الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 29، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أهمية التوبة في الإسلام بعد شهر رمضان، حيث يشدد على ضرورة الرجوع إلى الله تعالى وطاعته. يُقرأ من كتاب 'مجالس شهر رمضان' للمجلس التاسع والعشرين.
يشرح هذا الفصل الشروط الخمسة للتوبة الصحيحة: الإخلاص، الندم، الإقلاع عن المعصية، العزم على عدم العودة، ورد المظالم. ويُوضح أن الإصرار على المعصية يؤدي إلى قسوة القلب.
يتناول هذا الفصل شروط قبول التوبة، بما في ذلك الندم، الابتعاد عن الذنب، وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، ويُشدد على أهمية التوبة النصوح قبل فوات الأوان.
يصرح إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم قراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، قراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع والعشرين. شكرًا الله تعالى. بعض التنبيهات: التنبيه الأول: نبه بالأمس أخونا الشيخ الخضر عبد الله على الوزن بالنسبة لبعض الحبوب، ووزن بعض الأشياء بالأمس، فوجدناها كذلك تزيد على 2.5 كيلو، يعني 2500، فبعضها وصل إلى 2600. فمع أننا قبل فترة وزنّا بحضرموت بعض الحبوب، فما وجدنا شيئًا يصل أكثر من 2500. فالحبوب تختلف، ولهذا كان الصحيح هو الاعتماد على ماذا؟ على الكيل، ليس الوزن. وعلى هذا، فيكون كلام اللجنة الدائمة، الشيخ ابن باز رحمه الله، هو الأحوط: ثلاثة كيلو هو الأحوط، نعم، وإن كان بالزيادة، لكن أحوط؛ لأنه قد يوجد حبوب أثقل. وما ذكر أنه 2500، فهو بحسب ما وجدنا من حبوب في ذاك الوقت. وما ذكره الشيخ رحمه الله كذلك، أنه 2040 جرام، كذلك على ما وزنه هو رحمه الله في ذاك الزمان. فالعبرة بالكيل، ليس بالوزن. فإذا أخرج الإنسان شيئًا وكاله بنفسه، ولو كان وزنه أقل من ثلاثة كيلو، فلا بأس. أو علم يقينًا أن هذا الذي يخرجه كيلته ماذا؟ على هذا الوزن الذي هو أقل من 2500، فكذلك. لكن إذا كان لا يعلم، فالأحوط يخرج ثلاثة كيلو، إذا كان يريد يخرج بالكيلو، نعم. هذا التنبيه الأول. التنبيه الثاني: ذكرنا في باب الفطرة ما استحسنه بعض العلماء من فعل بعض الناس يوم العيد، يخرجون بعض الطعام المطبوخ، ولكن لا يفهم من هذا أن كل الفطرة تخرج كذلك. إنما شيء يواسى به، ويفرح، يكون سببًا لفرح الفقراء. أما كل الفطرة إذا كانت هكذا، هذا سيكون إسرافًا؛ لأن الطعام المطبوخ لا يمكن حفظه، لا يمكن حفظه، وسيتراكم. ولكن شيء يسير، يقصد منه إدخال الفرحة على الفقراء والمساكين. مع أن أكثر الناس ما يفعل هذا، ولكن في السنوات الأخيرة بعض الناس فعلوه، واستحسنه بعض العلماء، ولكن باعتدال، أن يكون هذا باعتدال، ليس على وجه يكون فيه الإسراف والتراكم وفساد الطعام، نعم. التنبيه الثالث: إن شاء الله سنقرأ اليوم المجلس التاسع والعشرين، وإذا أعلنوا بعد المغرب العيد، فسنقرأ المجلس الأخير إن شاء الله، بعد أذان العشاء، حتى نكمل الكتاب إن شاء الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «مجالس شهر رمضان»، المجلس التاسع والعشرون في التوبة: الحمد لله الذي نصب من كل كائن على وحدانيته برهانًا، وتصرف في خليقته كما شاء عزًا وسلطانًا، واختار المتقين فوهب لهم أمنًا وإيمانًا، وعم المذنبين بحلمه ورحمته عفوًا وغفرانًا، ولم يقطع أرزاق أهل معصيته جودًا وامتنانًا. روح أهل الإخلاص بنسيم قربه، وحذر يوم الحساب بجسيم كربه، وحفظ السالك نحو رضاه في سربه، وأكرم المؤمن إذ كتب الإيمان في قلبه. حكم في بريته فأمر ونهى، وقام بمعونته ما ضعف ووهى، وأيقظ بموعظته من غفل وسهى، ودع المذنب إلى التوبة لغفران ذنبه. رب عظيم لا يماثل الأنام، وغني كريم لا يحتاج إلى الشراب والطعام. الخلق مفتقرون إليه، وعلى الدوام مضطرون إلى رحمته في الليالي والأيام. أحمده حمد عابد لربه، معتذر إليه من تقصيره وذنبه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مخلص من قلبه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى من حزبه، صلى الله عليه وعلى أبي بكر خير صحبه، وعلى عمر الذي لا يسير الشيطان في سربه، وعلى عثمان الشهيد في صف حربه، وعلى علي معينه في حربه، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، وسلم تسليمًا. إخواني، اختموا شهر رمضان بالتوبة إلى الله من معاصيه، والإنابة إليه بفعل ما يرضيه. فإن الإنسان لا يخلو من الخطأ والتقصير، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. وقد حث الله بكتابه، وحث النبي صلى الله عليه وسلم في خطابه على استغفار الله تعالى والتوبة إليه. فقال سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَ، بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. والآيات بذكر التوبة عديدة. وأما الأحاديث، فمنها: عن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة» رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لا أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» رواه البخاري. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاتكأ في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» رواه مسلم. وإنما يفرح سبحانه بتوبة عبده لمحبته للتوبة والعفو، ورجوع عبده إليه بعد شرود عنه. وعن أنس وابن عباس رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» متفق عليه. قال: فالتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته؛ لأنه سبحانه هو المعبود حقًا. وحقيقة العبودية هي التذلل والخضوع للمعبود، محبة وتعظيمًا. فإذا حصل من العبد شرود عن طاعة ربه، فتوبته أن يرجع إليه، ويقف ببابه موقف الفقير الذليل الخائف المنكسر بين يديه. والأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام معصومون، عصمهم الله عز وجل من أن يقعوا في الذنوب. ولكن يتوبون ويستغفرون لما كان من معنى الذهول الذي قد يحصل في التذلل والخضوع لله عز وجل. فمقام الأنبياء عظيم، ولذلك كانت عبوديتهم لله سبحانه وتعالى أعظم. ففرض عليهم من العبادات والطاعات والذكر فرضًا، وكذلك استحبابًا، ما ليس على سائر الناس. وكان قيام الليل في أول الأمر -القول الصحيح من أقوال أهل العلم- واجبًا على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. ذكر المفسرون بتفسير هذه الآيات أنها كانت في الأمر بقيام الليل، وأنه على الوجوب في أول الأمر، ثم نسخ إلى الاستحباب في حق النبي صلى الله عليه وسلم. وما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك قيام الليل. وإذا فاته من مرض أو تعب أو غيره، قضاه من النهار عليه الصلاة والسلام. وكان يحث أصحابه ومن يحبهم على قيام الليل، ويحذرهم من تركه، وحديث ابن عمر وغيره يدل على ذلك. فأمر عليًا وابن عمر، وجماعة من الصحابة، حتى إن ابن عمر رأى رؤيا، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عبر أخته حفصة، فقال: «نعم الرجل عبد الله، لو لا أن يقوم الليل». قال عبد الله بن عمر: «فما تركت قيام الليل بعد ذلك أبدًا». فالشاهد من هذا: مقام الأنبياء، ثم الأقرب فالأقرب، ليس كمقام سائر الناس. والتقصير في هذه الطاعات يعتبرها أصحابها تقصيرًا يوجب التوبة والاستغفار، فيكمل أو يجبر تلك العبودية بالتوبة والاستغفار. وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يتوب إلى الله، ويستغفره سبعين مرة، ومئة مرة». وفي حديث ابن عمر: «كانوا يذكرون للنبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة استغفارًا وتوبة، يقول: رب اغفر لي، وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم»، وغيرها من الأحاديث. وحقيقة العبودية هي التذلل والخضوع للمعبود، محبة وتعظيمًا. فإذا حصل من العبد شرود عن طاعة ربه، فتوبته أن يرجع إليه، ويقف ببابه. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بآخر حياته، وحين أكبر، بقرب مماته، بالاستغفار، والتسبيح له سبحانه وتعالى. حين أنزل عليه قول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فكان يكثر عليه الصلاة والسلام يقول في صلاته: «سبحانك اللهم وبحمدك، رب اغفر لي»، ونحو ذلك مما جاء في عدة أحاديث لعائشة وغيرها. قال: والتوبة واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها، ولا التسويف بها؛ لأن الله أمر بها، ورسوله، وأوامر الله ورسوله كلها على الفور والمبادرة؛ لأن العبد لا يدري ماذا يحصل له بالتأخير، فلعله أن يفجأه الموت، فلا يستطيع التوبة. ولأن الإصرار على المعصية يوجب قسوة القلب، وبعده عن الله عز وجل، وضعف إيمانه؛ فإن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالعصيان. ولأن الإصرار على المعصية يوجب إلفها والتشبت بها؛ فإن النفس إذا اعتادت على شيء، صعب عليها فراقه، وحينئذ يعسر عليه التخلص من معصيته، ويفتح عليه الشيطان باب معاص أخرى أكبر وأعظم مما كان عليه. ولهذا قال العلماء -كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله-: «أن الذي يمني نفسه بالتوبة، ولا يبادر بالتوبة، مثله كمثل من غرس شجرة، وهو يقول: غرستها بيدي، وسأنزعها بيدي». فلا يتمادى مرور الأيام والليالي إلا وتزداد الشجرة رسوخًا، وتباتًا في الأرض، ويزداد الرجل ضعفًا وانكسارًا. وهكذا شجرة المعاصي، إذا تركها العاصي كبرت وتشعبت عروقها، فعند ذلك يصعب عليه اقتلاعها. كم من إنسان يتساهل بالذنوب والمعاصي، وما يدري أن الشيطان له خطوات يرميه من واد إلى واد، حتى يرميه في القاذورات، والعياذ بالله. وأول وساوس الشيطان: خاطرة، وأفكار، وأوهام، إذا لم يدفعها ويتخلص منها، تحولت إلى أعمال. تأتي نظرة، ثم فكرة، ثم نظرة، ثم هموم بالفعل وخطواته، حتى لا يدري بنفسه إلا وأوقعه الشيطان في قاذورات الذنوب والمعاصي. فلا يستسهل الإنسان -كما ذكر الشيخ رحمه الله- أمر الذنوب والمعاصي. ولهذا كان أمر التوبة على الفور، وسارع، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «توبوا، فإني أستغفر الله وأتوب إليه»، ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: ولأن الإصرار على المعصية يوجب إلفها والتشبت بها؛ فإن النفس إذا اعتادت على شيء، صعب عليها فراقه، وحينئذ يعسر عليه التخلص من معصيته، ويفتح عليه الشيطان باب معاص أخرى أكبر وأعظم مما كان عليه. ولذلك قال أهل العلم وأرباب السلوك: «إن المعاصي بريد الكفر، ينتقل الإنسان فيها مرحلة مرحلة، حتى يزيغ عن دينه كله»، نسأل الله العافية والسلامة. وهذا كما قالوا: رحمه الله، نهاية المعاصي الكفر والردة. ولهذا الذي يتعمق في المعاصي يترك الصلاة، وإذا ترك الصلاة فقد كفر. ولا يقف الشيطان به إلى هذا الحد، حتى ينتقل به إلى الإلحاد، وما هو أعظم من هذا، والعياذ بالله. ولهذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يجتمع فحش وصلاة، فهو بين أمرين: إما يترك الفحش، وإما يترك الصلاة. قال: والتوبة التي أمر الله بها هي التوبة النصوح، التي تشتمل على شرائط. شرائط التوبة وهي خمسة: الأول: أن تكون خالصة لله عز وجل، بأن يكون الباعث لها حب الله وتعظيمه، ورجاء ثوابه، والخوف من عقابه. فلا يريد بها شيئًا من الدنيا، ولا تزلفًا عند مخلوق. فإن أراد هذا، لم تقبل توبته؛ لأنه لم يتب إلى الله، وإنما تاب إلى الغرض الذي قصده. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». إذا كانت الهجرة قد تكون لأجل امرأة، أو لأجل دنيا، فكذلك التوبة قد تكون لأجل امرأة، ولأجل دنيا. فإذا كان كذلك، فهي توبة ليست صادقة، ولا خالصة، ولا نصوح. الثاني: أن يكون نادمًا، حزينًا على ما سلف من ذنبه، يتمنى أنه لم يحصل منه؛ لأجل أن يحدث له ذلك الندم إنابة إلى الله، وانكسارًا بين يديه، ومقتًا لنفسه التي أمرته بالسوء. فتكون توبته عن عقيدة وبصيرة. ولهذا كان من علامات التوبة الصحيحة الصادقة النصوح، أن تلازم صاحبه انكسارًا من غير مرض ولا علة -كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله-: انكسارًا من غير مرض ولا علة. ولهذا يكون حال التائب أفضل مما كان من قبل؛ بما كان من ندمه وحزنه وأسفه ومقته واحتقاره لنفسه. وهذا يوجب له إحسانًا في مستقبله، وانكسارًا دائمًا في حياته. ولهذا -كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله-: «رب توبة تكون سببًا في دخول الجنة؛ لأنها توجب انكسارًا حقيقيًا، وعبودية مستمرة لله سبحانه وتعالى». الثالث: أن يقلع عن المعصية فورًا. فإن كانت المعصية بفعل محرم، تركه في الحال. وإن كانت المعصية بترك واجب، فعله في الحال، إن كان مما يمكن قضاؤه، كالزكاة والحج. فلا تصح التوبة مع الإصرار على المعصية. فلو قال: إنه تاب من الربا، ثم مثلا وهو مستمر على التعامل به، لم تصح توبته، ولم تكن هذه إلا نوع استهزاء بالله وآياته، لا تزيده من الله إلا بعدًا. ولو تاب من ترك الصلاة مع الجماعة، وهو مستمر على تركها، لم تصح توبته. وإذا كانت المعصية فيما يتعلق بحقوق الخلق، لم تصح التوبة منها حتى تخلص من تلك الحقوق. فإذا كانت معصية بأخذ مال للغير، أو جحده، لم تصح توبته حتى يؤدي المال إلى صاحبه، إن كان حيًا، أو إلى ورثته، إن كان ميتًا. فإن لم يكن له ورثة، أداه إلى بيت المال. وإن كان لا يدري من صاحب المال، تصدق به له، والله سبحانه يعلم به. وإن كانت معصيته بغيبة مسلم، وجب أن يستحله من ذلك، إن كان قد علم بغيبته إياه، أو خاف أن يعلم بها. وإلا استغفر له، إذا خشي المفسدة. استغفر له حتى لا يفسد بينه وبين إخوانه. قالوا: أثنى عليه بصفاته المحمودة في المجلس الذي اغتابه فيه؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات. وهذا هو شأن المعاصي: من استطاع أن يتخلص منها بالكلية، فعل. ومن شق عليه، فعل ما يمحوها بفعل ما يعادلها، وأكثر من الحسنات. قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. ثبت في الصحيح: أن رجلًا أصاب من امرأة كل شيء إلا الزنا، فجاء آسفًا نادمًا تائبًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويسأل ما كفارة ذلك؟ فنزل عليه -أي على النبي صلى الله عليه وسلم- قول الله سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فتلا النبي صلى الله عليه وسلم عليه. فمن فعل شيئًا من الذنوب، قابله بمثله من الحسنات، وأكثر، حتى تمحو الحسنات السيئات. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحوها». فبادر إذا أذنبت بحسنات تكفر وتمحو تلك السيئات. ولهذا شرعت -كما ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره- ركعتا التوبة، مفتاح الحسنات التي تمحو بها السيئات. تركع لله ركعتين، تقبل فيه على الله نادمًا متأسفًا منكسرًا، يعينك الله عز وجل بها على توبة صادقة صحيحة. قال رحمه الله تعالى: وتصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لأن الأعمال تتفاضل، والإيمان يتفاوت. لكن لا يستحق الوصف المطلق للتوبة، وما استحق التائبون على الإطلاق من الأوصاف الحميدة والمنازل العالية، حتى يتوب إلى الله من جميع الذنوب. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وكذلك الأعمال توبة النصوح، لكن كذلك جماعة، يتوب الجميع، والجميع يتوب بأشخاصهم، وبأعمالهم. ومن تاب -كما قال الشيخ- من ذنب، وبقي عنده آخر، فتوبته ليست كاملة. قال الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى المعصية؛ لأن هذه ثمرة التوبة، ودليل صدق صاحبها. فإن قال: إنه تائب، وهو عازم أو متردد في فعل المعصية يومًا ما، لم تصح توبته؛ لأن هذه توبة مؤقتة، يتحين فيها صاحبها الفرص المناسبة. ولا تدل على كراهية للمعصية، وفراره منها إلى طاعة الله عز وجل. ولذلك لا يوفق صاحب هذه التوبة التي تؤقت بوقت محدود إلى الاستقامة الصحيحة. كحال بعض الناس في رمضان: يدخل في أول رمضان، ويقلع عما كان عليه. ولكن في قلبه نية سيئة: أنه إذا انتهى رمضان، رجع إلى ما كان عليه. بل ربما يخبر بذلك، يتصل عليه بعض أصدقائه: تعال إلى مجالسنا، يقول: لا، رمضان، لكن في شوال موعدنا. في شوال، فهذا توبته ماذا؟ كاذبة، توبته كاذبة. ولذلك لا يوفق -والعياذ بالله- للتوبة الصحيحة. فمن شروطها: أن يعزم على أن لا يعود إلى معصيته. قال الخامس: أن لا تكون بعد انتهاء وقت قبول التوبة. فإن كانت بعد انتهاء وقت قبول التوبة، لم تقبل. وانتهاء وقت قبول القبول نوعان: عام لكل أحد، وخاص لكل شخص بنفسه. فأما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها. فإذا طلعت الشمس من مغربها، لم تنفع التوبة. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. والمراد ببعض الآيات: طلوع الشمس من مغربها. فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا طلعت، طبع على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل». قال ابن كثير: «حسن الإسناد». يعني هذا الحديث مقدور عن معاوية، وابن عمر، وابن عوف، وجماعة من الصحابة، وهو يرتقي إلى الحسن. وإن كان بعض أسانيدها فيها كلام، لكن له شواهد ومتابعات كثيرة. والشاهد: قوله عليه الصلاة والسلام: «أن التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا طلعت، طبع على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل». معناه: لا تقبل التوبة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه» رواه مسلم. قال: وأما الخاص: فهو عند حضور الأجل. فمتى حضر أجل الإنسان، وعاين الموت، لم تنفعه التوبة، ولم تقبل منه. قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. وعن عبد الله بن عمر -والشاهد- قوله: «إذا حضر أحدهم الموت، قال: إني تبت الآن». يعني: لا تقبل توبته. وهكذا قال الله عز وجل عن فرعون لما أدركه الغرق: قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ومع ذلك لم يقبل الله عز وجل منه. قال الله عز وجل: ﴿الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فما يقبل توبة الميت الذي دخل في الغرغرة. ولهذا جاء في الحديث -كما سيأتي معنا-: وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» -يعني بروحه- رواه أحمد، والترمذي، وقال: «حديث حسن»، وهو كذلك. وإن كان في هذا الإسناد عبد الرحمن بن ثوبان، وهو ضعيف. لكن الحديث له شواهد ومتابعات يرتقي بها إلى الحسن. قال: ومتى صحت التوبة باجتماع شروطها، وقبلت، محا بها ذلك الذنب الذي تاب منه، وإن عظم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وهذه الآية في التائبين المنيبين إلى ربهم، المسلمين له. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. فأحسن الظن بالله، وخذ بالسبب، وهو أن تتوب توبة صادقة ناصحة. فإذا كان كذلك، فالله يتقبل منك، ويردك إليه سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوب علينا. قال: فبادروا -رحمكم الله- أعماركم بالتوبة النصوح إلى ربكم، قبل أن يفجأكم الموت، فلا تستطيعون الخلاص. اللهم وفقنا للتوبة النصوح التي تمح بها ما سلف من ذنوبنا، ويسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، واغفر لنا، ولوالدينا، ولجميع المسلمين في الآخرة والأولى، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم آمين. إلهنا، إن شاء الله... شكرًا لكم. اشتركوا في القناة.