مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 30

مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 30

الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 30، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ختام رمضان والعبادات في العيد

يتناول ختام شهر رمضان والعبادات التي شرعها الله في ختامه مثل زكاة الفطر وصلاة العيد. يُشرح كيفية أداء هذه العبادات وأهميتها مع ذكر السنن النبوية المتعلقة بصلاة العيد.

أحكام العيد وصيام ما بعد رمضان

يتناول أحكام صلاة العيد وتجمل المرأة وخروجها للعيد، ويشير إلى فضل صيام ست من شوال. ويبين أهمية استمرار العمل الصالح بعد رمضان.

فضل صيام التطوع وقيام الليل والذكر

ذكرت الأحاديث النبوية فضل صيام أيام معينة وفضل قيام الليل وأهمية الرواتب في جبر الفرائض والحث على الذكر بعد الصلوات.

التفريغ النصي الكامل

يحرص إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليق على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثلاثين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "مجالس شهر رمضان": قال المجلس الثلاثون في ختام الشهر. الحمد لله الواسع العظيم الجواد البر الرحيم، خلق كل شيء فقدره، وأنزل الشرع فيسره، وهو الحكيم العليم، بدأ الخلق وأنهى، وسير الفلك وأجراه، والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، للشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، وللليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون. أحمده على ما أولى وهدى، وأشكره على ما وهب وأعطى. وأشهد أنه لا إله إلا هو الملك العلي الأعلى، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وهو بكل شيء عليم. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى على المرسلين، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أفضل الصديقين، وعلى عمر المعروف بالقوة في الدين، وعلى عثمان المقتول ظلمًا بأيدي المجرمين، وعلى علي أقربهم نسبًا على اليقين، وعلى جميع آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا. إخواني، إن شهر رمضان قرب رحيله، وأزف تحويله، وإنه شاهد لكم أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، فمن أودعه عملًا صالحًا فليحمد الله على ذلك، وليبشر بحسن الثواب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ومن أودعه عملًا سيئًا فليتب إلى ربه توبة نصوحًا، فإن الله يتوب على من تاب. ولقد شرع الله لكم في ختام شهركم عبادات تزيدكم من الله قربًا، وتزيد في إيمانكم قوة، وفي سجل أعمالكم حسنات. فشرع الله لكم زكاة الفطر، وتقدم الكلام عليها مفصلًا. وشرع لكم التكبير عند إكمال العدة من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد. قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وصفته أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وروي عن ابن عباس: يكبر ثلاثًا في أوله، ثم يذكر باقي الذكر. قال: ويسن جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت، إعلانًا بتعظيم الله وإظهارًا لعبادته وشكره. ويسر به النساء؛ لأنهن مأمورات بالتستر والإسرار بالصوت. ما أجمل حال الناس وهم يكبرون الله تعظيمًا وإجلالًا في كل مكان عند انتهاء شهر صومهم، يملؤون الآفاق تكبيرًا وتحميدًا وتهليلًا، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه. وشرع الله سبحانه لعباده صلاة العيد يوم العيد، وهي من تمام ذكر الله عز وجل. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها أمته رجالًا ونساء، وأمره مطاع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، مع أن البيوت خير لهن فيما عدا هذه الصلاة، وهذا دليل على تأكيدها. قالت أم عطية رضي الله عنها: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق والحيض وذوات الخدور. فأما الحيض فيعتزلن المصلى، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين". قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: "لتلبسها أختها من جلبابها". متفق عليه. قال: والجلباب لباس تلتحف فيه المرأة، في منزلة العباءة. فإذا كان هذا الحال مع فقرهم وقلة ذات يدهم، فكيف بحالنا اليوم؟ فينبغي أن يحرص الجميع على حضور صلاة العيد لمن لم يكن له عذر. وأما من له عذر، فعذره معه. وكذلك فيه أن حضور الحيض إلى المصلى لا يضر المصلين، ويعتزلن المصل، معناه أنهن لا يصلين، وليس معناه أنهن لا يدخلن مكان الصلاة. والمسألة فيها خلاف، وقد استدل به بعض أهل العلم على ذلك. قال: ومن السنة أن يؤكل قبل الخروج إلى الصلاة بصلاة العيد تمرات وترًا: ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك، يقطعها على وتر؛ لقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا". رواه أحمد والبخاري. وهذه سنة، وقد كان الصحابة يخرجون التمر إلى المسجد بعد صلاة الفجر، كما فعل ذلك علي رضي الله عنه جماعة من الصحابة، فيخرج الناس من الصلاة ويأخذون تمرات، فمن نسي يذكر. وهكذا أهل البيت ينبغي أن يذكرون من في البيت بهذه السنة؛ لأنه يغفل عنها وتنسى، فيجعلون التمر على مخرج الناس قبل الصلاة عند الباب، فمن أراد أن يخرج تذكر أن عليه أن يأكل تمرات قبل أن يخرج إلى الصلاة. وكان من سنة الصحابة رضي الله عنهم أنهم يخرجون مباشرة من المسجد بعد صلاة الفجر إلى المصلى صلاة العيد، يكبرون ويبكرون. ومن استطاع أن يفعل ذلك فعل. قال رحمه الله تعالى: ويخرج ماشيًا لا راكبًا إلا من عذر؛ كعجز وبعد؛ لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا". رواه الترمذي وقال: حديث حسن. الحديث معناه صحيح، فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل عليه، لكن بهذا اللفظ عن علي رضي الله عنه ليس بصحيح. والحديث له عدة طرق، مدارها على الحارث الأعور، وهو ضعيف. وفيه كذلك عنعنة أبي إسحاق، فلا يصح بهذا اللفظ. وأما من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد صح. قال: ويسن للرجل أن يتجمل ويلبس أحسن ثيابه؛ لما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن عمر أخذ جبة من استبرق تباع في السوق، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه، تجمل بها للعيد والوفود". فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هذه لباس من لا خلاق له". يعني لكونها حريرًا، لا تحل للمسلمين الرجال. قال: وإنما قال ذلك لكونها حريرًا، ولا يجوز للرجل أن يلبس شيئًا من الحرير أو شيئًا من الذهب؛ لأنها حرام على الذكور من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. أما الحرير فمحرم، إلا ما استثنى: أربعة أصابع أذن بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما صحت بذلك السنة لمن احتاج إليها، فمن به حكة تحسس، ولا يستطيع أن يلبس اللباس الخشن، فنصحه الأطباء بلبس الحرير، فلا يلبس الحرير الخالص، ولكن يلبس ما هو مخلوط بالحرير، ولكن لا تزيد نسبة الخلط عن هذا القدر: أربعة أصابع. قال بعض العلماء: أي لا يزيد عن عشرة بالمئة، لا يزيد على عشرة بالمئة، فإن زاد فهو لا يجوز؛ لأنه أكثر من أربعة أصابع، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم بقدر أربعة أصابع. وهكذا الذهب الأصل يحرم على الرجال، إلا ما اضطر إليه الرجل، كأن يتخذ سنًا لا يستطيع أن يستبدله إلا بذهب، سواء الذهب الأبيض أو الذهب الأصفر. ورؤية في قصة حديث عرفجة حين قطع أنفه، أنه اتخذ أنفًا من فضة فتعفن ونتن، فأذن له بالذهب. والحديث حسنه بعض أهل العلم قديمًا وحديثًا، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله. فدل هذا أن محتاج الإنسان لاستخدامه لضرورة، وما كان بمعنى الضرورة، فإنه يجوز، ويستثنى بقدر تلك الضرورة، وما كان بمعناها. قال رحمه الله تعالى: وأما المرأة فتخرج إلى العيد متجملة لا متطيبة ولا متبرجة ولا سافرة؛ لأنها مأمورة بالتستر، منهية عن التبرج بالزينة، وعن التطيب حال الخروج. وهذه مسألة يخطئ فيها الكثير من النساء، حتى بعض الصالحات منهن. فالتجمل المأذون بالنسبة للمرأة هو ما كان من تحت الثياب، من تحت الحجاب، لا ما يظهر من الحجاب، فينبغي أن لا يكون الحجاب فيه معنى التجمل الذي يدعو للفتنة بها. ومن باب أولى التطيب، فلا يجوز. ولذلك إذا كان في النساء تبرج، فينهين عن أن يحضرن الصلاة: "درءوا المفاسد أولى من جلب المصالح". قال رحمه الله تعالى: ويؤدي الصلاة بخشوع وحضور قلب، ويكثر من ذكر الله ودعائه، ويرجو رحمته ويخاف عذابه، ويتذكر باجتماع الناس في الصلاة على صعيد المسجد اجتماع الناس في المقام الأعظم بين يدي الله عز وجل في صعيد يوم القيامة. والسنن يخرج الناس إلى المصلى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده. وإن كان هناك عذر للخروج إلى المصلى، فيصل في المسجد، كأن يكون هناك مطر أو كذلك حرب وخوف، أو غير ذلك من المعاني التي تكون عذرًا في الصلاة في المسجد، غير متجملة. لكن إذا أرادت متجملة من تحت الثياب، لا بأس. قال: ويرى إلى تفاضلهم في هذا المجتمع، فيتذكر به التفاضل الأكبر في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَالْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. قال: وليكن فرحًا بنعمة الله عليه بإدراك رمضان وعمل ما تيسر فيه من الصلاة والصيام والقراءة والصدقة وغير ذلك من الطاعات؛ فإن ذلك خير من الدنيا وما فيها. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ولهذا كانت أعياد أهل الإسلام بعد مواسم الطاعات ومواضع التنافس في الخيرات، فهي كالجوائز العاجلة في الدنيا، تبشر بجوائز يوم القيامة بإذن الله سبحانه وتعالى. نسأل الله من فضله ورحمته. قال رحمه الله: فإن صيام رمضان وقيامه إيمانًا واحتسابًا من أسباب مغفرة الذنوب والتخلص من الآثام، فالمؤمن يفرح بإكماله الصوم والقيام لتخلصه به من الآثام. وضعيف الإيمان يفرح بإكماله لتخلصه من الصيام الذي كان ثقيلًا عليه ضائقًا به صدره. والفرق بين الفرحين عظيم. وصدق رحمه الله، فإن من الناس وللأسف يفرح بانتهاء الشهر لانتهاء الطاعات. ومن الناس من يفرح بأن وفقه الله للخير، ويطلب من الله القبول. وفي قلبه حزن وأسى أن فاته شهر الصيام والقيام والتفرغ لذكر الله سبحانه وتعالى. ولذلك كما جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يدعون الله سبحانه وتعالى ستة أشهر أن يوفقهم الله لبلوغ رمضان، وبعده ستة أشهر أن يتقبل الله منهم. معناه: لا ينسون هذه الطاعة، هذه الطاعة عظيمة في قلوبهم وفي ألسنتهم، وهم يدعون الله قبل أن يأتي الشهر بستة أشهر أن لا يفوتهم هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. فإذا وفقهم الله إليه، وبعد الانتهاء منه يدعون الله أن يتقبل منهم؛ لعل الله عز وجل يجعلها في ميزان حسناتهم؛ لأن الشأن ليس أن تعمل العمل، ولكن الشأن كل الشأن أن يتقبل الله سبحانه وتعالى منك العمل. إنما يتقبل الله من المتقين. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ومن السامعين. قال رحمه الله: إخواني، إنه وإن انقضى شهر رمضان، فإن عمل المؤمن لا ينقضي قبل الموت. قال الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. والمعنى: لا يدرككم الموت إلا وأنتم آخذون بهذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه. قال رحمه الله: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات العبد انقطع عمله". فلم يجعل لانقطاع العمل غاية إلا الموت. فلئن انقضى صيام شهر رمضان، فإن المؤمن لن ينقطع من عبادة الصيام بذلك؛ فالصيام لا يزال مشروعًا ولله الحمد في العام كله. فهناك صيام التطوع، كما سيأتي إن شاء الله، الذي هو أولًا يجبر ما نقص من صيام الفريضة، ثم هو من أعظم أبواب الحسنات ورفع الدرجات وتكفير السيئات. قال رحمه الله تعالى: فبصحيح مسلم، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال، كان كصيام الدهر". وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله". رواه أحمد ومسلم. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "أوصاني خليلي بثلاث"، وذكر منها: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر". والأولى أن تكون أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر؛ لحديث أبي ذر رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر". رواه أحمد والنسائي في "الصحيح". وهذه الأحاديث قليل من كثير في فضل صيام التطوع. وابتدأها الشيخ بصيام ست من شوال؛ فبه يكمل صيام رمضان، ويحصل صاحبه على صيام الدهر؛ لأن الحسن بعشر أمثالها، فهذه ثلاثمائة وستون حسنة، وهي الدهر. أيام الدهر ثلاثمائة وستون يومًا. وقوله: "أتبعه" ليس من شرط هذه الست على الصحيح أن تكون متتابعات. وإن حصل له عذر وخشي أن يفوته الست، وكان عليه قضاء، فلا بأس أن يقدم الست على القضاء؛ حتى لا تفوته الست. وإلا فالأفضل إكمال صيام رمضان كاملًا، وإتباعه بست من شوال. فإن لم يستطع، وعليه قضاء، وخشي أن يفوته الست، فلا تفوته الست، يصوم الست، ويبقى الأجر معلقًا حتى يكمل صيام رمضان. متى ما أكمل صيام رمضان بقضاء ما عليه، جاءه هذا الأجر. وصيام ثلاثة أيام من كل شهر كذلك، وله كما مر معنا صور من صوره: أن يصوم الأيام البيض الثلاثة، كما جاء في حديث أبي ذر وغيره. ومن صوره أن يصوم يومًا من كل عشرة أيام. ومن صوره أن يجعله في صيام الاثنين والخميس، يدخل فيها. فكلها تدخل في هذا الفضل. قال: وفي صحيح مسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: يكفر السنة الماضية والباقية". وسئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: "يكفر السنة الماضية". وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه، أو أنزل علي فيه". وفي صحيح مسلم أيضًا، عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم". وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استكمل شهرًا قط إلا شهر رمضان، وما رأيت بشهر أكثر صيامًا منه بشعبان". وفي لفظ: "كان يصومه إلا قليلًا". وعنها رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تحرى صيام الاثنين والخميس". رواه الخمسة إلا أبو داود، فهو له من حديث أسامة بن زيد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعرض أعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم". رواه الترمذي. وهذه الأحاديث وغيرها كثير في أنواع من صيام التطوع، وهي صحيحة: بين حسن وصحيح، وبعضها في الصحيحين أو في أحدهما. وكلها تدل على فضل صيام هذه الأيام المذكورات. وقول عائشة: "أنه لم يستكمل شهرًا قط يعني كاملًا إلا شهر رمضان"، فيه تأكيد أن ما جاء في بعض الروايات من صيام محرم أو شعبان، فإنه ليس كاملًا. قال: ولئن انقضى قيام شهر رمضان، فإن القيام لا يزال مشروعًا ولله الحمد في كل ليلة من ليالي السنة، ثابتًا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله. ففي صحيح البخاري، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقوم ولا يصلي حتى ترم قدما". فيقال له: فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". وفي رواية للنسائي: "حتى تدمي قدما". يعني يخرج الدم من شقوق قدميه عليه الصلاة والسلام. وكان يطيل القيام في صلاة الليل، وكما لا يخفى عليكم في إحدى تلك الصلوات، في ركعة واحدة صلى بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة. يعني: كم أكثر من أربعة أجزاء، خمسة أجزاء. وقليل النسخ تدخل في الجزء السادس. يعني: خمسة أجزاء، وقليل في ركعة واحدة. فهذا بعض صلاته عليه الصلاة والسلام. ومن باب أولى أن يحرص طلبة العلم والدعاة إلى الله أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بالحرص على القيام، وما تيسر منه في مذاكرة القرآن. فكما قال بعض الأئمة والسلف: ينبغي أن يكون طالب العلم يختلف عن الناس في ليله ونهاره، ليله بالقيام، ونهاره مع القرآن. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والثبات على الخير. قال: وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وهذا كذلك حديث آخر يدل على فضيلة القيام، قيام الليل، وغيره مما ذكر من طعام الطعام وصلة الأرحام. قال: وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". وصلاة الليل تشمل التطوع كله والوتر، فيصلي مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت ما صلى. وإن شاء صلى على صفة ما سبق في المجلس الرابع، يعني من الكيفيات التي كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أحاديث كثيرة. وذكر الشيخ بعضها رحمه الله في المجلس الرابع. وأفرد بعض أهل العلم لها رسالة، كالشيخ الألباني رحمه الله في رسالته "قيام الليل". وذكر بعضها العلماء ضمنًا في كتبهم، كأئمة الحديث، جعلوا كتابًا في صلاة الليل. وبعضهم فيما هو خاص بالصلاة، كالمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" وغيرهم من أهل العلم. فالشاهد: صلاة الليل شأنها عظيم، فلا ينبغي للإنسان أن يفرط فيها. فالمسلم عمومًا، وطالب العلم خصوصًا، ينبغي أن يحرص على صلاة الليل؛ فهي عون للإنسان في حياته في دينه ودنياه. وهكذا كذلك يحرص على المداومة ولو بقليل، يعني لا يفرط في صلاة الليل ولو أن يوتر بركعة؛ حتى لا يفوته هذا الخير، فينقطع ويحرم منه. وهنا يدخل الشيطان من حيث أنه يكسل للإنسان حتى يدخله في التسويف، ثم ينسى ويفتر وينصرف عن الطاعة وعن هذا الخير. والغالب أن الناس يوفقون لخير بعد رمضان، ولكن بعد مرور الأيام والليالي يحصل الكسل والغفلة، ويصرف بصوارف من الشيطان، فيحرم الخير. فينبغي للإنسان أن يحرص على الخير ولو قليل. "أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل". وكما مر معنا في المجال السابق: بعض أهل العلم كانوا يفرطون في هذا، وبعضهم كانوا يشددون في هذا الباب. قالوا: في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر أو الأخير، فيقول: من يدعوني فاستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له". والمعنى: أنه وقت فاضل، ينزل الله تقربًا من عباده، نزولًا يليق بجلاله وعظمته. فلا ينبغي لمسلم عرف هذا الفضل العظيم أن يفوت هذا الوقت، فيفوته وقت إجابة الدعاء. قالوا: الرواتب التابعة للفرائض اثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر. فعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة". وفي لفظ: "من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بني له بهن بيت في الجنة". رواه مسلم. وهذه الأحاديث وغيرها يدل على أهمية المحافظة على الرواتب، وكذلك لأن الرواتب تجبر بها الفرائض. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بعدة أحاديث: "أنه أول من يحاسب العبد في الصلاة، ثم يسأل عنها، ثم يقال: هل له من نافلة؟ فإن كان له نافلة، أكمل له ما كان من نقص من فريضته". الحديث. قال: والذكر أدبار الصلوات الخمس، أمر الله به بكتابه، وحث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. وإذا كان هذا في مثل هذا الموضع، فكيف في وقت الرخاء وعدم الخوف؟ فمن باب أولى أن يحرص الإنسان على الأذكار التي كذلك تجبر نقص الفرائض. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم استغفر ثلاثًا، وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يذو الجلال والإكرام". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر ثلاثًا وثلاثين، وتلك تسع وتسعون، ثم قال تمام مئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر". رواه مسلم. قال: فاجتهدوا إخواني بفعل الطاعات، واجتنبوا الخطايا والسيئات؛ لتفوزوا بالحياة الطيبة بالدنيا والأجر الكثير بعد الممات. قال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. اللهم ثبثنا على الإيمان والعمل الصالح، وحينا حياة طيبة، والحقنا بالصالحين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم آمين. إلى هنا إن شاء الله.