الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 40، الدرس الأربعون:من( باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم هو الغلو في الصالحين ... العشرون:أن سبب فقد العلم موت العلماء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش مفهوم الغلو في الصالحين وأسبابه، حيث يشير إلى أن سبب كفر بني آدم هو الغلو في الصالحين. يبين أن الغلو يبدأ باعتقاد يسير ثم يتطور إلى أعمال وأقوال تنافي التوحيد.
يشرح نتائج الغلو والفتنة وكيف بدأ الشرك في الأرض، ويبين أن قبول البدع وخلط الحق بالباطل هو من الأسباب الرئيسية للفتنة. يشير إلى خطورة الغلو ونتائجه مستشهدًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يستخرج فوائد من قصة قوم نوح والحديث عن المتنطعين، ويشدد على أهمية العلم وورثة العلماء. يبين أن الصلاة مع أهل التوحيد لها خصوصيات، وكان أصحاب النبي يحرصون على الصلاة في مسجده.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. وقول الله عز وجل: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم﴾. وفي الصحيح عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت". ومعنى ذهاب الجيل الأول، فجاءت أجيال فوقع عندها الغلو في هذه التماثيل فعبدتها من دون الله. وأصله في البخاري. قال وقال ابن القيم، رحمه الله: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم". قال: "وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» أخرجاه يعني في الصحيحين". قال: "وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»". والحديث الأول حديث عمر المعروف المشهور أنه في البخاري فقط. وقد أشار المعلق إلى أنه ليس في مسلم. قال: "ولمسلمين قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»" هو حديث ابن عباس، وقاله النبي عليه الصلاة والسلام عند رمي الجمار، فنهى عن الغلو عموما وعن الغلو في رمي الجمار خصوصا. قال: "ولمسلمين عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا والمتنطعون هم الذين يسلكون مسلك الغلو»". وهذا هو الشاهد. قال رحمه الله تعالى: "فيه مسائل: الأولى أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب". يعني من أحوال الناس التي وقعوا فيها، وكان هذا مما كثر الابتلاء به في أزمنة متقدمة وهكذا إلى عصرنا هذا، وخاصة في عصر المؤلف. فإن فتنة الناس بالغلو في الصالحين كانت هي سبب كل شر. قال: "الثانية معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه كان بشبهة الصالحين، فإذا كان كذلك دل هذا على أن أهل الإسلام ينبغي أن يحذروا من هذه الشبهة وأن يقطعوا كل الحبائل والوسائط الموصلة إليها". وهي الغلو في الصالحين، لأن الغلو في الصالحين يبدأ باعتقاد يسير ثم يكبر هذا الاعتقاد ثم تتبعه أعمال وأقوال تنافي التوحيد وهي من الشرك إما الأصغر أو الأكبر. قال: "الثالثة أول شيء غير به دين الأنبياء وما سبب ذلك؟ مع معرفة أن الله أرسلهم". والمعنى أن الذي ذكر في حديث ابن عباس هو أول ما حصل به تغيير دين الأنبياء يعني بعد نوح عليه السلام. قال: "الرابع قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها". ووجهه كما سمعنا في كون الناس قبلوا هذه البدعة ومشيت فيهم مع أن الشرع يقتضي عدم فعل مثل ذلك. قال: "الخامس أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل". وجه الحق أنهم بالفعل أناس صالحون والباطل هو الغلو. فكونهم من الصالحين لا يعني ذلك أن يغلى فيهم. قال: "السادسة تفسير الآية التي بسورة نوح يعني ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ الآيات من سورة نوح". قال: "السابعة جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد". هذه جبلة امتحن الله عز وجل بها بني آدم. قال: "الثامنة فيه شاهد لما نقل عن بعض السلف أن البدعة سبب الكفر وأنها أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها". وهذا واضح وظاهر لأن الكفر كله بأنواعه وسائر صوره إنما هو من البدعة. قال: "التاسع معرفة الشيطان بما تقول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل". ومعناه أن الشيطان يعلم أن البدعة أعظم على الإنسان من المعصية. قال: "العاشرة معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه". وهذا ليس بالغلو فحسب، فهو في الغلو خاصة وفي كل ما كان بمعناه. قال: "الحادية عشرة مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح". لأن العكوف على القبر من معاني الغلو. قال: "الثانية عشرة معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها". ومعنى أن فتنة من فتن في قوم نوح كان بسبب التماثيل واتخاذها. قال: "الثالثة عشرة معرفة عظم شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها". ومعنى أن هذه القصة على اختصارها ودقة ما جاء فيها إلا أنها تحوي معاني عظيمة ينبغي الانتباه لها. قال: "الرابعة عشرة قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث ومعرفة بمعنى الكلام". وكون الله حال بينه وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أنه على قوم نوح وأفضل العبادات. قال: "الخامسة عشرة التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة"." قال: "السادسة عشرة ظنوا من العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك". أي ظن من جاء بعدهم من الأجيال المتأخرة أن ما فعله العلماء من جعل تلك التماثيل والصور هو أنها تتخذ وصائف ويستشفع بها. قال: "السابعة عشرة البيان العظيم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم»". فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين. قال: "الثامنة عشرة نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين". يعني في قوله في حديث ابن مسعود: «هلك المتنطعون». قال: "التاسعة عشرة التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم". ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده. أي العلم. قال: "العشرون أن سبب فقد العلم موت العلماء". وهذا يدعونا إلى الاعتناء بالعلم وأن حفظ العلم بحفظ طلابه. قال: "فإنهم إذا حفظوا العلم عن العلماء كان للعلماء ورثة". وإذا لم يؤخذ العلم عن العلماء مات العلماء ولم يكن لهم ورثة. قال: "وعند ذلك يترك الناس على جهلهم فيهلكون". وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزع من صدور العلماء ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم أو قال لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». نكتفي بهذا ونكمل ما تبقى في درس لاحق إن شاء الله تعالى. يقول رجل له سيارة: فهل الأفضل في حقه أن يصلي في مسجد قريب من بيته ماشيا، وهذا المسجد من مساجد العوام، أو يصلي في مسجد أهل السنة راكبا السيارة ولو كان هذا المسجد بعيدا من بيته؟ قال: "إن كان يستطيع أن يمشي إلى المسجد ولو كان بعيدا فهذا حسن". وإن كان يشق عليه أو يضيع عليه وقت يستغله في علم وفيما هو أنفع فإنه يذهب راكبا. قال: "فإن الصلاة مع أهل التوحيد لها خصوصيات". ولهذا جاء في حديث ابن عباس: «ما من مسلم يموت فيقوم عليه أربعون ممن يوحد الله لا يشرك به شيئا إلا كان ...». وهذا يدل على أن صلاة أمثال هؤلاء أعظم. قال: "وهكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يأتون من الأماكن البعيدة للصلاة في مسجده". نكتفي بهذا. وهذا السؤال نأجله إلى وقت آخر.