الدرس في الدرس الرابع، الدرس الرابع : ( السؤال الأول :هل تجب نية صيام رمضان ... وإلى ما تحتاج إليه من الأمور ) . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم النية في الصيام وكيفيتها، ويشير إلى أن النية القلبية تكفي ولا يشترط التلفظ بها. كما يبين أن التلفظ بالنية يعتبر بدعة ونقصا في الدين والعقل.
يخلص إلى أن التلفظ بالنية لا يشرع في شيء من العبادات، ويتناول حكم الجهر بنية الصيام ودعاء الإفطار، مشيرا إلى عدم ثبوت حديث خاص بدعاء الإفطار.
يتناول عددًا من الفتاوى المتنوعة، منها حكم ذكر غير المسلمين، وتنبيه الإمام للمأمومين بإغلاق الجوالات، وجواز التسمية باسم رمضان، وحكم إغلاق الجوال أثناء الصلاة.
يؤكد على أهمية تقوى الله والامتثال لأوامره بقدر المستطاع، مع التشديد على الصلاة والإنفاق في سبيل الله، ويشجع على أداء العبادات حتى وإن كانت في وضع غير مثالي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا في هذه الرسالة التي جمعت لشيخنا رحمه الله تعالى فيما يتعلق بأحكام الصيام والقيام. قال: السؤال الأول: هل تجزي نية صيام رمضان أم يكفي نية صيام الشهر كله واحدة ومتى ذلك؟ قال: الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، هذا دليل على أنه لا بد من النية في الأعمال. فالذي يظهر أن ينوي الشخص بكل يوم، وليس معناه يقول: نويت أن أصوم يوم كذا وكذا من رمضان، ولكن النية القلبية، فقيامك للسحور يعتبر نية، وإمساكك عن الطعام والشراب يعتبر نية. وأما حديث: «من لم يبيت الصوم فلا صوم له»، فإنه حديث ضعيف مضطرب، وإن حسنه بعض العلماء، فالصحيح فيه الاضطراب. فجواب الشيخ حفظه الله تعالى أن النية لا بد منها استدلالا بعموم الأدلة. وهكذا كذلك على القول بتصحيح هذا الحديث، فإنه كذلك، وعلى قول بضعفه، فلا يعني ذلك انتفاء الحكم، ولكن كذلك الحكم يبقى، وذلك باستدلال بعموم الأدلة. لكن على كلا الأمرين، يعني على صحة الحديث وضعفه، فليس أبدا معنى ذلك أن يكون معنى النية التلفظ بها، لا تلفظ بها فردي ولا تلفظ جماعي. فمن التلفظ الفردي أن يقول الإنسان مثلا: نويت أن أصوم يوم غد كذا وكذا، أو الجماعي ما يفعله بعض الناس بعض صلاة التراويح أو بعض صلاة المغرب أو بعض صلاة العشاء، على أحوال وعادات يفعلها بعض الناس، كل ذلك ليس من السنة. بل إن التلفظ بالنية في العبادات كما قال شيخ الإسلام: نقص في الدين والعقل، نقص في الدين لأنه بدعة لم يثبت بها دليل من الكتاب ولا السنة ولا أثر عن سلف الأمة، ونقص في العقل لأنه في الحقيقة تحديث بما تعلم النفس أنها تعمله، وهذا لغو من الأفعال والأقوال، واللغو لا يفعله العقلاء. ولهذا قال شيخ الإسلام: وما مثل المتلفظ بالنية إلا كمثل الرجل يأخذ اللقمة فيقول: نويت بأخذي هذه اللقمة أكلها والتقوي بها ومضغها وكذا وكذا إلى آخره، فالمتحدث بفعله في الحقيقة فاعل للغو، ولا يفعل اللغو عاقل. وهكذا الذي يتلفظ بالنية يأتي إلى الصلاة ويقول: نويت أن أصلي صلاة العصر أربعا حاضرا مأموما، ماذا أراد بذلك؟ أيريد أن يحدث نفسه؟ فنفسه تعلم ذلك، أم يريد أن يحدث الله عز وجل؟ الله أعلم بذلك، أم يريد أن يحدث الحاضرين؟ فالحاضرين يعلمون بذلك، فإذا ما الفائدة من هذا؟ هو لغو من الكلام، فهو في الحقيقة نقص في العقل ونقص في الدين. وأما ما ينقل عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فهو خطأ نقل عنه، فإنهم نقلوا عنه أنه قال: إنه لا تصح الصلاة إلا بلفظ، وهذه العبارة كما وجهها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنما معناها لا تصح الصلاة إلا بالتكبير، هذا مراد الإمام الشافعي خلافا للحنفية وأهل الرأي الذين لا يقولون بذلك، ويؤيد ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تحريمها التكبير»، وفهم بعض المتأخرين من الشافعية أن مراد الإمام الشافعي التلفظ بالنية، وهذا خطأ، بل صح عنه رحمه الله تعالى النهي عن ذلك في كتبه، كما نقل عنه شيخ الإسلام في مواضع، ومعناه موجود في كتابه الأم. فالتلفظ بالنية من البدع والمحدثات، وهو نقص بالعقل والدين. بل إن إمرار لفظ النية على القلب مع العبادات من البدع والمحدثات، إمرار لفظ النية ليس فقط التلفظ، حتى إمرار لفظ النية يعني الإنسان قبل أن يؤذن المؤذن يمر على قلبه: نويت أن أصوم يوم غد الخميس الموافق كذا وكذا من شهر رمضان لعام كذا وكذا، هذا الإمرار على القلب نقص كذلك في العقل والدين. فلا حاجة لإمرار لفظ النية، فالنية لغة وشرعا القصد، القصد المقترن بالفعل، فأنت إذا قصدت العبادة كان ذلك نية، تقصد هذه العبادة مقترنا بفعلها حصلت النية المقصودة. قال: السؤال الثاني: هل هناك ألفاظ لنية الصيام؟ وهل يجوز الجهر بها؟ وهل هناك أدعية عند الإفطار؟ وهل يجوز الجهر بها؟ جواب: ليس هناك ألفاظ لنية الصيام، والصحيح أنه لا يجهر بها في شيء من العبادات، حتى في الحج، والقائلون بأنه يجهر في الحج لم يأتوا بدليل، إلا ما جاء أن الذي قال: «لبيك عن شبرمة»، فعن شبرمة يحتمل أنه أحج عن شبرمة، والحج بمعنى القصد، ويحتمل أنه نوى عن شبرمة، فيقال: كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يعني الحج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة، وهذا في الحقيقة ليس يتلفظ بالنية، بل هو شروع في العبادة، الإهلال بالحج: «اللهم إني ويهلون بعمرة أو يهلون بحج»، هذا يسمى في الحقيقة إهلالا بالعبادة والحج أو العمرة، كما أنك لا تدخل الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، فلا تدخل الحج إلا بلفظ، ليس هو تلفظا، لو كان تلفظا لقال: نويت أنا حج كذا وكذا وكذا. فعلم أن التلفظ بالنية لا يشرع في شيء من العبادات حتى الحج، وهذا هو الصحيح. وقوله: لا يجهر بها في شيء، قلنا: ليس فقط لا يجهر بها، بل حتى لا يمر بلفظها على قلبه ولو لم يجهر بها، فإن ذلك من البدع كذلك، لأن الإنسان قد يكون تعود بدعة من البدع فيستحي أن يجهر بها بلسانه بعد إذ علم أنها بدعة، فيمرها على قلبه، مرورها على القلب بدعة، إذ أنه يرى أن صلاته لا تصح إلا بهذه النية إمرارها على القلب. وهذا مع ما فيه من المخالفة والنقص كما قلنا في العقل والدين، كذلك فيه إضرار بهذا الإنسان، إذ يدخله في باب الوسوسة، كم من الناس يدخلون في باب الوسوسة بسبب ماذا؟ بسبب التلفظ بالنية. قال رحمه الله تعالى: وأما الأدعية، فمن أهل العلم من يقول: ثبت حديث: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله»، والذي يظهر أنه لا يثبت حديث في الدعاء بخصوصه، وإلا فقد ثبت أن للصائم دعوة مستجابة عند فطره، فأنت تدعو الله بالمغفرة وأن يشفيك وإلى ما تحتاج إليه من الأمور. يعني وهذا من فقه الشيخ وأدبه في الخلاف، الشيخ رحمه الله يرى أن الحديث ضعيف، ومع ذلك انظروا ماذا يقول: قال: من أهل العلم من يقول: ثبت حديث: «ذهب الظمأ وابتلت العروق» إلى آخره، يعني: إن شئت قلت بذلك إن كنت مع هؤلاء. قال: والذي يظهر يعني عندي والعلم عند الله لا يثبت حديث في الدعاء بخصوصه، يعني لم يثبت حديث في دعاء خاص عند الإفطار، لكن يدعو الإنسان ما شاء من الأدعية بحسب ما يناسب حاله ومقامه. يقول بعض المؤذنين في بلدتنا هذه يؤذنون الفجر قبل هذا التقويم الصحيح بثلاث دقائق أو دقيقتين، هل نمسك معهم أو لا نبال به؟ الجواب: إذا استيقنت أنهم يؤذنون قبل الوقت الصحيح فلا تبالي بهم، فأنت تمسك على الوقت الشرعي الصحيح واحرص على هذا. يقول: هل الغيبة تشمل غير المسلمين أم لا؟ الغيبة: الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، أي المسلم. وأما غير المسلم، فإن كان ذكره بما فيه لمصلحة فهو جائز، وإن كان لغير مصلحة فهو من القيل والقال الذي نهيت عنه، ويخشى كذلك أن يكون من الهوى، والله عز وجل حذرك من الهوى، لأنك تهوى التشفي بذكر عيوب الآخرين، فلا حاجة لك لذلك. فإذن لا فائدة من ذكر هذا، ولو كان الكافر الحربي ليس له حرمة، مع العلم أن الكافر غير الحربي من المستأمن والذمي وهكذا كذلك من كان بمعناه له حرمة، فينبغي أن تحافظ. يقول: ما حكم تنبيه الإمام للمأمومين قبل الصلاة بإغلاق الجوالات؟ إذا كان هناك حاجة لذلك فلا بأس، وإذا كان لا حاجة لذلك، لا تكون من سنة الإمام كل صلاة يقول: أغلق الجوالات، لا ما في حاجة لذلك. أما إذا لزم الأمر، رأى بعض الجوالات تعمل أو رأى ناس يتساهلون، فلا بأس أن ينبه أحيانا. يقول: هل يجوز إغلاق الجوال أثناء الصلاة؟ وهل هناك حد للحركة؟ الجواب: نعم يجوز إغلاق الجوال أثناء الصلاة، وليس هناك حد للحركة، ولكن كل حركة تخرج المصلي عن كونه مصليا يمنع منها. وأما الحركة اليسيرة التي يكون بها إغلاق الجوال، فهذا مما لا بأس به، بل قد يجب حتى لا يشوش على المصلين. وأما تحديد الحركة بثلاث حركات، هذا لم يثبت. يقول: ما رأيكم بالتسمية باسم رمضان؟ جائز، ما في دليل يمنع أن يسمى أحد برمضان. وأما حديث: «رمضان اسم من أسماء الله»، فضعيف لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. يقول: هل التوب الذي أصابه شيء من الروائح الكحولية نجس؟ الصواب أنه ليس بنجس، حتى لو أصابه الخمر، فالصحيح أن الخمر ليس بنجس، ولكنه رجس، وفرق بين الرجس والنجس، فالرجس هو الخبيث، والنجس هو الذي ليس بطاهر، لكن ينبغي الإنسان أن يتنزه عن الرجس، يعني عن الشيء الخبيث. يقول: هل يجوز الأذان والإقامة في الجماعة الثانية بعد أن صلى الناس جميعا الصلاة المفروضة؟ الجواب: إن لم يؤذن ولم يسمع الأذان فيؤذن ويقيم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليؤذن أحدكم وليأمكم أكبركم». يقول: لدينا امرأة عجوز تجاوز عمرها المئة عام وهي في حالة من الخرف والعجز، يتعذر عليها أداء الصيام والصلوات، فنرجو إفادتنا ما الواجب تجاهها؟ هل كفارة الإطعام أو ماذا؟ وهل يجوز إخراج كفارة الإطعام نقودا؟ نرجو الإفادة بشكل مفصل. وأنت جزاك الله خيرا، ونسأل الله عز وجل أن يختم لنا ولهذه المرأة ولسائر الحاضرين والمسلمين بحسن الختام. أما جواب هذا السؤال، فإن كانت هذه المرأة قد رفع عنها القلم بفوات وذهاب عقلها بهذا الخرف، فإنه لا شيء عليها، لا صيام ولا صلاة ولا كفارة من إطعام وغيره، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وضع القلم عن ثلاثة»، وفي رواية: «رفع القلم عن ثلاثة»، ومن هؤلاء قال: «المجنون حتى يفيق». وهكذا الكبير بالسن إذا خرف وذهب عقله رفع عنه التكليف. وأما إذا كان عقله موجودا أو يذهب ويأتي، فإنه يجب عليه عند ذلك إن لم يستطع الصيام الإطعام على أوليائه، كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، والخطاب لمن يعقل الخطاب. وأما من لا يعقل الخطاب، فليس له هذا الخطاب، فالخطاب للذي يعقله، إن كان لا يستطيع الصيام فإنه ينتقل إلى الإطعام. وأما من لا يعقل الخطاب، فليس عليه لا صيام ولا إطعام. وهكذا كذلك الصلاة، إن كانت تعقل في وقت ولا تعقل في وقت آخر، فالوقت الذي تعقل فيه تصلي بحسب ما يتيسر لها، إن استطاعت أن تتوضأ توضأت، ما تستطيع تتيمم، إن استطاعت أن تصلي قائمة صلت قائمة، ما تستطيع تصلي قاعدة، ما تستطيع تصلي على جنب. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وكما قال كذلك عليه الصلاة والسلام: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، حديث عمران المشهور. والله تعالى أعلم. طيب نكتفي بهذا القدر وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.