شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 38

شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 38

الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 38، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

رفع معرفة ليلة القدر بسبب التنازع

يشرح المقطع كيف خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليبشر بليلة القدر، فتلاحى رجلان فرفعت معرفة تعيينها مع بقاء فضلها وأجرها. ويؤكد أن التنازع والتشاحن من أسباب رفع الخير، مستدلاً بقوله «فالتمسوها» على بقاء ليلة القدر إلى يوم القيامة.

أثر التنازع على زوال الخير وفضل الاجتهاد في العشر الأواخر

يحذر المقطع من التنازع والشحناء بين المسلمين لكونها سبباً في إدبار الخير ومجيء الشر. ويبين حكمة إخفاء ليلة القدر لتحفيز الاجتهاد في جميع ليالي العشر، مستشهداً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في شد المئزر وإحياء الليل وإيقاظ أهله.

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر أكثر من غيرها، فيشدد مئزره اعتزالاً للنساء ويحيي ليله بالصلاة والذكر ويوقظ أهله. ويبين أن اعتزال النساء ليس تحريماً بل استحباباً، ويوصي بإحياء الليل كله مع تنظيم النوم نهاراً اقتداءً به.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. اشتركوا في القناة. حدثني محمد بن مثنى، قال: حدثني خالد بن الحارث، قال: حدثنا حميد، قال: حدثنا أنس، عن عباد بن تميم، عن عمه عباد بن السامك، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة». هذا الباب فيه أن معرفة ليلة القدر رُفعت لأجل خصومة وتنازع وتشاحن رجال من الصحابة. وفي بعض الروايات في صحيح مسلم أن سبب رفع معرفتها ونسيانها أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري ليلة القدر، يعني عُينت له ليلة القدر في رمضان، فجاء ليخبر أهله، فتلاحى رجلان، فأنسيها. يقول الإمام ابن حجر رحمه الله: «باب رفع معرفة ليلة القدر». فتلاحى الناس، والذي رُفع إنما هو معرفة تعيين هذه الليلة، ولم تُرفع بالكلية. لم تُرفع هذه الليلة، أي لم يُرفع فضلها وخيرها بالكلية، وإنما الذي رُفع هو معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بتعيين هذه الليلة. ومما يدل على أنها باقية، خلافاً للقول الرافض، آخر الحديث: قال: «فالتمسوها». قال: «رفعت»، ثم قال في آخر الحديث: «فالتمسوها». هذا يدل على أن الذي رُفع إنما هو معرفة تعيين هذه الليلة، وأن خيرها وفضلها وأجرها وتضعيف الثواب فيها فهذا باقٍ إلى يوم القيامة، هذا باقٍ إلى يوم القيامة. قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان»، لتنازعهما وتخاصمهما، فمن المسلمين. وفي لفظ: «جاء رجلان يحتدمان، يحتقان». ما معنى «يحتقان»؟ أي: كل منهما يطلب حقاً، ويضع حقاً. قال: «فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت». هذا يدل على أن التنازع سبب في رفع الخير. التنازع والاختلاف والتباغض والتشاحن، هذا من أسباب نزول ورفع الخير. فينبغي على المسلم أن يحذر من ذلك: تنازعه مع أهله، تنازعه مع أولاده، تنازعه مع جيرانه، تنازعه مع إخوانه المسلمين. هذا كله من أسباب رفع الخير. فالخير يبقى بالتعاون والتواد والتراحم والتعاطف والتعارف على البر والتقوى. أما إذا دبت الفتن، وحصلت الفرقة، ووقعت التنازع والشحناء، فهذا من أعظم الأسباب في إدبار الخير ومجيء الشر. فهذا كتاب ربنا سبحانه وتعالى مملوء، وهكذا السنة النبوية مليئة بالحث على الاجتماع والنهي عن التفرق، والتراحم والتعاطف والتعارف على البر والتقوى. أما إذا دبت الفتن، وحصلت الفرقة، ووقعت التنازع والشحناء، فهذا من أعظم الأسباب في إدبار الخير ومجيء الشر. فهذا كتاب ربنا سبحانه وتعالى مملوء، وهكذا السنة النبوية مليئة بالحث على الاجتماع والنهي عن التفرق والتنازع. انظروا كيف قال: «وعسى أن يكون خيراً لكم». نعم، وإن حصل هذا، لكن «عسى أن يكون خيراً لكم». ما هي الجهة الشرعية الخيرية؟ فإنها تحمل الناس على مواصلة المثابرة والاجتهاد في ليالي العشر، بخلاف ما إذا عُينت لهم ليلة القدر، فإنهم كما يُتوقع أنهم يتقاعسون عن الخير وعن الجد والاجتهاد إلا في تلك الليلة. لكن حينما رُفع لهم تعيينها، فهذا يحملهم على مواصلة المثابرة والجد والاجتهاد في جميع ليالي العشر. قال: «فالتمسوها في التاسعة». هل المراد بالتاسعة: يعني تاسعة وعشرين؟ أم المراد بالتاسعة: يعني تبقى تسع؟ فإذا كان المراد في التاسعة: يعني التاسعة وعشرين، فهذا واضح: «فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة»، يعني: في تسع وعشرين، وفي سبع وعشرين، وفي خمس وعشرين. أو يكون العكس: يعني التمسوها في إحدى وعشرين، وفي ثلاث وعشرين، وفي خمس وعشرين. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: «باب العمل في العشر الأواخر من رمضان». قال: حدثنا أبي بن عبد الله، قال: حدثنا ابن عيينة، عن أبي يعفور، عن أبي البختري، عن نسر، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله. هذا أيضاً حديث فيه سنة وعمل للنبي عليه الصلاة والسلام في دخول العشر: أنه يضاعف العمل، وأنه يزداد نشاطاً واجتهاداً. ومعلوم أن مضاعفة العمل وكثرة ازدياده بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم عند دخول رمضان، كما جاء في مسلم في حديث عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيرها. فكان يجتهد في رمضان أكثر من اجتهاده في غير رمضان، ثم إذا دخلت هذه العشر ازداد اجتهاده ونشاطه وإقباله على الله سبحانه وتعالى وتفرغه للعبادات. قال: «كان إذا دخل العشر شد مئزره». كناية عن اعتزال الجماع، وقد يكون كناية عن الإقبال على العمل والنشاط فيه. قالت: «أحيى ليله»، يعني: بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، ومناجاة الرب سبحانه وتعالى، ونحو ذلك من أنواع العبادات. وقال: «أيقظ أهله»، يعني: لم يقتصر الجد على نفسه، بل أيضاً يدعو أهله ويحملهم على الجد والاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى. وواجب علينا اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، أنه يجتهد في هذه العشر، وأنه يحرص على إتمام هذه العشر، وعلى قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً. وقوله: «إن شد مئزره» كناية، هذا ليس معناه تحريم إتيان الأهل في ليالي العشر، ليس بحرام، لكن الأفضل أنه يعتزل ويتفرغ. أما إذا كان اعتزاله يدعوه إلى الانشغال، فالإنسان ينظر الأصلح. أيضاً إحياء الليل من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، أنك تحيي الليلة كلها. لماذا؟ ليزداد لك الأجر. والإنسان يعود نفسه على أن يسهر ليالي العشر، يرتب وضعه: أنه ينام في النهار، ويأخذ راحته في النهار، ثم يسهر جميع الليل اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. أما من كان مشتغلاً مثلاً بوظيفة أو عمل في النهار، أو يجد من نفسه الضعف، فهو بين أمرين: إما أن يسهر أول الليل، ويأتي الثلث الأخير من الليل، فيصلي صلاة القيام، أو في أشد الإرهاق، بدون تفكر ولا تدبر ولا استحضار ولا دعاء، فخير له أن يأخذ قسطاً من الراحة، أن ينام ساعة أو ساعتين، ليكون في الوقت الفاضل في نشاط، يعني مشتاقاً ويقظاً. وقال: «وأيقظ أهله»، للحث على رعاية الأهل على طاعة الله عز وجل. رحم الله الجميع.