شرح خمسون حديثا في العقيدة 29

شرح خمسون حديثا في العقيدة 29

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 29، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث حذيفة بن اليمان

يبدأ الشرح بحديث حذيفة بن اليمان في صحيح مسلم، حيث يتحدث عن الفتن وتأثيرها على القلوب. الحديث يشير إلى أن الفتن تعرض على القلوب وتؤثر عليها إما بإفسادها أو تقويتها.

الفتن وأنواعها وطرق التعامل معها

يُصنف الفتن إلى صغرى وكبرى، ويُوضح أن الأعمال الصالحة تكفر الفتن الصغرى، بينما الفتن الكبرى تكون في آخر الزمان. يُشدد على أهمية تحذير المسلم من الفتن والتمسك بدين الله.

تحذير النبي من الفتن وبيان كيفية النجاة منها

النبي عليه الصلاة والسلام حذر من الفتن وأخبر أنها تتراكم وتترقق كلما جاءت جديدة. على المسلم أن يحذر منها ويبتعد عنها لكي يسلم، لأن الاقتراب منها يزيد من خطر الوقوع فيها.

أثر الذنوب والمعاصي على القلب

يتحدث عن أثر الذنوب والمعاصي على القلب، حيث يصبح أسود نتيجة تراكم الذنوب. يشرح ذلك من خلال حديث نبوي يصف تأثير الذنوب على القلب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث التاسع والعشرون. قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبو خالد -يعني سليمان بن حيان- عن سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند عمر رضي الله عنه، فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك. قال: أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا لا أبا لك؟ فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا، بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثا ليس بالأغاليط. قال أبو خالد: فقلت لسعد: يا أبا مالك، ما أسود مربادا؟ قال: شدة البياض في سواد. قال: قلت: فمن كوز مجخية؟ قال: طال من كوسا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث أورده الإمام مسلم رحمه الله، وفيه شيء من الزيادة في تفسير بعض ألفاظه، وهو كذلك من الأحاديث المهمة التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم. وفي هذا الحديث أولا: ما ينبغي أن يحرص المسلم من الحذر من الفتن، وأن المسلم يجب عليه أن يستمسك بدين الله عز وجل، ويحرص على أن يحذر من الفتن. وفيه أن أعظم الفتن فتن الدين، ما يفتن المسلم في دينه، ليس ما يفتن في الدنيا. وفيه أن الفتن تنقسم إلى قسمين: فتن صغرى وفتن كبرى. وأن الفتن الصغرى يبتل بها الإنسان، ولا ينج منها أحد. وأنها لأجل ذلك كان من رحمة الله عز وجل أن تكفرها الأعمال الصالحة من الصلاة والصيام والصدقة. كفتنة الرجل في أهله، فإنه يحصل بين الرجل وأهله ما ينافي الدين أحيانا، ولا يعني ذلك أن يقر نفسه على الخطأ وعلى هذه الفتنة، ولكن معناه أنه يجاهد نفسه، فإذا وقعت له سقطة أو فلتة، فإنه يكثر من الصلاة والصيام والصدقة، فإنها تكفر مثل هذه السقطات. وأنه كذلك يقع بينه وبين جاره، وبينه وبين أهله وولده، أو في ماله بعض تلك الصدقات، وتكفرها الصيام والصدقة، الصلاة والصيام والصدقة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وهذا كذلك أن من الفتن فتن كبرى، وهي التي تكون في آخر الزمان. وأن أول ابتداء هذه الفتن هو بقتل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أرضاه، فهو الباب الذي يكسر. فجاء في رواية أن حذيفة رضي الله عنه قال: أبين الكسر بأنه القتل، بأن الكسر هو القتل. فعمر رضي الله عنه هو الباب الذي يكسر، وبه تنفتح الفتن. وفيه فضل عمر رضي الله عنه أرضاه، فمن فضائله رضي الله عنه أرضاه أنه كان صمام أمان لهذه الأمة من الفتن. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه ما سلك طريقا إلا وسلك الشيطان طريقا آخر، فإذا كان هذا في شياطين الجن، فشياطين الإنس من باب أولى أنها تفزع وتخاف من عمر رضي الله عنه أرضاه. ولهذا لم يجدوا فيه لضرار به إلا القتل والغدر، كما فعل به رضي الله عنه أرضاه. وفيه كذلك أن من علامات الساعة كثرة الفتن، وأن من كثرتها تعرض على القلوب كعرض الحصير، عودا عودا. ومعنى ذلك أنها متتابعة ومتقاربة وكثيرة، كأعواد الحصير. أعواد الحصير كثيرة، وكذلك متتابعة، ليس بينها وبين الأخرى فرق. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بمعض حديث الفتن أنها كلما تأتي فتنة ترقق التي قبلها، ويقول المسلم أو المؤمن: إن هذه مهلكتي. وفيه كذلك تثبيت لأهل الإيمان أن يصبروا ويثبتوا إذا عرضت عليهم الفتن. وفيه كذلك أن القلوب تنقسم إلى قسمين بحسب قبول هذه الفتن. وأن على المسلم أن يحذر من الفتن، ومن الحذر منها أولا أن لا يشرئب إليها، أي لا يتشوف في الوصول إليها والتعرف عليها، فإن ذلك من دواعي الافتتان بها. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في أمر الفتن: «أن القاعد خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي». وكلما كان الإنسان أبعد وأثبت في الاندفاع والتشوف والتشرف للفتن، فإنه كان أسلم. وكلما كان عنده من الفضول والتشرف والسعي إليها، فإنه كان أكثر سقوطا فيها. وهذا حال الناس مع الفتن، فمن ابتعد عن الفتن سلم منها، ومن تشرف لها فإنها تستشرفه وتأخذه معها. وهكذا كذلك أن من السلامة سلامة المسلم من الفتن أنه لا يعرضها على قلبه، لأنها إذا عرضت على قلبه يشربها وتدخل فيه، كما قال في هذا الحديث: بأنها إذا اشربتها نكت فيه نكتة سوداء، أي من أثر هذه الفتنة التي يأخذها هذا الإنسان بإمرارها على قلبه. ولهذا كان السلف يقولون: إن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة. القلوب ضعيفة، والشبه خطافة. قد يكون الإنسان في أول الأمر منكرا للفتنة، لكن إذا عرض نفسه لها وسمعها، فإنه يطمع فيها ويضعف قلبه معها. فربما -على سبيل المثال- يسمع الإنسان بفتنة، إما فتنة مال أو فتنة نساء أو فتنة جاه ومنصب أو غير ذلك، فيكون بلسانه منكرا لها، لكنه بأذنه وبقلبه متصنت ومتشرف لها، فعند ذلك تدخل هذه الفتنة من أذنه إلى قلبه، وتمكن في الداخل، ولو أنكرها بلسانه. ولو أنكرها بلسانه، فإذا ذهب بينه وبين نفسه بدأت تدور هذه الفتنة في القلب، لأنه قد نكت فيه نكتة سوداء. بينما لو اعتزلها واجتنبها ولم يتشرف لها لسلم من هذه الفتنة، لكنه لما تعرض لها واستشرفها سقطت في قلبه، فلما سقطت في قلبه نكتت تلك النكتة السوداء. وعند ذلك تتراكم تلك النكت حتى -كما قال حذيفة رضي الله عنه- تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا مصقول، وذلك كلما مرت عليه فتنة أنكرها ظاهرا وباطنا، واجتنبها واعتزلها. وآخر قبلها، وكلما قبل نكت فيه نكتة سوداء، حتى يصير أسود مربادا كالكوز مجخيا. هذا خلاصة ما يذكر بهذا الحديث، وإن شاء الله تبارك وتعالى يمر بعض الأحاديث فيها بعض ما يبين هذا الباب. وبه نكتفي، الحمد لله رب العالمين.