الدرس في كتاب الطهارة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بشرح كتاب الطهارة من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، مقدمًا نبذة عن أهمية الكتاب ومؤلفه. يتناول بالشرح بداية الكتاب والبسملة ودلالتها اللغوية والشرعية.
الطهارة في الشرع لها معنيان: طهارة حسية ومعنوية. الطهارة الحسية تنقسم إلى طهارة من الخبث وطهارة من الحدث، بينما الطهارة المعنوية هي الطهارة من الشرك والمعاصي.
يناقش المقطع الخلاف بين العلماء حول الفرق بين الطهور والطاهر، ويبين أن الطهور هو ما يتطهر به. يشرح أيضًا فائدة هذا الخلاف في تحديد ما يجوز التطهر به.
تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الإعلان عن استكمال الموضوع في درس قادم. ختم الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الطهارة من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه رسالة شيخ الإسلام، أو هذه اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيما نقلها عنه هذا الإمام، وهو علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي. والتي اشتهرت هذه الرسالة باسم الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. موضوع هذه الرسالة أن هذا الإمام انتقى من أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله واختياراته الفقهية وترجيحاته، ما كانت انتقاءً من علمه رحمه الله رحمةً واسعة، في مسائل الخلاف التي وقعت في أبواب الفقه. وابتدأها بكتاب الطهارة، على طريقة أهل العلم في ترتيب كتب الفقه. واعتنى العلماء بهذه الرسالة، فألفت مؤلفات إما تحقيق، وإما شرح وتعليق، وغير ذلك مما سلكه العلماء مع هذه الرسالة لهذا الشيخ الإمام، وذلك لأمور من أهمها ما كان عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من سعة العلم والدراية بعلم الحديث والفقه، ما جعله متميزًا في هذا الباب. ولذلك كانت له من الترجيحات الدقيقة والاختيارات الفقهية كذلك، التي تدل على نظرته العميقة، ما يدل على غزارة علمه ورجاحة رأيه رحمه الله رحمةً واسعة. ولذلك اعتنى العلماء بترجيحاته لما رأوا منه هذا الاطلاع وهذه السعة في العلم. كذلك ما تميز به علم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من التجرد للدليل والاعتبار بقوة المأخذ، سواء من جهة الدليل أو المدلول، وكذلك بعده تمام البعد عن التعصب بكل صوره ومظاهره. فقد كان إمامًا متجردًا للدليل والحجة والبرهان، لا يعرف للتقليد طريقًا، ولا يؤثر فيه أقوال الأئمة إن كان قوله مخالفًا للدليل. ولذلك ربما في بعض الترجيحات كما سيأتي معنا، يخالف قول الأئمة الأربعة جميعًا، ويكون قوله مخالفًا لقول الأئمة الأربعة. ولهذا كان هذا من سبب ابتلائه رحمه الله تعالى. وقد ابتلي بالسجن مرتين، بل كان سجنه الذي توفي فيه رحمه الله بسبب صرامته وتجرده للحجة، وإن خالف قول الجمهور وقول الأئمة الأربعة. وكفره بعض أهل الزمان، وما صلَّط عليه بعض الأمراء والسفهاء. ومع ذلك صبر رحمه الله وتجرد للدليل. وكذلك مما تميَّز به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكتاباته واختياراته، ولهذا اعتنى العلماء بها اعتناءً كثيرًا، سعة علمه ليس فقط علم الحديث والفقه، بل بعلوم كثيرة من العلوم المساعدة كأصول الحديث وأصول الفقه والقواعد الفقهية وغير ذلك من العلوم الكثيرة التي زادت في قوة ترجيحه وكذلك اختياراته رحمه الله رحمةً واسعة. وهذا قليل من كثير مما جعل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الإمامة، وكذلك اعتناء الناس لعلمه ما لم يكن لغيره رحمه الله رحمةً واسعة. وسنرى ذلك إن شاء الله في الاختيارات التي ستمر بنا بإذن الله تعالى. وبعد كل الذي قلنا، لا يمنع أن يكون هذا الإمام على جلالته وعلى إمامته أن يكون في بعض أقواله التي ذكرها أو كذلك أفراد ستمر بنا من الأقوال التي انتقد عليه بعض العلماء كذلك. وكان القول الراجح عند البعض الآخر لقوة مأخذ الدليل. كما تعلمنا منه رحمه الله رحمةً واسعة التجرد للدليل والحق والحجة والبرهان. فكذلك إذا وجدنا من خالفه من العلماء، فإننا ننظر بهذا الاعتبار. وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد كما قال الإمام مالك رحمه الله إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. طيب نبتدأ في القراءة بهذا الكتاب. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. هكذا جاء بهذه النسخة الابتداء بالبسملة، والاتباع بالاستعانة، والدخول في الكتاب مباشرة. وهذا من الاختصار الذي قد يسلكه بعض أهل العلم إذا أراد سرعة الشروع في الدخول إلى الكتاب. وبعضهم ذكر غير هذا. أما البدء بالبسملة كما تقدم معنا قريبًا، اقتداءً بكتاب الله، فإنه اقتداء بالبسملة، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يكتب كتبه، وكذلك بسنة الأنبياء والرسل من قبل، كما مر معنا في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام. وأما ذكر الاستعانة فلأنها ذكرت في فاتحة الكتاب بعد الحمدلة. ولذلك قد يختصر بعضهم فيبدأ بالاستعانة. ولأن الاستعانة منتظمة في البسملة باسم الله الرحمن الرحيم، الباء كما قال العلماء للاستعانة. من معانيها الاستعانة باسم الله سبحانه وتعالى. فكأنك تقول: بك يا الله أستعين في عملي هذا، إن كان كتابه أو كان قراءة أو كان تأليفًا أو نحو ذلك، مع التبرك بسم الله جل وعلا. ولفظ الجلالة. قال رحمه الله تعالى: كتاب الطهارة. كتاب فعال لمعنى مفعول. وهذا كثير في اللغة أن يأتي فعال بمعنى مفعول، فكساء بمعنى مكسوب، ولباس بمعنى ملبوس، وهكذا كتاب هنا بمعنى مكتوب، أي معناه هذا مكتوب في أحكام الطهارة. والطهارة معناها في اللغة مأخوذ من التنقية، ولكن كما لا يخفى على من عرف العربية أن القاعدة عند أهل العربية اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فإذا قلنا أن فيه معنى التنقية، فليس معناه هو التنقية بل تنقية وزيادة، وهذا هو معنى الطهارة، شيء يتضمن التنقية وزيادة. والطهارة في الشرع تأتي بمعاني، تأتي بمعاني، فتأتي بمعنى الطهارة الحسية أو الطهارة المعنوية. أما الطهارة المعنوية فهي الطهارة من الشرك والكفر والنفاق والبدع والمعاصي ونحوها. وأما الطهارة الحسية فهي طهارتان، طهارة من الخبث كالنجاسات ونحوها، وطهارة من الحدث كالحدث الأكبر والأصغر، كما هو معلوم في كتب الفقه. وكما مر معنا أن هذا الكتاب ليس هو كتاب فقه يمر على مسائل الفقه مسألة مسألة، ولكنه كتاب اختيارات، يعني يذكر الناقل عن هذا الإمام مختاره هذا الإمام فيما اختلف فيه العلماء من مسائل في هذا الكتاب أو في ذاك الباب. على حسب المذكور، وهنا ثلاثة أمور: الأمر الأول أن مثل هذا النوع من التأليف لا يستوعب كل مسائل الكتاب مسألة مسألة، لأن بعض المسائل وقع فيها الاتفاق، إذن لا يحتاج أن يذكر فيه اختيار، ما دام أن اختياره هو اختيار الأئمة، ليس في المسألة خلاف. الأمر الثاني أنه يذكر الاختيارات فيما رجحه الإمام فيما وقع فيه الخلاف وبلغه ترجيح هذا الإمام، إذن بعض المسائل قد يكون له ترجيح فيها، ولكن لم يبلغ الناقل، وإنما بلغ غيره. ولذلك نجد أحيانًا في مسألة الاختيارات أن بعض العلماء ينقلون بعض الاختيارات، ثم يأتي إنسان آخر ينقل اختيارًا آخر عن نفس الشيخ. وهذا ليس تعارض إذا كان كلاهما من محل ثقة وأمانة ودراية، فيكون أحدهما ما عنده زيادة علم. وهذا ما يسميه أهل الحديث بزيادة الثقة، يعني هذا عنده علم زيادة عن الآخر، لا يعني ذلك أن الآخر كذب أو أنقص، كما لا يعني أن الثاني كذب. بل هذا نقل ما علم، وهذا نقل ما علم. والأمر الثالث أنه قد يذكر الناقل ترجيحًا بلغه في زمان، وبلغ غيره ترجيحًا يخالفه في زمان آخر. وهذا ممكن يقع. فمثلًا الإمام الشافعي رحمه الله له اختيارات في مذهبه القديم، وله اختيارات في مذهبه الجديد. فمن نقل اختياراته في المذهب القديم أصاب، لأنه نقل شيئًا في ما بلغه وسمعه من ذلكم الإمام. ثم في المذهب الجديد حصل لإمام الشافعي رحمه الله أنه وقف على أشياء من العلم من الحديث ولقائه بالعلماء والأئمة، ما اقتضى أن يغير رأيه في عدد من المسائل. فسمي مذهبه الجديد. فمن نقل عنه المذهب الجديد أصاب، كذلك أصاب. إذن هنا نحتاج إلى ترجيح، أين الراجح من قول هذا الإمام؟ لابد أن نعرف التاريخ. في فرق انتبهوا هنا تنبيهان: الأول أن نعرف الراجح من كلام هذا الإمام. فإذا أردنا أن نعرف الراجح فيما ينسب لهذا الإمام، نحتاج أن نعرف الأول من الآخر من كلام الإمام. لأننا بهذا نصل إلى أن الأخير هو الذي يرجح هذا الإمام. ولذلك تجد العلماء أحيانًا يهتمون من كان آخر التلاميذ لقيا بهذا الإمام، فأقواله هي الأخيرة. لأنه آخر من نقل عنه. ولذلك تجد في مسائل ابنيه صالح وعبد الله ينبهون أحيانًا: وكان هذا آخر قول أبي في المسألة. ينبه على مثل هذا. وكان هذا قوله قبل أن يموت بكذا وكذا ليلة، يعني معناه إيش؟ يشير إلى أن هذا آخر ما وقف عليه قول الإمام. قال رحمه الله تعالى: قال الطهارة تارة تكون من الأعيان النجسة، وتارة من الأعمال الخبيثة، وتارة من الأحداث المانعة. هذا توضيح للطهارة. تارة تكون من الأعيان النجسة، مثل الغائط والبول، هذا طهارة حسية كما قلنا من الخبث. وهذا اللي يسميه العلماء والفقهاء الطهارة من الخبث. وتارة من الأعمال الخبيثة، وهذا هي طهارة معنوية، طهارة من الكفر والشرك والنفاق والبدع والمعاصي ونحوها. قال: وتارة من الأحداث المانعة، يعني المانعة لما أمرنا الله عز وجل بالتعبد له به كالصلاة مثلًا. فهذا يسمى الطهارة من الحدث، كالحدث الأصغر أو الحدث الأكبر، يعني الجنابة ونحوها. قال رحمه الله تعالى: فمن الأول قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ على أحد الأقوال. وقوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ يعني من الأول، أي الطهارة من الأعيان النجسة. وثيابك فطهر، أي طهر من النجاسات. ولهذا يذكر العلماء هذه الآية في كتاب الطهارة، يعني قبل أن تصلي عليك أن تتفقد الملبس والمكان الذي تصلي فيه. فإنك تحتاج إلى أن تتأكد من طهارته. وهكذا طهارة البدن من وجود النجاسات. فإذا وجدت فأنت مأمور بتطهيرها. فإن قيل: من أين أخذنا هذا التثليث؟ أجاب العلماء من الأدلة وعموماتها. فذكر الثياب من باب أولى البدن، وذكر الثياب من باب أولى موضع السجود. ثم حديث أنس في الصحيحين في قصة الأعرابي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذنوب من ماء فأهريق على المكان الذي بال فيه ذلكم الأعرابي. ويدل ذلك على لزوم تطهير المكان الذي يصلى فيه. وقوله: على أحد الأقوال، لأن القول الآخر: وهذا يدلك على حاجة حامل العلم وطالبه لمعرفة العلوم كلها، لأن العلوم مترابطة. هذا هو أحد الأقوال، يعني مما ذكر في تفسير الآية. فهناك أقوال أخرى. من هذه الأقوال أن المراد بالطهارة هنا الطهارة المعنوية، أي الطهارة من الشرك. أي من الشرك، يعني طهر ثيابك وقلبك وجسدك من الشرك. فيكون توجهك لله خالصًا. وكذلك كل ما تملك وكل ما تلبس يكون لله سبحانه وتعالى خالصًا. واستدلوا بدليل الاقتران في قوله سبحانه وتعالى بعده: ﴿وثيابك فطهر والرجز فاهجر﴾ فأمره بهجر الأوثان. قال: وقوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ كذلك استدل بها على الطهارة من الخبث. وهذا أحد الأقوال في تفسير الآية. وجاء أن المراد به الطهارة من الحدث ومن الخبث معًا، من الحدث والخبث معًا. قال رحمه الله: ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذب عنكم الرجز أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ فالمراد بالتطهير ها هنا هو الطهارة من الأعمال الخبيثة، يعني الطهارة المعنوية. قال رحمه الله: من الثالث قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنوبا فاتطهروا﴾ وهذا الطهارة من الأحداث، لأنه ذكر الجنابة. قال رحمه الله تعالى: وقد اختلف العلماء في الطهور هل هو بمعنى الطاهر أم لا؟ وهذا النزاع معروف بين المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة. فقال كثير من أصحاب مالك وأحمد والشافعي: الطهور متعد والطاهر لازم. وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة: بل الطاهر هو الطهور، وهو قول الخرقي. وفصل الخطاب في المسألة أن صيغة اللزوم والتعدي لفظ مجمل، يراد به اللزوم الظاهر والتعدي النحوي اللفظي، ويراد به التعدي الفقهي. فالأول هو أن يراد باللازم ما لم ينصب المفعول به، ما لم ينصب المفعول به. ويراد بالتعدي ما نصب المفعول به، فهذا لا تفرق فيه العرب بين فاعل وفعول في اللزوم والتعدي. فمن قال: إن فعولا هذا بمعنى فاعل، من أن كل منهما ينصب المفعول به كما قال كثير من الحنفية، فقد أصاب. ومن اعتقد أن فعولا بمعنى فعل الماضي، فقد أخطأ. وأما التعدي الفقهي، فيراد به أن الماء هو الذي يتطهر به في رفع الحدث، بخلاف ما كان طاهرًا ولم يتطهر به كالأدهان والألبان. وعلى هذا فلفظ طاهر في الشرع أعم من لفظ طهور، فكل طهور طاهر، وليس كل طاهر طهور. وقد غلط الفريقان في ظنهم أن طهورًا معدول عن طاهر. وإنما هو اسم لما يتطهر به. فإن العرب تقول: طهور ووجور. ولم يتطهر به ويوجر به، وبالضم للفعل الذي هو مسمى المصدر. فطهور هو صيغة مبنية لما يفعل به، وليس معدولًا عن طاهر. ولهذا قال تعالى في إحدى الآيتين: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ إذا عرفت هذا، فالطاهر يتناول الماء وغيره، وكذلك الطهور. فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل التراب طهورًا. ولكن لفظ الطاهر يقع على جامدات كثيرة كالثياب والأطعمة، وعلى مائعات كثيرة كالأدهان والألبان، وتلك لا يمكن أن يتطهر بها، فهي طاهرة ليست بطهور. قلت: وذكر ابن دقيق العيد في شرح الإلمام عن بعض المالكية المتأخرين معنى ما أشار إليه أبو العباس، والله أعلم. قال بعض الناس: لا فائدة في النزاع في المسألة. وذكر القاضي أبو يعلى أن فائدة الخلاف في ذلك أنه عندنا لا تجوز إزالة النجاسة بغير الماء، لاختصاصه بالتطهير. وعندهم يجوز ذلك لمشاركة غير الماء له في الطهارة. قال أبو العباس: وله فائدة أخرى، وهي أن الماء يدفع النجاسة عن نفسه بكونه مطهرًا، كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، وغيره ليس بطهور فلا يدفع. طيب ها هنا مجموعة من المسائل، أصل هذه المسألة خلاف العلماء في التفريق بين لفظ الطهور والطاهر. وأصل هذا التفريق أنهم اختلفوا هل يوجد ماء طهور وآخر ماء طاهر، ثم ما هو؟ فمنهم من الفقهاء من قال: لا يوجد ماء طاهر وآخر طهور، بل كله شيء واحد. ومنهم من قال: يوجد هناك ماء طاهر وآخر طهور، ثم اختلفوا ما هو هذا الماء الطاهر وما هو هذا الماء الطهور؟ إذن عندنا الآن خلاف في وجود هذا المسمى، أي التفريق بين الطهور والطاهر أولًا، ثم وجود ماء يحمل هذا المسمى وآخر يحمل المسمى الآخر، ثم ثالثًا هل يوجد فرق بين الماء الذي حمل إن قلنا أن هناك فرق بين هذا المسمى وهذا المسمى؟ وهناك ماء يحمل هذا المسمى وآخر يحمل المسمى الآخر، فهل بينهما فرق في كون أحدهما له صفات تختلف عن الآخر؟ هذه ثلاثة مسائل وقع فيها الخلاف، ونظر العلماء إليها بعدة اعتبارات. من هذه الاعتبارات النظر إليها من جهة الفرق اللغوي لها، يعني في اختلاف في لفظ طهور وطاهر، فنظروا إليه من جهة اللغة. قالوا: من جهة اللغة هذا يدل على أنه يتعدى إلى غيره، وهذا لا يتعدى إلى غيره. وفائدة هذا النظر والمتعدي وغير المتعدي أنه الذي أثره يصل إلى شيء آخر. فأنت مثلًا حين تقول: ذهب زيد، حصل فعل الذهاب من زيد، هل وقع فعل الذهاب من زيد على شيء ما؟ في شيء وقع عليه؟ لكن إذا قلت: ضرب زيد، هل انتهى الكلام؟ ما انتهى الكلام، ضرب زيد في شيء ناقص، من المضروب إنسان لابد أن يذكر، عرفت؟ فالأول يسمى فعل لازم، يعني لا يحتاج إلى شيء زائد عن الفاعل. والثاني يسمى متعدي، يحتاج لشيء تعدى عن الفاعل وهو المفعول. فلذلك انظروا هذا المعنى اللغوي، ولهذا نقول: العلوم مترابطة، العلوم مترابطة. نظروا إلى هذا، فقالوا: كذلك لفظ طاهر وطهور أحدهما فيه معنى التعدي زيادة عن الآخر. يريدون أن يصلوا بهذا إلى هل هناك فرق من جهة الشرع، أحدهما يصلح التطهر به والآخر لا يصلح التطهر به؟ قال رحمه الله: وقد غلط الفريقان في ظنهم أن طهورًا معدول عن طاهر، لأن الصحيح أنه ليس معدولًا عن طاهر لا من جهة اللغة ولا من جهة الشرع. أما من جهة اللغة، فالقاعدة عندنا أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. على اختلاف المعنى، فليس هذا معدولًا عن هذا. ولكن الصحيح أنه ينبغي أن نفرق بين أن نضع هذا الاسم في موضعه الصحيح. فإن وضعناه في الماء، فما دام يسمى ماء فهو طاهر ومطهر. وإذا وضعناه في غير الماء، فهو ليس بمطهر ولو كان طاهرًا. طيب نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونكمل الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.