الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 48، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية العلم والعلماء في الدين، ويبين أن ذهاب العلماء يؤدي إلى الضلال وظهور الجهال. يشير إلى أن الله لا يقبض العلم إلا بقبض العلماء.
يُبيّن المقطع من هم العلماء الحقيقيون الذين أمرنا الله بالرجوع إليهم، ويُحذّر من التكلم في دين الله بغير علم. يُوضح أن صلاح الأمم مرتبط بوجود العلماء.
يبرز المقطع أهمية العلماء في توجيه الأمم والمجتمعات، ويحذر من علماء السوء وانعدام العلماء. يشدد على ضرورة سؤال أهل العلم والاجتهاد في البحث عنهم.
يجب على المسلم أن يتحرى الدقة عند السؤال عن أمور الدين، فلا يسأل إلا من هو أهل للفتوى. الحديث النبوي يحذر من الفتوى بغير علم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الثامن والأربعون. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». هذا الحديث كذلك من الأحاديث المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها وأن يحفظها، لما فيه من مسائل مهمة يحتاجها ويحتاجها المسلمون، ويحتاج المجتمع أن يذكر بها. أول ذلك فيه أهمية العلم وفضل العلماء، فإن أساس الدين الذي أنزله الله جل وعلا من السماء دين الأنبياء جميعا إنما يقوم على هذا العلم، فإذا بقي بقي الدين، وإذا ذهب ذهب الدين. وهل ظلال اليهود والنصارى إلا بذهاب العلماء العاملين وغياب العلم الصحيح الذي أنزله الله جل وعلا؟ عند ذلك ظل اليهود وظل النصارى. وهكذا أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الضلال يأتي على هذه الأمة بذهاب العلم وذهاب العلم بذهاب أوعيته وهم العلماء. فالعلماء هم أوعية العلم، هم الذين يحملون العلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». ففي هذا الحديث أولا كما قلنا أهمية العلم في هذا الدين، فالدين حقيقة هو العلم والعلم هو الدين. فإن الدين الذي أنزله الله فوق سبع سماوات هو هذا العلم الذي يبث علم الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. وفيه كذلك فضل العلماء، وفيه كذلك حقيقة العلماء، من هم العلماء الذين أمرنا الله عز وجل بالرجوع إليهم، والذين بهم يبقى الدين وبذهابهم يذهب الدين؟ إنهم علماء الكتاب والسنة الذين يحملون علم الكتاب والسنة. فلا علماء الكلام والفلسفة والسفسطة، ولا علماء كذلك أهل السوء من أهل الدنيا الذين يخلطون العلم بعدم العمل، ويكون بذلك تحريف العلم كما فعل اليهود والنصارى، فإنهم حرفوا، أحلّوا الحرام وحرموا الحلال بالتغيير والتبديل لكلام الله، تغيير لفظه أو تغيير معنى. وهكذا كذلك ليس العلماء علماء أهل البدع الذين كذلك حرفوا العلم، علم الكتاب والسنة، أحيانا يرد اللفظ وأحيانا يرد المعنى، فهؤلاء ليسوا بالعلماء، ولكن العلماء هم الذين يأخذون علم الكتاب والسنة ويبثونه في الناس، يؤدون ما علموا من علم الكتاب والسنة، فهؤلاء هم العلماء الحقيقيون الذين يحتاج إليهم المجتمع. وفي هذا الحديث دليل على أن صلاح الأمم وفوزها ونجاتها في بقاء العلماء فيهم، فالعلماء عافية الأجساد وعافية كذلك المجتمعات، بما يكون من بث الدين فيهم، كما أن الأطباء يأتي يجعلهم الله عز وجل سببا للعافية الحسية، فكذلك جعل الله عز وجل العلماء سببا للعافية المعنوية. فإن الضلال والهلاك يأتي على الأمم بذهاب العلم وموت العلماء، بذهاب العلم وموت العلماء. وفي هذا الحديث التحذير من التكلم في دين الله جل وعلا بغير علم، التحذير من التكلم في دين الله عز وجل بغير علم. فإن القول على الله بغير علم من أعظم الذنوب، بل قال ابن القيم رحمه الله: قدمه الله جل وعلا على الشرك، فجعله أعلى جرما من الشرك بالله عز وجل، لأن الشرك بالله يدخل ويندرج تحت القول على الله جل وعلا بغير علم، واستدل بقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فدرج المعاصي والمنكرات والكفر على درجات حتى انتهى إلى القول على الله بغير علم، فذلك أعظم الذنوب على الإطلاق. وفي هذا الحديث كذلك أن من أعظم أسباب ضلال الأمم وهلاك المجتمعات وجود علماء السوء أو انعدام العلماء، وجود علماء السوء أو انعدام العلماء، فإنهم يضلون ويهلكون بسبب عدم وجود ما يدلهم ويرشدهم على السلامة والعافية، وعلى الطريق الصحيح الذي يفلحون به في دنياهم وفي آخرتهم. وفيه كذلك أي بهذا الحديث أن السؤال شأنه عظيم في هذا الدين، وعلى السائل الذي يسأل في دين الله عز وجل أن يسأل من هو أهل، فليس كل واحد أهل للسؤال، بل يسأل العلماء الذين علم أنهم عندهم علم الكتاب والسنة، كما قال في هذا الحديث: «اتخذوا رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم». مع أن الواجب أن لا يسأل أهل الجهل ويسأل أهل العلم. وفيه أنه إذا قل العلم يجتهد في البحث عنهم أي عن العلماء، ولو يرحل إليهم إلى أماكن بعيدة، ولو كذلك يتعنى إليهم بشيء من المشقة والكلفة، فإن هذا هو الذي ينجي العباد، لا ينجي العباد أن يتساهل المرء في دينه بأن يسأل من قرب، لا، ليس دين المسلم هو دين العامة، لا، ولكن دينه ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولو تعنى لذلك ولو تكلف. ولهذا كان سلف الأمة يحرصون على العلم ويتعبون لأجله، هذا جابر بن عبد الله صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو رضي الله عنه وأرضاه احتاج إلى حديث في القصاص ما وجده مع من حوله من الصحابة، فاشترى بعيرا وتزود بالزاد والرحلة وسافر شهرا كاملا إلى الشام ليسأل عبد الله بن أنيس صحابي من الصحابة رضي الله عنهم جميعا عن حديث في القصاص، فسأله ورجع من لحظته. سافر شهرا كاملا وتزود بهذا الزاد ليسأل عن حديث واحد. وهذا يدل على أنهم كانوا يعظمون العلم ويعظمون أمر الدين، فليس أمره بالسهل. فأنت كذلك أخي المسلم يجب عليك أن تعلم أن السؤال في الدين ليس بالأمر الهين، فإذا علمت أنه ليس حولك من هو أهل للسؤال فلا تسأله، وتعنى وتكلف واجتهد حتى تصل إلى الذي هو أهل لهذا السؤال، فتسأله عن هذا العلم، لأنك إذا تهاونت فأمر بذلك، بنص هذا الحديث: «فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، أي: ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم. وهذا الحديث كما مر معنا حديث عظيم وفيه متأملات كثيرة مهمة، ولهذا يعتني العلماء بذكره، وكذلك الاهتمام به شرحا وذكرا، وكذلك الإشارة إليه، ولهذا أدرج في هذا الموضع. وهذا كلامه ما ينكر فيه، وبين ما اكتفي به. الحمد لله رب العالمين.