الدرس في كتاب البيع 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المفهوم والأسس الشرعية لخيار العيب في البيع، حيث يجب على البائع الإفصاح عن العيوب للمشتري. إذا لم يفعل، ثبت للمشتري حق الرد أو الإمضاء بناءً على أحاديث نبوية.
يشرح المقطع أحكام خيار العيب والغرر، حيث يتعين على البائع بيان عيوب المبيع، وإلا ثبت للمشتري الخيار. كما يوضح مفهوم الغرر والخراج بالضمان.
يناقش المقطع حكم بيع الغرر والتدليس، ويبين أنه لا يجوز شرعًا لما فيه من جهالة. كما يستعرض أمثلة على ذلك مثل بيع المصراه، ويشرح حق المشتري في الرد.
يتناول المقطع جواز البيع عند حصول التراضي بين الطرفين شرعًا، ويشير إلى انتقال الموضوع إلى درس آخر بإذن الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: باب الخيارات، قال: يجب على من باع ذا عيب أن يبينه، وإلا ثبت للمشتري الخيار، والخراج بالضمان، وللمشتري الرد بالغرر، ومنه المصراه فيردها وصاعًا من تمر، أو ما يتراضيان عليه، ويثبت الخيار لمن خدع أو باع قبل وصول السوق، ولكل من المتبايعين بيعًا منهيا عنه الرد، ومن اشترى شيئًا لم يره فله رده إذا رآه، وله رد ما اشتراه بخيار مدة معلومة قبل انقضائها. وإذا اختلف البيعان فالقول ما يقول البائع. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب يتناول مبحثًا من مباحث كتاب البيوع، وهو ما يتعلق بالخيارات. فقوله: «باب الخيارات» أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الخيارات، فالباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا الدخول والخروج المعنوي. والخيارات جمع الخيار، والمراد به خيرة المرء في إمضاء البيع أو عدم إمضائه. والأصل في هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في ما جاء في الصحيحين، وسبق معنا: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». وقد دلت السنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هناك أنواعًا من الخيار في البيع. فمن أنواع الخيار خيار العيب، أي أن للبائع أو المشتري الخيار إذا كان في المبيع عيبًا. قال: «يجب على من باع ذا عيب أن يبينه، وإلا ثبت للمشتري الخيار». هذه المسألة الأولى من مسائل باب الخيار، ويسميه الفقهاء بخيار العيب، يعني من أنواع الخيار خيار العيب. فأي شيء معيب وقع فيه البيع جاز الرجوع في هذا البيع بسبب العيب. ودليله ما أشار إليه في الشرح في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء من حديث عقب بن عامر -رضي الله عنه-، وقد رواه كما ذكر ابن ماجة والدارقطني والحاكم والطبراني وغيرهم، وهو حديث حسن، حسنه الحافظ البيهقي والعلامة الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه. وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «المسلم وأخ المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بينه». ومعناه أن العيب سبب لفسخ البيع، بل تدل عليه العمومات، منها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». فقوله: «ما لم يتفرقا» هذا في إمضاء البيع إذا لم يكن به عيب، وأما إذا كان فيه عيب فهذا الحديث يدل على أنه لا بد من إرجاع المعيب. وهذا من الغش كما سيأتي الذي لا يجوز أن ينضي مثله، وعمومات الأدلة تدل على ذلك. وأشار كذلك في الشرح إلى حديث العداء بن خالد الذي أصله في البخاري معلقًا، وجاء في السنن موصولًا، وهو صحيح. وفيه كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- له: «هذا ما اشتراه العداء بن خالد بن هودة من محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم من المسلم». ومعنى «لا داء» يعني لا مرض، «ولا غائلة» يعني لا شيء يكون فيه الغش وما كان بمعناه من النقص، «ولا خبثة» يعني كذلك في المبيع، وكل هذه من صفات المعيب. «بيع المسلم من المسلم» يعني الذي يتضمن عدم العيب. وهكذا عمومات كحديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «من غشنا فليس منا» وغيرها من الأحاديث في هذا الباب. فهذا كله يدل على أن المبيع إذا وقع فيه العيب جاز فسخ البيع به، ولو تفرق البيعان، ولو كذلك على الصحيح انقضت مدة شرط البيع. مثلا رجل قال لآخر: أشتري منك هذه السيارة على أن يكون بيننا شرط أسبوع تقلبها وتنظر فيها، فنظر فيها وقلبها بحسب خبرته وخبرة من سأل، لم يجد فيها عيبًا، ثم بعد ذلك ولو بعد انقضاء الأسبوع الذي هو مدة الشرط اكتشف أن بها عيبًا. وهذا العيب عند أهل العرف عيب حقيقي، لأن بعض العيوب قد لا تكون عيوبًا حقيقية. فالعيب الحقيقي الذي في عرف أهل العرف والخبرة أنه عيب هو الذي يجوز به فسخ البيع أو التعويض بعوض هذا المعيب. فهنا إذا اكتشف العيب فهو بالخيار بين أمرين، بين أن يرد المبيع أو يصطلحا على أن يأخذ الفارق في قيمة هذا العيب. مثلا وجد عيبًا مثلا في قاعدة هذه السيارة، قاعدة هذه السيارة وجد بها شق يعني لحام معين يدل على أن هذه القاعدة كانت مشقوقة. فهذا العيب يضر في عرف أهل العرف والخبرة، فإذا اكتشف مثل هذا العيب فله أن يقول: أنا ما أريد هذه السيارة لأن بها عيبًا، أو يقول: أنا أرضى بالسيارة لكن بهذا العيب هي لا تسوى بالقيمة التي أخذتها. فيسأل أهل الخبرة فيخفضون من قيمتها ما يعادل أو يقارب هذا العيب، فيصطلحان على ذلك. وهذا معنى ما أراد المؤلف -رحمه الله- الإشارة إليه: أنه يجب أولًا على البائع أن يبين ما في المبيع من عيب إن كان به عيب. فإن لم يبين وقد علمه فإنه يلزمه تبعًا لذلك أن يكون في هذا المبيع خيار العيب. قال -رحمه الله تعالى-: «يجب على من باع ذا عيب أن يبينه، وإلا ثبت للمشتري الخيار». وهذا الخيار هو خيار العيب على التفصيل الذي سبق. قال: «والخراج بالضمان». والخراج بالضمان معناه ما يكون من نفقة بقدر المنفعة، وما يكون من منفعة فبقدر النفقة. وأصله حديث جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- اختلف بصحته، والصحيح أنه حديث حسن: «قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الخراج بالضمان». روي عن عائشة عند أحمد وغيره، وأشار إليه بالشرح، وهو حديث حسن بمجموع طرقه. ويدل عليه كذلك حديث آخر أي على معناه، ويؤيده ما جاء وروي عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: «الغلة بالضمان». وهو كذلك حديث حسن، وقد حسنهما العلامة الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه. فهذان الحديثان يدلان على هذا المعنى، أي أن المنفعة بقدر كذلك النفقة، والنفقة بقدر المنفعة. فمثلًا من أنفق على شيء وانتفع به فيقال له: «الخراج بالضمان». مثلا رجل اشترى سيارة فوجد بها عيبًا، وقد أنفق على هذه السيارة نفقة من وقود وزيت وربما عمل لها شيء من التحسينات اليسيرة مما جرى العرف أنه يدخل تحت قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الخراج بالضمان». لا يأتي ويقول: أنا قد وجدت بهذه السيارة عيبًا فأريد السيارة ترجع وأريد كل ما وضعته فيها يرجع لي. فيقال له: السيارة ترجع نعم، أما كل ما وضعته فيها فيرجع لك فلا. لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الخراج بالضمان»، أنت قد انتفعت من هذه السيارة، مشيت فيها وأخذت منفعتك منها، وهذا الذي وضعته فيها مقابل ما انتفعت. «الخراج بالضمان» مثله لو أن رجلًا اشترى شاة ثم وجدها معيبة، وكان قد أنفق على هذه الشاة، أنفق على هذه الشاة واحتلب منها ما احتلب، ثم وجد أن الحليب الذي فيها ليس كالذي وجد. فمثلا تكون مصراه -وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه-. فهنا يقال له: هذا الرجل انتفع، وما دام انتفع فالخراج بالضمان، إلا ما سيأتي إن شاء الله تنبيه عليه فيما وردت به السنة. وهكذا ما كان بمعناه من النفقات التي توضع في بعض المنافع، فما كانت من نفقات تقابل المنافع فالخراج بالضمان. رجل دخل في بيت فنظف هذا البيت وجعل فيه تحسينات، ثم وجد في هذا البيت عيبًا، وكان قد سكن فيه فترة، فأراد أن يخرج من هذا البيت لأجل العيب. ليس له أن يقول: أريد قيمة التنظيف وقيمة التحسينات التي فعلتها. فيقال له: «الخراج بالضمان»، وهذا من المؤلف -رحمه الله- كالتنبيه والاستثناء أن الخيار للمشتري في المعيب، إلا ما كان بمعنى الخراج بالضمان فليس له الرجع فيه. قال -رحمه الله-: «وللمشتري الرد بالغرر، ومنه المصراه فيردها وصاعًا من تمر». كذلك من أنواع الخيار خيار الغرر، خيار الغرر هو من أنواع الخيار، وقد يسميه بعض أهل العلم بخيار التدليس. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. وبيع الغرر كل بيع فيه معنى الجهالة، ويدخل فيه من باب أولى التدليس. قال -رحمه الله-: «وللمشتري الرد بالغرر» أي ببيع الجهالة. فلا يجوز بيع الجهالة أولًا، فإذا وقع فالصحيح أن هذا البيع لا يصح، ويجوز إرجاع المبيع بهذه المخالفة أو بهذه المؤاخذة. لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الغرر. وأشار في الشرح إلى معنى ذلك بالمثال الذي مثله، فإنه ذكر حديث المصراه. فهو كالمثال، والحديث الصحيح من حديث أبي هريرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تصر الإبل والغنم» يعني لا تختزن لبنها على وجه التدليس. لأن التصرية هو إبقاء اللبن في الضرع فترة من الزمن حتى يظهر الضرع سمينًا وأنه يحمل لبنًا كثيرًا، وهو في الحقيقة ليس لبن يوم واحد وإنما هو لبن أيام محبوس في ضرعها. فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وقال: «فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها». يعني من ابتاعها أي من اشتراها فهو بخير النظرين أي بأحد خيارين بعد أن يحلبها ويكتشف العيب. إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر. وجاء في رواية لمسلم وغيره: «من اشترى مصراه فهو منها بالخيار ثلاثة أيام». وتحديد هذه المدة لأجل اختبارها والتأكد من كونها مصراه وحصل فيها التدليس. قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن شاء أي بعد الأيام الثلاثة أمسكها وإن شاء ردها ومعها صاعًا من تمر لا سمراء» يعني ليس فيها شيء من الحب. وهذا الحديث هو الذي دلت عليه السنة، وهو الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، خلافًا للحنفية الذين عارضوا ما في هذا الحديث بالرأي. وأما كون الحد بالصاع من تمر لا يكون فيما يزعمون عدلًا لاختلاف اللبن من الشاة الكبيرة والشاة الصغيرة ومن الناقة وغيرها. فالجواب أن من حكمة الله أن جعل هذا الحكم الشرعي فضًا للنزاع، فلأجل أنه لا يوجد حد للقليل والكثير فإنه جعل الحد في الشرع حتى تنقطع أسباب النزاع. لأنه لو قيل: حددوا هذا اللبن بما يعادله من التمر وزنًا أو كميةً أو قيمةً، لحصل في هذا نزاع بين البائع والمشتري. فكل بائع سيمدح ما عنده من ناقة أو شاة، والعكس المشتري سيدم وسيبخص وسيحصل في هذا النزاع. لكن لما حد في الشرع صاع من تمر، إذن ما في نزاع، لا أحد يتكلم بعد ورود سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، الجميع يرضى. والشرع لم يفرق بين قليل وكثير وكبير وصغير، فكان في هذا سببًا لقطع مادة النزاع، ولله حكمه سبحانه وتعالى فيما شرع لعباده. وهذا الصاع في مقابل ما انتفع به هذا المشتري من اللبن، إن انتفع من اللبن فيدفع مقابل اللبن صاع من تمر. وإن شاء زاد من عنده، أما الشرع فقد ألزمه بصاع من تمر. الشاهد من هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاز لهذا الذي غش في هذا البيع وحصل له التدليس أن يرد هذا الذي اشتراه ما دام فيه تدليس وغرر. وكذلك كل بيع يحصل فيه التدليس ويحصل فيه كذلك الغرر. فإن قال قائل: ما الفرق بين بيع الغرر والتدليس والشرط فيه وبين شرط العيب أو المعيب الذي سبق؟ الجواب أن الأول قد لا يكون بعمد وهو خيار العيب، وأما الثاني فهو قد يكون بعمد، يعني أن صاحبه يتعمد إظهار الشيء حسن وهو قبيح، وإظهاره سليم وهو ناقص. هذا هو بيع التدليس، يحصل فيه نوع من الكذب والتغيير للحقيقة. أما خيار العيب حتى ولو كان البائع لم يفعل ذلك، لأن بعض الأشياء قد تكون معيبة من غير فعل البائع. فما كان كذلك فهذا فيه خيار من نوع آخر وهو خيار العيب في البيع. ثم قال -رحمه الله-: «وللمشتري الرد بالغرر، ومنه المصراه فيردها وصاعًا من تمر أو ما يتراضيان عليه». يعني إذا حصل التراضي بأن يقول مثلا: أنا رضيت أن أشتري منك هذه الأشياء ما سأردها لك، لكن خفض لي في سعرها ما دمت قد كذبت علي وقلت لي أنها تعطي هذا اللبن في كل يوم، وهذا كذب. فإذا خفض لي في السعر فإذا خفض له بالسعر حصل التراضي بذلك. فالبيعان بالخيار كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «وكما قال: إنما البيع عن تراض». فإذا وقع البيع بهذا المعنى وهو حصول التراضي فلا شيء في ذلك. طيب ننتقل الآن إن شاء الله إلى الدرس الآخر.