورته لقصر لباسه». ومع ذلك هم ما علمنا من الخير والفضل. ولكن بعد هذه الشدة فتح الله عز وجل عليهم. وهذا حال هذه الدنيا، لا تدوم على حال، إذا صبرت فتح الله عز وجل عليك، وإذا شكرت زادك الله عز وجل من فضله: ﴿وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: «إن وسع عليه وسع، وإن أمسك عنه أمسك». والمعنى إن أعطاه الله الكثير أظهر ذلك في إحسانه إلى الخلق؛ إن الله يحب المحسنين، ويبدأ ويبدأ بالأقرب فالأقرب. وإن أمسك عنه يعني لحكمة أمسك واقتصد كما أمره الله سبحانه وتعالى. قال: «يقنع بالقليل فيكفيه، ويحذر على نفسه من الدنيا ما يطغيه». والمعنى إذا جاءه القليل قنع، وإذا جاءه الكثير أمسك نفسه من الطغيان والجشع، بل يجعل الدنيا سبيلًا لسلامة نفسه ودينه في هذه الدنيا، وكذلك ما يرجوه من حسن العاقبة في الآخرة لنفسه وأهله. قال رحمه الله تعالى: «يتبع واجبات القرآن والسنة، يأكل الطعام بعلم، ويشرب بعلم، ويلبس بعلم، وينام بعلم، ويجامع أهله بعلم، ويصحب الإخوان بعلم، يزورهم بعلم، ويستأذن عليهم بعلم، يجاور جاره بعلم». والمعنى أن حامل القرآن بحق وصدق عليه أن يعمل بما في القرآن والسنة؛ فالقرآن دل على السنة: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه». «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول»، «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى». فالسنة موضحة ومفسرة للقرآن، وهي وحي من الله سبحانه وتعالى كذلك. فإذا أجرى العلم الذي في الكتاب والسنة على كل حياته كان ذلك سببًا لخيريته وفضله وتميزه واختلافه عن الناس، كما تقدم. فكل شيء يزنه بميزان القرآن والسنة. يأكل بعلم، ويشرب بعلم، ويلبس بعلم، وينام بعلم، حتى جماع أهله بعلم؛ لأنه ورد من الآداب والعلم ما يضبط هذا كله. فالأكل مثلًا يأكل الحلال ويحذر الحرام، يأكل باقتصاد ويترك الإفراط والإسراف والتبذير، يأكل ما ينفعه ويجتنب ما يضره، يأكل القدر الذي به نفعه ولا يزيد على ذلك. فإن كان ولابد فثلث لطعامه، ثلث لشرابه، ثلث لنفسه -أي هوائه- وغير ذلك من الآداب. ويأكل بيمينه ويسمي الله قبل ذلك، وغيرها من الآداب الكثيرة التي ذكرها العلماء في آداب الطعام. هذا هو يأكل بعلم. وهكذا يشرب بعلم: بسم الله، يشرب بيمينه، يشرب جالسًا، يشرب بثلاثة أنفاس، ليس نفس واحد، وغيرها من الآداب. لا يشرب من في السقاء، لا يشرب من سقاء مجهول ما داخله، لا يرد ريقه إلى داخل السقاء، وغيرها من الآداب الكثيرة التي وردت بها الأدلة من الكتاب والسنة. وهكذا يلبس بعلم: يلبس كذلك بعلم، فيبتعد في لباسه، يحرص على أن يكون من الحلال، يسمي الله عند اللبس، يذكر ذكر اللبس، وإذا كان جديدًا يذكر ذكر اللبس الجديد، ويبدأ باليمين، ونحو ذلك مما وردت به السنة. هذا من العلم. وهكذا يستأذن عليهم بعلم: آداب الاستئذان، حتى على نفسه، دخل بيتًا خاليًا يسلم، دخل على أحد يستأذن ثلاثًا، دخل على أهله يحرص على دخول بأدب، وكذلك عدم تخوين، وغيرها من الآداب التي وردت بها السنة. ويجاور جاره بعلم كذلك: يحرص على الجار الذي ينتفع به وينفعه، ويحسن بمجاورة الأشرار والسيئين، بحرصه على مجاورة الأخيار، يحصل له الخير. ثم حقوق الجار وآداب الجار، وغيرها مما ذكره العلماء من آداب وردت بها الأدلة من الكتاب والسنة. وكل هذا يوزن بميزان العلم. قال رحمه الله: «ويلزم نفسه بر والديه، فيخفض لهما جناحًا، ويخفض لصوتهما صوته، ويبذل لهما ماله، وينظر إليهما بعين الوقاية والرحمة، يجعل لهما بالبقاء، ويشكر لهما عند الكبر، لا يضجر بهما ولا يحقرهما، إن استعان به على طاعة عنهما، وإن استعان به على معصية لم يعنهما، ورفق بهما في معصيته إياهما -يعني في مخالفته لما أمراه وطلبا من معصية- حتى حتى في هذا يكون رفيقًا مؤدبًا». والمقصود أنه يلازم العلم الذي يحمل والقرآن الذي يحفظ ويقرأ، ومن ذلك ما يتعلق بالوالدين والبر بهما، حتى ولو كان كافرين. وقد ذكر العلماء أبوابًا وفصولًا وآدابًا كثيرة وتفاصيل عديدة تتعلق بهذا الواجب العظيم. هذا الواجب الذي قرنه الله عز وجل بحقه سبحانه وتعالى في أكثر من موضع في كتابه سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وهذا الذي ذكره رحمه الله هنا قليل من كثير من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها حامل القرآن مع والديه، وهو من العلم الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. قال رحمه الله: «يحسن الأدب ليرجعا عن قبح ما أرادا مما لا يحسن بهما فعله». يعني حتى لو وقع منهما شيء يكون تغييره بأدب حسن، لا بفظاظة أو قول أو فعل قبيح. هذا من توقيرهما ومن برهما. قال رحمه الله تعالى: «يصل الرحم، ويكره القطيعة، من قطعه لم يقطعه». والمعنى أنه كما أنه يبر بوالديه كما أمره الله عز وجل، وقد تقدم معنى ذلك، فيه آداب كثيرة. كذلك ما يتعلق بالأقربين الأقرب كالأقرب، ومن ذلك كل من له به رحم قريب أو بعيدة له حق، يصل بحسب ما ورد به الشرع وما يتيسر له، ولا يقطع. ومن قطعه لا يقطعه كذلك. وكما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الواصل بالمكافئ». يعني لا تجعل وصلك مقابل وصلهم لك، إن وصلوك وصلتهم، وإن قطعوك قطعتهم لا، ولكن اجعل وصلك لمن أمرك الله عز وجل بوصلهم لله سبحانه وتعالى. إذا فعلت ذلك فأنت تصلهم ولو قطعوك؛ لماذا؟ لأنك تريد ما عند الله سبحانه وتعالى لا ما عند الناس. فأنت تعمل بما أمرك الله جل وعلا، ليس إذا قطعوك تقطعهم، ولكن أنت تفعل ما أمرك الله بأنك تصل ولو قطعوك، تصلهم ولو قطعوك؛ لأنك تريد ما عند الله سبحانه وتعالى لا ما عند الناس. بخلاف حال كثير من الناس -إلا من رحم الله- فإنهم يصلون من وصلهم، لا يصلون لله جل وعلا. وهذا من الخطأ، وهذا من الخطأ، والله المستعان. قال رحمه الله تعالى: «قال: من عصى الله فيه أطاع الله فيه». يعني إذا عاملك إنسان بمعصية فلا ترد المعصية بمعصية، بل تردها بطاعة. فإذا سبك لا تسبه، وإذا خانك لا تخنه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث بريرة -الصحيح-: «ولا تخن من خانك». بل تعامل الناس بالعلم الذي أمرك الله عز وجل به. حتى الإساءة، الله عز وجل قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. ومع ذلك ما هو الأفضل؟ أرشد الله عز وجل للأفضل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. العفو والإصلاح والأفضل والأكمل. إذًا استطعت أن لا ترد السيئة بالسيئة فهذا هو الخلق الأفضل: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال رحمه الله تعالى: «يصحب المؤمنين بعلم، ويجالسهم بعلم، من صحبه نفعه». والمعنى أن حتى صحبته توزن بعلم، تكون مجالسته لأهل الإيمان بآداب المجالسة والمصاحبة في الأوقات وفي الكيفيات، وفي كذلك ما تتكلم وما تسكت، فتكون كالغيث حيثما وقع نفع. ثم الصحبة للمؤمنين، ليس للفاجرين ولا الفاسقين، فضلًا عن الكافرين. وإذا اضطررت فخالطت بعضهم فبقدر ما دفعتك الحاجة والضرورة، وتكون كذلك بعلم. هذا هو الفرق بين من وفقه الله لطريق العلم، علم الكتاب والسنة، ومن حرمه؛ فهو لا يدري شيء عن هذه الآداب، لكن من وفقه الله لطريق العلم يعرف هذه الآداب ويطبقها. وإذا جهل شيئًا منها سأل عنها. فأنت إذا بدأت الكافر لا تبدأه بالسلام، لكن ليس معناه أنك لا تبدأه بشيء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه لهرقل عظيم الروم: «السلام على من اتبع الهدى». ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام ونهى عليه الصلاة والسلام عن ابتداء الكفار والمشركين بالسلام. فبالعلم تجمع بين الأدلة، تفهم العام بالخاص، والمطلق بالمقيد، والناسخ من المنسوخ، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب أهل العلم، وبينه العلماء في أفراد المسائل، سواء كانت في العبادات أو المعاملات أو الأداب والأخلاق أو غيرها. فلذلك المسلم عمومًا، وطالب العلم خصوصًا، بحاجة ماسة أن يتدبر ما يمر عليه من العلم، فضلًا عما يحمله؛ فليس الشأن كل الشأن أن تحفظ القرآن وأنت لا تفقه منه شيئًا، بل تحفظ وتفقه وتعمل بما حفظت وتعلمت وتفقهت فيه. وعملك بما علمت سبب لحفظك لما تعلم. فكانوا يستعينون على حفظ العلم بالعمل به. قال رحمه الله تعالى: «حسن المجالسة لمن جالس، إن علم غيره رفق به، لا يعنف من أخطأ، ولا يخجله، رفيق في أموره، صبور على تعليم الخير، يأنس به المتعلم، ويفرح به المجالس، مجالسه تفيد خيرًا، مؤدب لمن جالسه بأدب القرآن والسنة». وهذه كذلك من آداب المجالسة والمخالطة والتعليم. ومن أثر العمل بالعلم، العمل بالقرآن والسنة، أنه يكون وسطًا في مواقفه، في أقواله، في أفعاله، في كل أحواله وحركاته وسكناته. ومن ذلك أنه إذا جالس كان حسن المجالسة؛ يعني ينفع ولا يضر، يعطي فيصل الخير. إن علم غيره رفق به، هكذا المعلم الموفق الذي وفق للطريق الصواب من العلم، يكون رفيقًا بالتعليم، لا ينفر. فالتنفير مذموم، وقد حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام: «وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها عنه عليه الصلاة والسلام، وهو في مسلم وغيره. لا يعنف من أخطأ، ولا يخجله. ولنا في هذا أسوة بالنبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس وغيره، لصاحب الرجل الذي بال في المسجد، قام عليه الصحابة، فنهاه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأرشده بغير تعنيف، كيف يصلح هذا الخطأ الذي أخطأ به، حتى خرج الرجل وقال: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا». وهذا خطأ، لكن به نعرف أثر التعليم الحسن وعدم التعنيف. وهكذا قوله: «رفيق في أموره، صبور على تعليم الخير» إلى آخره، كل هذا من آثار العمل بالعلم. ومن العلم مجالسة العلماء؛ كلما جالست العلماء أكثر استفدت من آدابهم وأخلاقهم وهديهم وسمتهم، ما يعينك على إصلاح نفسك وتهذيب أخلاقك، والتفقه لتطبيق العلم: كيف يطبق العلم في السراء وفي الضراء، في الرخاء وفي الشدة، في الغضب والفرح، في كل وقت وحين، في التعامل مع الصغير والكبير، والعالم والأمير، والغني والفقير، والصغير والكبير، وغير ذلك كله يكون بمخالطة العلماء، الذي يبين لك كيف تطبق هذا العلم. وهكذا حال طالب العلم دائمًا يؤدب نفسه ويؤدب غيره بأدب القرآن والسنة. طيب نكتفي اليوم بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الآن إن شاء الله ننظر ما تيسر من الأسئلة. طيب عندنا بعض الأسئلة التي تجتمع من الدروس السابقة، وترد بعضها من النت، فنجيب ما تيسر إن شاء الله من هذه الأسئلة. يقول السائل: ما حكم العمل في شركات التقسيط التي تبيع للناس السلع على وجه التقسيط؟ الجواب: هذه الشركات أصناف، فإن كانت هذه الشركة تمتلك البضاعة وتبيع مباشرة دون وسائط -البنوك أو غيرها- فهذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز، يبيع السلع أمامك هذه نقدًا بعشرة، وآجلًا مثلًا بأربعة عشر أو ثلاثة عشر، فهذا جائز على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وأما إذا كانت هذه الشركات أو المؤسسات أو المحلات تبيع السلع المؤجلة وهي لا تمتلكها، أو كذلك تجعل واسطة كالبنوك أو غيرها، فهذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع مال لا يملك. فهذا بيع محرم ولا يجوز، إنسان يدخل في عمل فيه مثل هذه المعاملة المحرمة؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، ومن الأكل المال الحرام. وهكذا إذا كان عبر البنوك أو غيرها من الشركات التي تسمى بشركات التمويل، فتكون واسطة. وحقيقة الأمر أن هذه الشركات تدفع، ويبقى المال يقسطه الرجل على هذه الشركة بالتقسيط، فهو كأنه استدان منهم، ورد الدين بالزيادة، فهو نوع من الحيل على الربا المحرم الذي لا يجوز، ولو سموه بمسميات فيها تلبيس، مثل بيع المرابحة. وبيع المرابحة لغرض يذكره العلماء في معنى، واستخدمه المعاصرون في معنى آخر. فالخلاصة: مثل هذه المعاملة فيها تفصيل، إذا كانت على الوصف الأول المتقدم وهو جائز، وإن كانت على الوصف الثاني أو ما كان بمعناه فهو من المحرم الذي لا يجوز، والله أعلم. طيب السؤال الثاني: يقول السائل: ما حكم مس القارئ للمرأة المقروء عليها لغرض التأثير عليها فتنتفع بالمقروء به؟ الجواب: لا يجوز مثل هذا الفعل، أولًا ينبغي علينا أن نعلم أننا إذا احتجنا إلى القراءة على أحد فنحرص على أن نفعل ذلك بأنفسنا؛ فالقرآن بنفسه شفاء. فأهل المريضة اجتهدوا ويبحثوا من أهلها ومحارمها من يقرأ عليها، فإن لم يجدوا وعجزوا أو قلت خبرتهم، نظروا بمن يرونه أهلًا لذلك بكفاءة دينه وخبرته. ثم لا يكون بخلوة، ولكن مع محرم، ولا يمسها، ولا تتكشف أمامه. بل إن احتاج وضع المحرم يده على المريضة على رأسها أو المكان الذي يألم، وعلم هذا المحرم أن يقول كما جاء في الحديث: يضع يده على المكان الذي يستوجع منه ويألم، ويدعو، ويقرأ ما تيسر من القرآن. فيعلم المحرم من يفعل ذلك، أو المحرم يضع يده وهو يقرأ، كما فعلت عائشة رضي الله عنها حين رقَت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، مسح النبي صلى الله عليه وسلم بيديه. فلا مانع أن تكون اليد ليست يد القارئ، ليس معنى ذلك أن الغرض تبطل أو النفع يلغى، لا، النفع باق إن شاء الله، النفع باق وحاصل. فينبغي أن ننتبه لهذا، والله أعلم. أخيرًا السؤال الأخير: يقول السائل: هل يجوز لنا أن نرد على أهل الباطل إذا وجدنا شيئًا من الباطل في الجروبات والمجموعات في الواتس أب أو غيرها؟ الجواب: إن كنت من أهل العلم الذين هم أهل لذلك فنعم. وأنا أنصحك بأن لا تدخل وتتوسع في هذه الجروبات والمجموعات التي يكثر فيها القيل والقال، ويقل فيها العلم. وهذا الواقع شغل الناس عن الواجبات، فضلًا عن المستحبات، بالتوسع في هذه الوسائل الحديثة المسماة بوسائل التواصل، والتي سماها بعضها للأسف: «التقاطع الاجتماعي». حقيقة مضارها أكثر من منافعها. فالمهم إن مر عليك شيء لزم التنبيه، وكنت أهلًا لذلك فعلت، وإن كنت لست أهلًا -وهذا هو الواقع- أنه يحصل في كثير من المجموعات جدال ونقاش من أطراف ليس عندها كفاءة ولا أهلية، فيحصل لغط ويحصل شحناء وبغضاء وعداوة، وخوض في دين الله بجهل، وتخرص على شرع الله. وهذا كله حرام ولا يجوز. لكن إذا وقع شيء استنكرته، اسأل أهل العلم، وانظر من يعينك من أهل العلم، لا تستعجل. فتستعين بنصائح أهل العلم فترسلها. ثم إذا وجدت أن هذه المجموعة يكثر فيها الكلام الفارغ والمعلومات الباطلة، فتخرج منها. وأنا أنصح المسلمين أن يجتهدوا في تعلم بين يدي العلماء، والسماع لأهل العلم، خير لهم من هذه المجموعات. بعض الناس يقول: «نستفيد من مجموعات العلم». الجواب: ليس صحيح، ليس هذا بصحيح. العلم لا يؤخذ من هذه المجموعات أبدًا. العلم يؤخذ من أهل العلم، يؤخذ من كتب أهل العلم، الكتاب والسنة، وما وجه به علماء الأمة. ولله الحمد هناك كتب وأشرطة نافعة، تستفيد وتنتفع بها، خير لك من إضاعة الأوقات الطويلة في هذه المجموعات. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ونجنبنا ما يبغض ويأبى، ونجعلنا وإياكم مفاتيح خير، مغاليق شر، ونجعلنا هداة مهتدين، غير الضالين ولا المضلين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.