الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أهمية السحور في الصيام، حيث يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسحور وأثنى عليه، ويبين أن السحور كله بركة ويجب تأخيره حتى لا يخشى طلوع الفجر.
يتناول هذا الفصل آداب الصيام المستحبة مثل كثرة القراءة والذكر والدعاء والصلاة والصدقة، ويشير إلى أن دعوة الصائم مقبولة لا ترد، ويذكر بعض الأحاديث التي تدل على فضل الصيام وآدابه.
يتناول هذا الفصل مراتب الصائمين وآداب الصيام، حيث يشير إلى أن الصيام ليس فقط عن الطعام والشراب بل هو عن كل ما يغضب الله، ويشجع على الجمع بين الأعمال الصالحة في رمضان لتحقيق مغفرة الذنوب ودخول الجنة.
يوصي هذا الفصل بالتوبة والإخلاص لله واتباع سنة رسوله، ويتضمن دعاءً للنجاة من الغفلات والذنوب وطلب الرحمة للمؤمنين أحياءً وأمواتاً، ويُنهي بالصلاة على النبي محمد وآله وأصحابه.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين رحمه الله تعالى، إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الحادي عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه مجالس شهر رمضان، المجلس الحادي عشر في آداب الصيام المستحبة. قال: الحمد لله مبلغ الراجي فوق مأموله ومعطي السائل زيادة على مسؤوله، أحمده على نيل الهدى وحصوله، وأقر بوحدانيته إقرار عارف بالدليل وأصوله، وأصلي وأسلم على نبينا محمد عبده ورسوله، وعلى صاحبه أبي بكر الملازم له في ترحاله وحلوله، وعلى عمر حام الإسلام بعزم لا يخاف من فلوله، وعلى عثمان الصابر على البلاء حين نزوله، وعلى علي بن أبي طالب الذي أرهب الأعداء بشجاعته قبل نزوله، وعلى جميع آله وأصحابه الذين حازوا قصب السبق في فروع الدين وأصوله، ما تردد النسيم بين جنوبه وشماله وغربه وقبوله. إخواني، هذا المجلس في بيان القسم الثاني من آداب الصوم، وهي الآداب المستحبة. فمنها السحور، وهو الأكل في آخر الليل، سمي بذلك لأنه يقع في السحر، والسحر آخر الليل، وسمي سحرا لاشتداد ظلمة الليل، فهو فيه ظلمة شديدة، ولهذا سمي السحر سحرا؛ لأنه كذلك مما فيه من الإخفاء والخفاء والظلم الحسي والمعنوي ما يوافق لفظه. قال: فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم به، فقال: «تسحروا فإن في السحور بركة» متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فصلوا ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». وأثنى على سحور التمر، فقال: «نعم سحور المؤمن التمر» وهو حديث حسن بمجموع طرقه، وصح من فعله وقوله عليه الصلاة والسلام، وله شواهد تسحروه عليه الصلاة والسلام بالتمر، وكما ذكر أهل العلم أنه يسير ويعين الصائم، فإذا لم يجد الصائم ما يأكل إلا تمرات وماء أعانه هذا وكان سببا للبركة. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «السحور كله بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» رواه أحمد، وقال المنذري: إسناده قوي. وقد روي من حديث أبي سعيد من طريقين كلاهما ضعيف، أحد الطريقين فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، والآخر من طريق أبي رفاعة لم يذكر بتوثيق ولا جرح، لكن كما ذكر وأشار أن له شواهد تشهد لبعض ما في الحديث يرتقي بها إلى الحسن، ولهذا ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، وهكذا في صحيح الجامع. ولكن كل الطرق فيها ضعف، فهي بين مرسل أو منقطع، وغدروية من حديث ابن عمر، وفيه من هو منكر الحديث، بل نص أبو حاتم على أن حديث ابن عمر منكر، وفيه انقطاع، وهكذا من حديث أنس في عبد الواحد بن ثابت الباهلي، وهو منكر الحديث كما قال البخاري وغيره. فبهذا اللفظ بأكمله لا يصح، لكن بعض ألفاظه كما ذكر لها شواهد يرتقي بها إلى الحسن، والشاهد ها هنا أن السحور كله بركة، فلا يبخل الإنسان على نفسه بشيء من السحور، ولو جرعة ماء، وهو كذلك؛ لأن بعض الناس يصاب بعطش شديد، يذهب عنه تعبه ونصبه وعطشه أن يشرب عند السحور ولو شرب ماء، وتكون عونا له وبركة. قال: وينبغي للمتسحر أن ينوي بالسحور امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بفعله؛ ليكون سحوره عبادة، كذلك تحصل له البركة لذلك. بعض الناس يزهد في السحور، فما يدري في النهار إلا وقد أشعر بالتعب والإرهاق، بينما إذا امتثل السنة أعين على صيامه، وهذا هو الذي ينوي أولا امتثال السنة والاقتداء به عليه الصلاة والسلام، والثاني أن يتقوى على الصيام. قالوا: أن ينوي به التقوى على الصيام؛ ليكون له به أجر. والسنة تأخير السحور ما لم يخشى طلوع الفجر؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فعن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة. قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية، رواه البخاري. وخمسين آية كما قلنا، وقدرها بعض أهل العلم؛ لأن من الآيات المتوسطة يعني ما يعادل تقريبا سورة السجدة، فتقرأ في كم؟ سبع دقائق، عشر دقائق حولها. قال: وعن عائشة رضي الله عنها أن بلالا كان يؤذن بليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» رواه البخاري. والشاهد قوله: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، حتى تفيد عند أهل اللغة ماذا؟ الغاية. فهل يدخل المغيّ في المغيّ؟ فيه خلاف بين أهل العلم وبين أهل اللغة كذلك. والصحيح أنه يدخل المغيّ في المغيّ، وله شواهد ونظائر في اللغة وفي الشرع، ومن الشرع أثر أبي هريرة رضي الله عنه موقوف، وبعضهم صححه ومرفوعا: «إذا أذن المؤذن والإناء في يد أحدكم فليشرب أو ليأخذ حاجته منه». فمعناه: إلى أن يؤذن المؤذن، حكم الأكل مستمر إلى أن يؤذن المؤذن، حكم الأكل والشرب مستمر، هذا هو الشاهد. وسواء قلنا بتضعيف حديث أبي هريرة مرفوعا، فإن الموقوف له حكم الرفع، وتؤيده نصوص وآثار، ولا يعلم له مخالف من الصحابة، وهذا مما يؤيده. «حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، فوقت الأذان وقت إذن، فيقف عند انتهاء الأذان، وكذلك فيه تأخير السحور، وهذا هو الشاهد أن الإنسان يؤخر السحور. وفيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم به، والصحيح أن الأمر أمر ندب؛ للأحاديث الأخرى الصارفة لهذا الأمر من الوجوب إلى الندب. الأحاديث، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا» رواه أحمد والترمذي، وهو حديث ضعيف، لكن معناه صحيح. فالله عز وجل يحب أن يعجل العباد بالفطر، قد جاء هذا من حديثه به غيره، وفيه قرة بن عبد الرحمن ضعيف، وذكره الشيخ الألباني في ضعيف الجامع. لكن حديث الذي قبله يؤكد هذا المعنى: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». قال: والسنة أن يفطر على رطب، فإن عدم، فتمر، فإن عدم فما شاء. لقول أنس رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، والحديث فيه ضعف كذلك، وبعض أهل العلم يحسنه؛ لأن له شواهد ومتابعات، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل عليه؛ إذ كان يفطر عليه الصلاة والسلام على الرطب أو التمر أو الماء. قال: فإن لم يجد رطبا ولا تمرا ولا ماء، أفطر على ما تيسر من طعام أو شراب حلال. فإن لم يجد شيئا نوى الإفطار بقلبه، ولا يمص إصبعه أو يجمع ريقه ويبلعه كما يفعل بعض العوام، وللأسف قال به بعض الفقهاء، وهو خطأ، ليس له أصل لا من الكتاب ولا من السنة، ولا نقل عن أحد من الأئمة المعتبرين من أهل العلم. والأفضل أن يفطر على ما لم يطبخ، فأكثر السنة الفعلية والقولية تدل على ذلك. فإن تيسر شيء لم يطبخ أفطر عليه، فإن لم يجد إلا شيئا مطبوخا أكل أو شرب ذاك الشيء المطبوخ. قال: وينبغي أن يدعو عند فطره بما أحب؛ ففي سنن ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد» أو «ما ترد». قال: في الزوائد: إسناده صحيح، والحديث فيه ضعف كذلك كما أشار في التعليق، لكن له شواهد يرتقي بها إلى الحسن، وحسنه شيخ الألباني رحمه الله وغيره من أهل العلم. قال: وروى أبو داود عن معاذ بن زهرة مرسلا مرفوعا قال: «كان إذا أفطر يقول: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت». وله من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر يقول: «ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله». والحديث الأول كما ذكر مرسل، والمرسل من قسم الضعيف، ولكن كما ذكر له شواهد يرتقي بها عند بعض أهل العلم إلى الحسن. والحديث الثاني كذلك فيه ضعف، وبعض أهل العلم يحسنه بمجموع طرقه، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله. قال: ومن آداب الصيام المستحبة كثرة القراءة والذكر والدعاء والصلاة والصدقة وكل أعمال البر. في رمضان أفضل من غير رمضان، حتى قال بعض السلف: تسبيحة في رمضان خير من ألف من مثلها في غير رمضان. قال: وفي الصحيحين ابن خزيمة وابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب عز وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين». ورواه أحمد والترمذي، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، حسنه جماعة من أهل العلم، وإسناده فيه ضعف كما أشار في التعليق، وبعض جملة له شواهد ومتابعات كثيرة. والشاهد منه أن دعوة الصائم مقبولة لا ترد، فإذا وافقت سفرا وساعة إجابة، فقد اجتمعت ثلاث أسباب لإجابة الدعاء، يوم جمعة مثلا، وصائم، وفي سفر. قالوا: في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة». وكان جوده يجمع أنواع الجود كلها من بذل العلم والنفس والمال لله عز وجل في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من تعليم جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وإطعام جائعهم. فأبواب الصدقة كثيرة، ليس فقط الصدقة بالمال، فالصدقة بالمال نوع من أنواع الصدقة، وإلا فالصدقة بالعلم، والصدقة بالشفاعة، والصدقة بقضاء الحوائج، حتى كانت تأتي الجارية فتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، ويقضي لها حاجتها؛ يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم سهلا يقضي حوائج الناس. قال: وكان جوده يتضاعف في رمضان لشرف وقته، ومضاعفة أجره، وإعانة العابدين فيه على عبادتهم، والجمع بين الصيام وإطعام الطعام، وهما من أسباب دخول الجنة كما تقدم معنا بحديث عبد الله بن سلام وغيره. وإطعام الطعام في رمضان أشد أجرا وأكبر كذلك عند الله سبحانه وتعالى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكتب لمن أطعم وأفطر صائما كأجره، لا ينقص من أجره شيئا. فأنت تستطيع أن تصوم في يومك أكثر من يوم، كيف؟ أطعم عددا، تستطيع تضاعف أيامك بمن أطعمتهم وأفطرتهم؛ يعني أطعمتهم بالإفطار. قال: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح منكم اليوم صائما؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: أنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة». والمعنى: إذا استطعت أن تجمع بين هذه الأعمال في رمضان، فأنت قد جمعت أعمالا تكون سببا في دخولك الجنة، ولا شك أنها في رمضان أولى من صيام التطوع. قال: ومن آداب الصيام المستحب أن يستحضر الصائم قدر نعمة الله عليه بالصيام، حيث وفقه له ويسره عليه حتى تم يومه وأكمل شهره. فإن كثيرا من الناس حرموا الصيام إما بموتهم قبل بلوغه، أو بعجزهم عنه، أو بظلمهم وإعراضهم عن القيام به. فليحمد الصائم ربه على نعمة الصيام التي سببت لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات ورفعة الدرجات في دار النعيم بجوار الرب الكريم. وكل هذا لو تأمله العبد أو حببله شكرا، وكذلك حمدا لله سبحانه وتعالى، فضلا عما يوفق إليه من أعمال صالح الكثيرة في هذا الشهر. قال: إخواني، تأدبوا بأدب الصيام، وتخلوا عن أسباب الغضب والانتقام، وتحلوا بأوصاف السلف الكرام؛ فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها من الطاعة واجتناب الآثام. قال ابن رجب رحمه الله: الصائمون على طبقتين. إحداهما: من ترك طعام وشراب وشهوة لله تعالى، يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله، وعامله الله، والله لا يضع أجر من أحسن عملا، ولا يخيب معه من عامله، ويربحه أعظم الربح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: «إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا آتاك الله خيرا منه» أخرجه الإمام أحمد، وهو كما ذكر صحيح. والمعنى: ما تدع في صيامك لله عز وجل من ترك المحرمات وفعل الواجبات، وترك كذلك ما منعت من الشهوات لله سبحانه وتعالى؛ سبب لأن يعوضك الله بما هو أعظم وخير منه في جنته. بل صبرك يوجب مضاعفة الأجر، «إنما وفی الصابرون أجرهم بغير حساب»، والصيام شهر الصبر، ورمضان شهر الصبر، فيه الصبر عن محارم الله، وعلى فرائض الله، وعلى طاعات الله، وعلى أقدار الله، وكل ذلك موجب لهذا الفضل العظيم في الصبر. قال: فهذا الصائم يعطى في الجنة ما شاء من طعام وشراب ونساء. قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، وهذه الآية عامة، ومنها أعمال الناس في شهر رمضان. قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين. وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة: فالصائمون، هذا من التفسير ببعض المعنى كما مر، معنى جاء كثيرا عن السلف من الصحابة والتابعين، التفسير ببعض المعنى، وليس هذا حصر للمعنى، فالآية عامة من الصيام، فيدخل فيها الصيام من بعض معانيه. قال: يا قومي، ألا خاطب في هذا الشهر إلى الرحمن؟ ألا راغب فيما عنده الله للطائعين في الجنان؟ من يريد ملك الجنان فليدع عنه التواني، وليقم في ظلمة الليل إلى نور القرآن، وليصل صوما بصوم. إن هذا العيش فان، إنما العيش جوار الله في دار الأمان. قال: الطبقة الثانية من الصائمين، ولأيضًا الكلام كلام من؟ ابن رجب رحمه الله. قال: الطبقة الثانية من الصائمين من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، ويذكر الموت والبلا، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا. فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه، وفرحته برؤيته، وهذه هي الطبقة الموفقة. فالصيام الحقيقي ليس فقط الصيام عن الطعام والشراب، فهذا أحد معاني الصيام، ولكن الصيام الحقيقي أن تحفظ ربك سبحانه وتعالى في كل حياتك، في جوارحك، في وقتك، في كل مكان، فأنت تراقب الله. وهؤلاء هم أعلى أهل الإسلام مرتبة، هم أهل الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، المراقبة والمعية مستحضرة لكل وقت وحين. وعند ذلك يتحقق ما ذكره رحمه الله، قال: من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، ويذكر الموت والبلا، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربي وفرحته برؤيتي. قال: من صام بأمر الله عن شهواتي في الدنيا أدركها غدا في الجنة، ومن صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه. من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت، وهو السميع العليم. يا معشر التائبين، صوموا اليوم عن شهوات الهوى لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء. اللهم جمّل بواطننا بالإخلاص لك، وحسن أعمالنا باتباع رسولك والتأدب بأدابه. اللهم أيقظنا من الغفلات، ونجنا من الدركات، وكفر عنا الذنوب والسيئات، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم آمين.