كتاب الضمانة  1

كتاب الضمانة 1

الدرس في كتاب الضمانة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الضمانة وأحكامها العامة

يناقش تعريف الضمانة وأحكامها وفقًا للشريعة الإسلامية، حيث تعني التزام شخص بما يجب على غيره مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة. الضمانة تتوقف على جواز الشيء المضمون.

ضمانة الدين وأحكام أدائه

إذا ضمن شخص دينًا لآخر، فعليه أداؤه إذا لم يؤده الأصيل، مستندًا إلى حديث أبي قتادة. إذا أدّى الضامن الدين سقط عن الأصيل وورثته والعكس صحيح.

تطبيقات الضمان المعاصر وتجنب المخالفات الشرعية

يشرح معنى ضمانة التحضير وتطبيقاتها المعاصرة في المعاملات التجارية، ويحذر من الوقوع في المخالفات الشرعية مثل الربا عند إصدار الضمانات التجارية.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: كتاب الضمانة، يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال أن يغرمه عند الطلب، ويرجع على المضمون عنه إن كان مأمورًا من جهته. ومن ضمن بإحضار شخص وجب عليه إحضاره، وإلا غرم ما عليه. وهذا موضع آخر من المواضع التي تستحق أن تنقل إلى كتاب البيوع، ولكن كما تقدم لما له من علاقة بما بعده من أبواب، فناسب ذكرها في هذا الموضع، وإن كان أشبه ما يمكن أن تكون فيه وأولى في كتاب البيوع. وقوله: كتاب الضمانة، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الضمانة. ومعنى الضمانة مأخوذ من معنى ضمن يضمن تضمينًا، إذا قام بالالتزام والانضمام بما يكون به لزوم ما لا يلزمه. وسيأتي -إن شاء الله- معنى ذلك في الأدلة والمسائل التي ستأتي. وأما في الاصطلاح، وفي كذلك ما دلت عليه عمومات الأدلة في معنى الضمانة في اصطلاح أهل العلم وفي الشرع، فهو يدور حول معنى التزام من يصح تبرعه عما وجب على غيره. التزام من يصح تبرعه ما وجب على غيره، يلتزم بشيء وهو أهل لهذا الالتزام فيما لا يجب عليه، ولكن يجب على غيره. فعند ذلك يكون ملزومًا بما التزم به. ملزومًا بما التزم به، هذا هو معنى الضمانة. قال -رحمه الله-: يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال أن يغرمه عند الطلب. ابتدأ بهذه المسألة، وأدلة الضمانة ومشروعيتها دلت عليها أدلة الكتاب والسنة والإجماع. أما أدلة الكتاب فهي كثيرة، ومنها فيما ذكره ربنا جل وعلا في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام حين ذكر أمر الفتية وما كان من شأنهم مع يوسف وقصة أبيه، قال فيه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يعني ضامن، وأنا به زعيم يعني ضامن. ومن أدلة السنة أدلة كثيرة، منها ما أشار إليه في الشرح حديث «الزعيم غارم» روي عن عدد من الصحابة. وقد أشار في الشرح إلى أن أكثر الطرق التي رويت فيه فيها ضعف، لكن بمجموع طرقه يرتقي الحديث إلى معنى الحسن، ولهذا صححه جماعة من أهل العلم، ومنهم الشيخ الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه في الإرواء وفي الصحيحة وفي غيرها. ومعنى «الزعيم غارم» أي ضامن. وأخذ معنى الزعيم أي من زعم أنه يقوم مقام من عليه الحق، فهو غارم أي يغرم كما يغرم صاحب الحق، فيكون بذلك ضامنًا. والغرم ها هنا بمعنى ما يخرج منه من حق، ما يخرج منه من حق مثل الدين إذا التزمه فهو يغرمه. وكذلك ما يأتي من أنواع الضمانات كما سيأتي -إن شاء الله- في المسائل. وأول هذه المسائل التي أشار إليها إذا كانت الضمانة على حي أو ميت في تسليم مال، فهنا يلزم هذا الضامن أن يؤدي ما التزم به من مال لهذا الحي أو لذلك الميت على الوجه الذي حصل به أمر الضمانة. ودليله ما أشار إليه في حديث سلم بن الأكوع عند البخاري وغيره في قصة أبي قتادة والرجل الذي امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الصلاة عليه لأجل الدين. وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك في وقائع كثيرة تعليمًا للناس أن يحرصوا على تزديد ديونهم، وأن لا يتساهلوا ولا يتساهل ورثتهم في تزديد الديون والحقوق للناس. ولهذا قال العلماء: يستدل به على أن هذا يفعله من كان له واجهة في الناس مما يكون بفعله تعليم وزجر لهم، كالإمام والعالم ومن كان بمعنى هؤلاء. وليس معنى هذا أن يدفن الميت إذا لم يسدد عنه دينه بدون صلاة، ولكن لا يصلي عنه لهذا الإمام، وإن كان يصلي عليه أهله أو من شاء ممن يصلون عليه. فالشاهد قال أبو قتادة: «صلي عليه يا رسول الله وعلي دينه»، فصل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-. وجاء في رواية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكد عليه أنه يؤدي هذا الدين، فأكده -رضي الله عنه- أرضاه. فها هنا صار أبو قتادة زعيم وهو غارم، فالزعيم غارم أي بمعنى ضامن يضمن ذلك. وجاء في لفظ حديث جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له -كما أشار إليه في الشرح-: «قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منه الميت»، ومعناه يتعلق بذمتك يا أبا قتادة. فقال أبو قتادة: نعم، فصل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-. فلما قضى -أي هذا الدين- قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الآن بردت عليه جلده». وهذا معناه أن من فرط في تأذية الدين فلا يزال يعذب حتى يرجع الدين لأصحابه، حتى يرجع الدين لأصحابه. وفي هذا دليل كذلك أنه إذا أدى الدين من جهة الضامن سقط عن من ضمن له وعن ورثته، وعن ورثته. وفي مقابله لو أدى الأصيل إذا كان حيًا -مثلًا- أو من كان من جهته -أي من جهة من عليه الدين- كالورثة -مثلًا- فلا يلزم الزعيم -أي الضامن-. ننتبه لهذا، يعني ليس كونه ضامنًا يلزمه ولو حصلت التأدية من غيره. إذا حصلت التأدية من غيره فهذا هو المقصود. ولا يجوز لمن له الدين أن يمتنع يقول: لا أبدًا، أنا ما أقبل منه، أريد إلا منك. هذا غير صحيح، هذا تعنت، هذا تعنت. إلا إن كان فيه ضرر عليه، فلا ضرر ولا ضرار. إذا كان فيه ضرر عليه فلا ضرر ولا ضرار. وأما إذا كان لا يضره فلا يجوز له التعنت، إذ الأصل أداء من الأصيل والزعيم، الأصل أداء الأصيل ليس أداء الزعيم. ونبه العلماء على هذه المسألة. وأشار -رحمه الله- إلى مسألة أخرى، قال: ويرجع على المضمون عنه إن كان مأمورًا من جهته. ومعناه -كما أشار بالشرح- إذا كان الدين عليه والأمر منه للضمين بالضمانة، فهو كالأمر بالتسليم، فيرجع عليه بذلك. فإذا لم يكن مأمورًا به من جهته -كأن يتعذر- فهنا معناه عند التعذر يرجع على من على الأصل يرجع على الأصل. فإذا تعذر أخذ السداد من الزعيم فيرجع إلى الأصيل. ومن باب أولى لو أدى الأصيل لم يضمن من الزعيم. واضح هذا. مثاله: مثلا زيد من الناس عليه دين، فقال عمر: أنا أضمن لكم الدين. مثلا حل وقت الدين فأتوا إلى زيد وليس عنده ما يسدد، فقال عمر: أمهلوني أيام وعلي الدين. فهنا انتقل الدين الآن على من على عمر، فالضامن والزعيم هو من عمر، والأصيل الذي ضمن هو زيد. فإذا جاء الموعد وماذا وعمر غير موجود، فهل يسقط الدين؟ لا ما يسقط. فإذا لم يوجد الزعيم رجعوا لمن للأصيل رجعوا للأصيل. وإذا أدى الأصيل هل يبقى على الزعيم شيء؟ ما يبقى على الزعيم شيء. هذا معنى المسألة. وقوله -رحمه الله-: ومن ضمن بإحضار شخص وجب عليه إحضاره، وإلا غرم ما عليه. يعني إذا كانت الضمانة بما يسمى ضمانة التحضير، وهذا معروف اليوم. أنت تحضر فلان من الناس. طيب فإذا لم تحضره وكان الذي يلزم في إحضاره هو حق مالي، إذن أنت تدفع هذا الحق المالي. أنت تدفع هذا الحق المالي لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الزعيم غارم». لعموم قوله: «الزعيم غارم». فلو قال هذا الزعيم الذي هو ضامن: أنا إنما التزمت بإحضاره، لم ألتزم بماذا بدفع شيء من المال. فيقال: لازم هذا الإحضار إذا لم يقع يلزمك. لأنه إذا أحضر إما أن يدفع ما عليه وإما أن يعاقب. فالآن أنت لم تفي بما ضمنت، فيلزمك ما يلزم من التزمت بإحضاره. هذا هو «الزعيم غارم». ومعنى غارم يعني كالغارم في الدين، يلزمه ما يلزمه. ومنه الضمانات التجارية اليوم، يكثر استعمال الضمانة التجارية. لكن ننتبه ها هنا، وقد توسعت معاملات الناس واختلفت معاني هذه الضمانات. أن المسلم ينبغي عليه أن يحرص على عدم الوقوع فيما يخالف الشرع. لأن بعض الضمانات التجارية يلزمها الوقوع في الحرام. مثل ماذا؟ مثل أن يكون الذي ضمن عقده عقد ربا. ممكن. وما أكثره اليوم في المجتمع. يأتي إنسان ويعمل عقد مع بنك أو مع شركة أو مع جهة حكومية، ويكون هذا العقد المالي -سواء دين كامل أو بالتقصيط أو غير ذلك- مبني على معنى من معاني الربا. وله صور وكيفيات لا تعد ولا تحصى. ثم يقولون له: ائتي لنا بضمان تجارية. فيذهب إلى أحد التجار ويقول: أريد أن تضمني. وهذا المسكين يقول: ماذا هذا باب خير يضمن. ثم بعد ذلك إذا ذهب الرجل أو صار له شيء، فما يدري إلا وهو يسدد ربا، يلتزم بما يلزم منه تأدية ما على الرجل من الربا. فإذا حتى لا يقع الإنسان في مثل هذه المعاني عليه أن يسأل: أضمن في ماذا؟ أضمن في ماذا؟ لابد أن يعرف. إذا كان شيء جائز ضمن، وإذا كان شيء غير جائز لا يضمن. «تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبيه محمد وآله وصحبه وسلم.