الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 24، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» مبيناً أن الصوم الواجب كقضاء رمضان أو النذر يجب على أولياء الميت قضاؤه عنه إذا تمكن من القضاء في حياته ثم مات. ويرجح الشيخ جواز صوم غير الولي عن الميت تبرعاً قياساً على قضاء الديون والحج عنه.
يبيّن المقطع جواز صيام الأقارب عن الميت لقضاء رمضان مع وجوب التتابع في صوم الكفارة، ثم ينتقل لبيان وقت الإفطار بغروب الشمس وعلامات دخول الليل. ويوضح أن عبارة "أفطر الصائم" تعني دخول وقت الإفطار لا وجوب الفطر الفوري.
يشرح المقطع سنة تعجيل الفطر عند غروب الشمس والأفضلية في الفطر على تمر أو ماء مع مناقشة أسانيد الأحاديث الواردة. كما يتناول قصة من أفطروا في يوم غيم ثم طلعت الشمس واختلاف الرواية في وجوب القضاء عليهم.
يبيّن المقطع أن من أفطر في رمضان ظناً لغروب الشمس بسبب غيم أو خبر ثقة ثم تبين خطأه فلا قضاء عليه للأدلة المعفية للمخطئ. ثم ينتقل إلى مشروعية تعويد الأطفال على الصوم متى أطاقوه دون سن معين كما يؤمرون بالصلاة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني، رحمه الله تعالى. قال المصنف رحمه الله: باب من مات عليه صوم. وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلاً يوماً. وقال: حدثنا محمد بن خالد، قال: حدثنا محمد بن موسى بن أعين، قال: حدثنا أبي عن عمر بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن جعفر حدثها، وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». تابعه ابن وهب عن عمر، ورواه يحيى بن أيوب عن ابن أبي جعفر. وقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: حدثنا معاوية بن عمر، قال: حدثنا زائدة عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت عليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، فدين الله أحق أن يقضى». وقال سليمان: فقال الحكم، وسلمة، ونحن جميعاً جلوس حين حدث مسلم بهذا الحديث، قال: سمعنا مجاهداً يذكر هذا عن ابن عباس، ويذكر عن أبي خالد. قال: حدثنا الأعمش عن الحكم، ومسلم البطين، وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد عن ابن عباس. قالت: عن ابن عباس، قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أختي ماتت. وقال يحيى وأبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن سعيد عن ابن عباس: قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي ماتت. وقال عبيد الله بن عمر عن زيد بن أبي أنيسة عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر. وقال أبو حريز: قال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس: قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: ماتت أمي وعليها صوم خمسة عشر يوماً. هذه الترجمة فيمن مات وعليه صوم. «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». قوله في حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات...» فيه مشروعية الصوم عن الميت الذي لزمه الصوم؛ لأن من الناس من يموت ولا يلزمه الصوم فلا يجب على أوليائه شيء، ومنهم من يموت ويلزمه الصوم فيجب على أوليائه أو على أقربائه أن يصوموا عنه. أما من لم يتمكن من القضاء، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، يعني: من كان مريضاً أو كان مسافراً فأفطر ولزمه القضاء، يعني: إذا أفطر على أن يقضي، لكن استمر به السفر إلى أن مات، أو استمر به المرض الذي هو طارئ أو غير مزمن إلى أن مات. فمن استمر به عذره إلى أن مات فلا يلزمه ولا يلزم أولياءه شيء. رجل مريض استمر به المرض الذي هو غير مزمن، لأن إذا كان المرض مزمناً فعليهم أن يطعموا، أو عليهم أن يطعم عن كل يوم مسكيناً. لكن الرجل أصيب بوجع في المعدة له علاج، أو أصيب بإسهال، أو أصيب بشيء ثم استمر به مرضه إلى أن مات، هذا لا شيء عليه ولا على أوليائه؛ لأنه لم يتمكن من الأيام الأخرى. أيضاً مسافر سافر في سفرة الحج أو العمرة، عفواً في سفرة العمرة في رمضان، وأفطر أياماً في سفره، ثم اتصل به السفر إلى أن مات، هذا أيضاً لا شيء عليه ولا على أوليائه. لأن إذا كان مرضه مزمناً فعليهم أن يطعموا عن كل يوم أفطر فيه مسكيناً. هذه الحالة التي تلزم الميت الصوم: يعني رجل مريض أفطر خمسة أيام من رمضان، فعافاه الله بعد رمضان لمدة شهر، كان يستطيع أن يقضي في هذا الشهر، أو لمدة ستة أشهر، ثم مات، فهذا يدخل في الحديث. رجل سافر وأفطر خمسة أيام ثم رجع وأقام وزاول الأعمال وهو قادر على القضاء، ثم أخر القضاء إلى أن مات، هذا قد لزمه الصوم فيدخل في عموم الحديث: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». «من مات وعليه صوم»، قوله: «مات» يدل على أن الحي لا يصام عنه. بعض الناس يسأل يقول: عندي رجل كبير، يعني حصل له كذا وكذا، امرأة... لأن رجل كان عليه الصوم، كان مريضاً بمرض طارئ، وتمكن من القضاء ثم لم يقضِ إلى أن أصيب بالشيخوخة أو أصيب بمرض مزمن بعد ذلك، فهل عليه القضاء؟ أو هل على الحي يعني يصوم عنه من الأقارب؟ الجواب: لا يصوم أحد عن أحد وهو حي. لكن هذه المسألة في الميت. في الميت أم الحي؟ لا يصام عنه حتى يموت. «من مات وعليه صوم، من مات وعليه صوم»، «صوم» نكرة في سياق الشرط، فيفيد العموم. «وعليه صوم»: أي نوع من أنواع الصوم، سواء كان واجباً لأصل الشرع مثل القضاء، أو كان واجباً لفعل نفسه مثل النذر، أو كان كفارة. «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، «صام» بمعنى: ليصم. ظاهر الخبر ومعنى الأمر، مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ بمعنى: ليتربصن، ومثل قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ أي: ليتربصن. فقوله: «صام» بمعنى: ليصم، فيه وجوب الأمر بالصوم، واجب على الراجح من أقوال أهل العلم. وأما رواية: «من مات عليه الصوم صام عنه وليه إن شاء»، فهي منكرة، تفرد بها ابن لهيعة. قوله: «صام عنه وليه»، من وليه؟ ذكر أقوالاً، والراجح أنه القريب. «صام عنه وليه» أي: قريبه. «صام عنه وليه» أي: قريبه. من مات وعليه صوم قد لزمه، فواجب على أقربائه أن يصوموا عنه. الأقارب معروفون: من جهة الأب أو الأم، أو من الابن أو البنت إلى آخره، أو الأخ أو الأخت، أو الأقرب. واجب علم: لو تركوا جميعاً الصوم على الميت أثموا، ولو قام البعض بهذا الصوم حصل الإجزاء. «صام عنه وليه»، هل معنى أن غير الولي إذا صام لا يجزئ؟ رجل مات وعليه صوم، وله صديق حنين أراد أن يصوم عنه، هل يجزئ؟ في خلاف بين أهل العلم، والراجح أنه يجزئ؛ لأن هذا دين على الميت، فمن قضى أجزأ، مثل الحج: من حج عن الميت فإنه يجزئ، ومن قضى ديون الميت المالية فإنها مجزية، وهكذا في الديون التي له التي عليه لله عز وجل، فدين الله أحق أن يقضى. قال: «من مات عليه صوم صام عنه وليه». فالحاصل أن الراجح من أقوال أهل العلم: أن من مات وقد لزمه صوم يجب على أوليائه أن يصوموا عنه، سواء كان في النذر أو الكفارة أو في قضاء رمضان. وحديث ابن عباس: قال: إن أمي ماتت عليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، فدين الله أحق أن يقضى». أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالجواب بهذا المثال الذي ذكره. قال: يعني في بعض الروايات قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟» قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى». يعني: كما أنك لو قمت بأداء الدين الذي على أمك من الديون المالية لحصل العزاء، فدين الله الذي على الميت أولى وأحق به القضاء. «فدين الله أحق أن يقضى». قال المصنف رحمه الله تعالى: وهنا في أول الترجمة: «وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلاً يوماً». واحد جاهز: رجل أفطر في رمضان لعذر السفر، كامل رمضان، كامل ثلاثين يوماً، فمتمكن من القضاء ولم يقضِ حتى مات. هل لأقاربه أن يصوموا عنه هذه الثلاثين في يوم واحد؟ يعملون مبادرة ويصومون؟ الجواب: نعم. إلا إذا كان الصوم الذي لزم الميت مما يجب فيه التتابع، فرجح الحافظ بن حجر رحمه الله أنه لا يجزئ أن يصوموا عنه في يوم واحد، بل عليهم أن يرتبوا الأيام التي يصومونها تباعاً بالترتيب. كان على الميت صوم شهرين متتابعين، وله من الأقارب مثلاً عشرة، فقال للأول: صُم ستة الأيام الأولى، والثاني بعدك، والثالث بعدك، حتى تؤدى هذه الأيام بالترتيب. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب: متى يحل فطر الصائم؟ وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس. قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أسامة بن زيد بن الخطاب عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». وقال أيضاً: حدثنا إسحاق الواسطي، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وصائم، فلما غابت الشمس قال لبعض القوم: «يا فلان، قم فاجدح لنا». فقال: يا رسول الله، لو أمسيت. قال: «انزل فاجدح لنا». قال: يا رسول الله، لو أمسيت. قال: «انزل فاجدح لنا». قال: إن عليك نهاراً. قال: «انزل فاجدح لنا». فنزل فجدح لهم، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا، فقد أفطر الصائم». هذه ترجمة: متى يحل فطر الصائم؟ متى يدخل وقت الإفطار؟ يدخل وقت الإفطار كما جاء بيانه في هذا الحديث. أولاً: الحديث المعلق: «وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس». يدخل وقت الإفطار بغياب قرص الشمس، بسقوط الشمس، ولا يبقى لها يعني شيء ظاهر. بمجرد ما تسقط الشمس يدخل وقت الإفطار، ما يحتاج أن ينتظر لا ثواني ولا دقائق ولا شيء. ويدل عليه حديث عمر: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث علامات هي متلازمة لدخول وقت الإفطار: العلامة الأولى: إقبال الليل من جهة المشرق. والعلامة الثانية: إدبار الشمس والنهار من جهة المغرب. والعلامة الثالثة: غروب الشمس. يعني: العلامة الأولى: إقبال الليل من جهة المشرق. والعلامة الثانية: إدبار النهار من جهة المغرب. والعلامة الثالثة: غروب الشمس. وهذه متلازمة، هذه الثلاثة متلازمة، لا يمكن أن يقبل الليل من جهة المشرق إلا إذا أدبر النهار من جهة المغرب. متى يقبل الليل ومتى يدبر النهار؟ إذا غربت الشمس. فهذه الثلاثة متلازمة. يعني: تستطيع في حال الصحو أن تستدل بمجيء الليل على أن الشمس غربت، وتستطيع أن تستدل بإدبار النهار على أن الشمس غربت. هذا الذي عنده خضرة، يعني: حتى بدون ينظر إلى تلك الجهة، إذا الإنسان مرن نفسه على معرفة مجيء الليل، يعني: كفر نفسه، لا ينظر إلى جهة الشمس، الشمس يعني رآها تسقط، تسقط قبل ما ينظر إلى أنها غابت، ينظر إلى جهة المغرب. إذا كان عنده خضرة يستطيع أن يستدل بنظره إلى جهة المشرق بمجيء الليل على أن الشمس الآن غربت. ممكن ينظر نظره الأولى إلى جهة المشرق ويرى ظلمة في جهة المشرق، ويقول: يا إخواني، الآن الشمس غربت. وينظرون إلى جهة المغرب، ففعلا يرون الشمس قد غربت، لأن هذا شيء متلازم. ما يقبل الليل إلا إذا أدبر النهار، وما يدبر النهار إلا إذا غربت الشمس. لكن لو كان هناك غين، إذا كان هناك غين يحتاج أن يتأنى، لأن الغين تعرفون يأتي بظلمة الليل من جهة المشرق، فلا يستدل مع وجود الغين، بوجود الغين في جهة المشرق، لأن الشمس مغطاة بالغين، فعليه أن يتأنى، يستعين بالساعات، ويستعين ليتحقق غروب الشمس باليقين، إذا لم تكن عنده ساعة. هذا الحديث كما تقدم فيه ثلاث علامات لوقت إفطار الصائم. قال: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». «أفطر الصائم» بمعنى: أنه دخل وقت إفطاره، دخل وقت إفطاره. «أفطر الصائم» بمعنى: ليفطر الصائم، أو حل وقت إفطاره. ليس معنى أنه صار الآن مفطراً، ليس معنى أنه صار الآن مفطراً. لو كان معنى أنه صار الآن مفطراً، ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال. لكن معنى: دخل وقت إفطاره. وقوده في حديث ابن أبي أوفى: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وصائم، فلما غابت الشمس قال لبعض القوم: «يا فلان، قم فاجدح لنا». «اجدح لنا» بمعنى: حرك السويق أو غيره بالماء. «انزل» أو «قم فاجدح لنا»: حرك السويق بالماء أو غير السويق، هذا معنى الجدح. قال: «لو أمسيت». قال هذا الصحابي: «لو أمسيت»، هي: غربت الشمس. يقول الراوي: «فلما غابت الشمس»، لكن لعل الذي أمر بأن ينزل فيجدح لهم لم يكن يشعر بغروب الشمس، فقال: «لو أمسيت»، يعني: كأنه رحب ضو، حينما تسقط الشمس يبقى شيء من الضو، لكن هذا الضو لا عبرة له. قال: «لو أمسيت»، يعني: كأن هذا الصحابي يقول: لو جاء الظلام الذي هو يخيم. قال له: «انزل فاجدح لنا». قال له: «فلو أمسيت». قال: «انزل فاجدح لنا». قال: «إن عليك نهاراً». يعني: بقي شيء من النهار. فقال: «انزل فاجدح لنا». قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلمه وصبره وتناضعه صلى الله عليه وسلم، يعني: يعيد الأمر: «انزل فاجدح لنا، انزل فاجدح لنا». فنزل فجدح، فسرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا، فقد أفطر الصائم». هذا هو وقت الإفطار. قال المصنف رحمه الله: باب: يفطر بما تيسر من الماء أو غيره. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الشيباني، سليمان، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصائم، فلما غربت الشمس قال: «انزل فاجدح لنا». قال: يا رسول الله، لو أمسيت. قال: «انزل فاجدح لنا». قال: يا رسول الله، إن عليك نهاراً. قال: «انزل فاجدح لنا». فنزل فجدح، ثم قال: «إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا، فقد أفطر الصائم». وأشار بإصبعه قبل المشرق. ومعه وغيره جاء في حديث سلمان بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء، فإنه طهور». وهو ضعيف في امرأة مجهولة. وحديث أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء. حديث أنس أيضاً تعيث فيه سليمان، جعفر بن أبي سليمان، وقد أنكر عنه هذا الحديث، لكن أنكر عنه هذا الحديث، فما شاء الله. ترجمة البخاري: «يفطر بما تيسر من الماء أو غيره». لا وجه الدلالة من هذا الحديث؟ قال: «انزل فاجدح لنا»، والجدح: التحريك، السويق أو غيره بالله. يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة أفطر على غير تمر. لا شك أن التمر فيه خصائص: يقوي الكبد، ويعيد القوة والنشاط للبدن، لأن الإنسان إذا صام استنزف ما في بدنه من السكر، فيأتي له الرعش والدوخة والتعب والإرهاق، فأول ما يتناول التمر يعطيه جرعات سريعة من السكر التي تعيد له النشاط. أيضاً الماء فيه فائدة، وهو أنفع في حال قلوية المعدة، فإن الماء يعتبر غسيلاً للمعدة، الماء تناول ماء مع قلوية المعدة يعتبر غسيلاً للمعدة، يزيل الحموضة التي في المعدة. فلهذا جاء في كثير الحديث يعني: البدار بالتمر أو بالماء. فعن فيها شيء من الكلام، فيقول البخاري: «بماذا يسر من الماء أو من غير الصعاب». يعني: يظن أن السنة يعني: البدار بالماء أو بالتمر. بماذا يسر؟ لو بدأ بالتمر والماء لأجل ورود أو نجاة هذه الأحاديث قد تجمع ثوباً بمجموعها، قد تجمع ثوباً، لكن الفهم في هذا الأسانيد فيها بعض الضعف. ومع هذا، من بدأ بشرب اللبن، أو أكل شيئاً، أو شرب عصيراً، أو تناول شيئاً، فهذا له أصل في السنة، لأن هذا اليوم آخر يوم بقي. الترجمتان قصيرتان، عن ثلاث إن شاء الله. قال المصنف رحمه الله: باب: تعجيل الإفطار. قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وقال: حدثنا أحمد بن... ومسلم، قال: حدثنا أبو بكر، عن سليمان، عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كنا مع نبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فصام حتى أمسى، قال لي رجل: «انزل فجدح لي». قال: «لو انتظرت حتى تمسي». قال: «انزل فجدح لي». قال: «إذا رأيت الليلة قد أقبل من هنا، فقد أفطر الصائم». هذا في تعجيل الإفطار، واضح. حديث سهل بن سعد: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». «ما» مصدرية ظرفية: لا يزال الناس بخير ما عجلوا، أي: مدة تعجيلهم للفطر. لا يزال الناس بخير ما عاقبوا السنة. الخيرية الكاملة في تعجيل الفطر؛ لأنهم يصيبون السنة. هنا شك أن الخير كل الخير في العمل بالسنة ولزوم السنة وترك البدعة. قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». في الترغيب بتعجيل الفطر. لكن كم مدة هذا التعجيل؟ أو ما هو مقدار هذا التعجيل؟ إذا غربت الشمس لا يستعجل استعجالاً يؤدي إلى أن يفطر قبل مجيء وقت الإفطار، فإن هذا فيه عقوبة شديدة. من يعرف هذه العقوبة الشديدة الواردة في حديث أبي أمامة؟ حديث أبي أمامة الذي رواه أحمد وغيره في قصة الرؤية، يعني: في قصة أنني جرت لهم في تلك الليلة، أتى لهم، قال: أتى لي رجال، فأخذ بيدي، فأتى لي جبلاً وعراً، فقال لي: اصعد. قلت: إني لا أطيق. قال: سنسهل لك. فأصعدت حتى ذكر جبالاً، ومنها فأتيت على قوم معلقين بعقبهم، معلقين بعقبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. لا يحمل أن نسعى على الحرص على مصابة السنة في تعجيل الفطر أنه يجازف مجازفة ويفطر قبل مجيء وقت الإفطار. بل هذا خطر كبير: أنه يتعجل الفطر قبل غروب الشمس. ولكن مع هذا، إذا تحقق يعني غروب الشمس، إما برؤية أو بإخبار العدل، فعليه أن يبادر إلى الفطر، على أن يبادر إلى الفطر، ولو لم يؤذن المؤذن، ولو لم يؤذن المؤذن. المؤذن أخر خمس دقائق لأنه يعمل على التقويم، أو لأنه مشغول، أو لأنه يعني من من يحسب، يعني احتساب غير مرضي فيه، بل يعني يعد من التكلف والتطويل. فأنت لا تبالي، أنت تفطر، ولو كنت في البيت تعرف أن غروب الشمس على الساعة الفلانية بالدقيقة، كان بالأمس، فهذا اليوم أخر المؤذن الأذان، لا، ممكن أن تفطر، ولو لم يؤذن، لأن هذا فيه إصابة السنة. في إصابة السنة تبدأ بالفطر قبل الصلاة. بل أيضاً لو عرفت أن المؤذن الذي يطلع على المنارة، يطلع على مكان في المسجد، طلع ونظر إلى الشمس، وراءها قد غربت، في مدة نزوله من الدرج وهو يقول: قد غربت الشمس، لك أن تفطر قبل أن يؤذن. لأن العبرة بغروب الشمس، وليس بأذان المؤذن. وبالعكس: إذا دخل وقت الفجر، دخل وقت الفجر، وأخر المؤذن الأذان، حل. العبرة بأذان المؤذن أو بطلوع الفجر؟ العبرة بطلوع الفجر، ما ليس أذان المؤذن إلا إخبار عن طلوع الفجر. فإذا أخر المؤذن الأذان، أخر المؤذن الأذان، فالعبرة بطلوع الفجر، لا تعمل بأذان المؤذن وهو يؤخر، يعني: كما أخبرنا في بعض الأماكن، المؤذن يجهز الميكروفون، يريد أن يؤذن، ويقول: الله أكبر، لا لا لا تؤذن، انتظر، يقول له: أسرع، أسرع، وهم يتقافزون هنا وهنا يشربون، ويقول له: سأؤذن الآن، يقول له: لا، انتظر قليلاً، يقول له: أنت أسرع. فمثل هذا يعني لا عبرة بأذان المؤذن، والله من الشر، إن كان يقدم، لا عبرة بأذانه أيضاً. قال: قال المصنف رحمه الله: بابه: إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس. قال: حدثني عبد الله بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها. هنا قالت: أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس. قيل لهشام: فأمروا بقضاء؟ قال: بد من قضاء. وقال معمر: سمعت هشاماً يقول: لا أدري أقضوا أم لا. هذه المسألة تقدم ذكرها في الدروس الماضية. فعندما يتقدم معنا من هذه المسألة في الدروس الماضية: رجل أفطر في رمضان ممن أن الشمس قد طلعت، أن الشمس قد غربت، بسبب الغيم، أو بسبب إخبار الثقة، لم يتحقق من خبره، فأفطر، ثم تفاجأ بأن الشمس لا تزال موجودة، إما أن يكون انكشف الغيم، أو خطف الساعة نظرها، الساعة على الساعة الفلانية، فأفطر، فما شعر إن الساعة قد تقدمت أو تأخرت في ذاك اليوم. ما هو الحكم؟ ما هو الحكم؟ هذا الحديث في أنهم لم يؤمروا بالقضاء. وأما قول عروة: «لابد من قضاء»، فهذا من اجتهاده. قول عروة: «لابد من قضاء»، فهذا من اجتهاده. قول هشام: «أُمروا بالقضاء». هشام من التابعين، ما أدرك القصة، قال: «بد من قضاء». فقال في موضع آخر: «لا أدري أقضوا أم لا». لكن الحديث المرفوع ليس في أنهم أمروا بالقضاء، ففي أنهم من أخطأ لا شيء عليه، لعموم قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، ويقول عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم العمد». قال المصنف: آخر الترجمة، إن شاء الله. قال: رحمه الله، باب: صوم الصبيان. وقال: أمر عمر رضي الله عنه لنشوان في رمضان: «ويلك، وصبيان صيام، فضرب». قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوذ، قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم». قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياه، حتى يكون عند الإفطار. على باب: صوم الصبيان. يعني: في مشروعية تعويد الصبيان على الصوم. منهم الصبيان غير المكلفين، غير البالغين. هؤلاء يشرع أن يؤمروا بالصوم، ويمرنوا، ويعودوا عليه، تمريناً لهم وتعويداً لهم على طاعة الله، مثل ما يؤمرون بالصلاة تعويداً لهم على طاعة الله. أي: رد يؤمرون بالصوم تمريناً وتعويداً لهم على طاعة الله. قال عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها أبناء عشر». فأيضاً في باب السنة لهذه الأدلة. والصلاة جاء فيه تحديد السن: يأمره وهو ابن سبع، ويضرب على تركها وهو ابن عشر. أما الصيام فلم يأتي في السنة تحديد السن، بل تأمر ولدك بصيام متى ما أطيق الصيام. متى ما أطيق الصيام؟ إذا أطيقه وهو ابن ثلاث سنوات، فيشرع لك أن تعودهم. إذا أطيقه ابن خمس، ابن عشر، ابن اثني عشر. لأن الأولاد يختلفون في البنية والقوة والرغبة والقدرة وغير ذلك. فإذا أطيق الطفل على الصيام في أي سن، فيشرع لك أن تعودهم. وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يأمرونهم وهم صغار، لأنهم يتخذون لهم اللعبة من العهن، أي: الصوف، وقيل: الصوف المصنوع. هذا يدل على أنهم صغار جداً، يمرونهم بالصوم. وللطفل أجر صومه، وللوالد أو للأم أو للولي أجر التعليم والتأديب. ينبغي متابعة الأطفال، لا يقال لهم: الصوم، ثم يتركون على الهوى والشهوة. لا ينبغي أن يتابعهم، وما يتابعهم في شأن الصلاة. بل بعض العلماء قال: ممكن أن تضرب إذا كان قادراً على الصوم، لا تضربه عقوبة، وإنما تضربه تأديباً. لأن الضرب للأطفال على نوعين: ضرب عقوبة، وضرب تأديب، يعني: التعليم. فأنت يعني: مثلاً لو قصر الطفل في حفظ ما أمرته، وضربه، فأنت تضربه تأديباً وتعليماً، لا عقوبة، ما فعل ذنباً. وهكذا هنا. ذكر بعض العلماء: في الحاصل أنه يشرع تعليم أمر الصبيان بالصيام. ما هو الدليل؟ انظروا أثر عمر المعلق، وصله غير البخاري، وهو ثابت عن عمر، أنه قال لنشوان: لا معنى «نشوان» أي: سكران. قال لنشوان في رمضان: «ويلك، وصبيان صيام، فضرب». يعني: أنت تشرب الخمر في نهار رمضان، وأولاد صيام، «ويلك، وصبيان صيام، فضرب». فيه أن هذا فعل الصحابة، فعل السلف، كانوا يمرنون أولادهم على الصوم. الحديث المرفوع: قالت الربيع بنت معوذ، معوذ على وزن معلم، قالت: كنا نصوم، يعني: أمرنا، إنما كان واجباً، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياه، حتى يكون عند الإفطار. يعني: يلهون بهذه اللعبة حتى يصبر. وهذا له أثر طيب على نفوس الأطفال. إذا عودوا ومرنوا على طاعة الله، ينشؤون على الطاعة وعلى الخير منذ الصغر. فإذا كبر، يسهل عليه الصوم، لأنه ابتدأ الصوم وهو في الخامسة، في الرابعة، في السادسة، في السابعة. بخلاف كثير من أبناء المسلمين اليوم، فإنهم لا يعودون على الصوم في الصغر، فإذا صار غلاماً وصار شاباً وكلف، صعب عليه الصوم جداً، يرى أنه ثقيل عليه، أنه ثقيل عليه، بسبب أنه لم يمرن ولم يعتد. فلو أنه عود في صغره، ينشأ وهو ابن عشر، أو اثني عشر سنة، أو خمسة عشر سنة، وأن الصوم من أسهل الأمور، لأن له خمسة أو ثلاثة سنين وهو يصوم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله.