الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 4، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يتناول المحور حديث «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وقصة أبي عبد الرحمن السلمي في تعليم القرآن سبعين سنة، ويوضح حديث عائشة في أجر القارئ الماهر ومن يتتعتع في القراءة مشقة له أجران، مؤكداً أن حافظ القرآن لا يحرم من الأجر.
يستعرض المحور فضائل حفظ القرآن وإتقان تلاوته، ويشرح حديث أبي موسى الأشعري الذي شبه المؤمن القارئ العامل بالقرآن بالأترجة طيبة الريح والطعم، مبيناً أن هذه الفضيلة تتحقق بالعمل لا بمجرد التلاوة.
يشرح المحور أمثلة النبي صلى الله عليه وسلم لأربعة أصناف: المؤمن القارئ كالأترجة، والمؤمن غير القارئ كالتمرة، والمنافق القارئ كالريحانة، والمنافق غير القارئ كالحنظلة، موضحاً أن نفاق القلب يبطل نفع التلاوة.
يروي المحور موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهادة رجل بحفظ القرآن وعلم الفرائض، وإقراره بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين»، مختتماً الدرس عند هذا الحد.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قرأنا ما ذكره المصنف رحمه الله من حديث عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وهو من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان. يقول الراوي عن أبي عبد الرحمن السلمي: «وأقرأ أبو عبد الرحمن من إمرة عثمان إلى ولاية الحجاج». قال أبو عبد الرحمن السلمي: «وهذا الحديث الذي أقعدني هذا المقعد». فانظروا إلى فضيلة تعليم تعلم القرآن وتعليمه؛ أبو عبد الرحمن السلمي علق هذا الحديث، يجلس لقراءة الناس وتعليم الناس القرآن من إمرة عثمان، من خلافة عثمان إلى ولاية الحجاج. الزمن الذي ما بين أول خلافة عثمان إلى آخر ولاية الحجاج قدر سبعين عامًا، وأما إذا كان المقصود آخر زمن خلافة عثمان وأول زمن ولاية الحجاج فثمانية وثلاثون سنة. فعثل كان السلف رحمهم الله يتلقون العلم ويبلغونه. يقول: «وهذا الذي أقعدني هذا المقعد» عملًا بالعلم. ثم قرأنا هذا الحديث: حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر فيه مع السفرة الكرام البررة». هل علقنا عليه؟ نعم. قالوا: «الذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران». هذا الحديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر فيه مع السفرة الكرام البررة»، وهو ماهر، وهو متقن، وهو حاذق، وهو محسن للتلاوة. الذي يقرأ القرآن وهو ماهر فيه، وفي لفظ البخاري: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له». قال: «مع السفرة الكرام البررة». السفرة: يعني هم الملائكة الذين هم سفر، أو هم واسطة بين الله وبين من أرسلهم من البشر. الكرام: يعني المطيعون لله تبارك وتعالى. البررة: أيضًا الكرام، يعني الكرماء، والبررة: المطيعون. فشبه النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقرأ القرآن وهو حاذق مع حفظه؛ لأن في رواية البخاري مبينة: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له»، كمثل السفرة أو مع السفرة الكرام البررة. ففي فضيلة تلاوة القرآن، وفضيلة حفظ القرآن، وفضيلة إتقان وحسن تلاوة وحفظ القرآن، فمن كان كذلك فهو مع السفرة الكرام البررة، وهم الملائكة الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. قالوا: «الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه»، يعني يتتعتع: أي يتردد وتشك عليه القراءة، إما لرداءة الحفظ، وإما لصعوبة التلاوة والقراءة. قالوا: «وهو عليه شاق، له أجران». فتالي القرآن وحافظ القرآن لا يحرم من الأجر، سواء كان في أعلى الدرجات، أو كان في وسطها، أو كان في أدناها. فمن وفقه الله تبارك وتعالى لتعلم القرآن وتلاوته وحفظه، فإنه لا يحرم من الأجر. لا يحرم من الأجر. فمن أتقنه، فهذا في أعلى الدرجات. لا يستوي من أقبل على كتاب الله وحرص على تعلمه وقطع فيه شوطًا وحفظ فيه ما تيسر وأتقنه وأحسنه ولازم تلاوته، مع ذلك المعرض أو ذلك المقصر؛ قصر في تعلمه فقصر في أداءه، أو ما أعطاه إلا الوقت اليسير فلم يحفظ منه إلا الشيع اليسير، أي السوي. الذي يهتم ويحرص ويبذل ويضحي ويصل إلى مستوى عالٍ للحفظ والتلاوة، فإنه مع السفرة الكرام البررة في منازل الآخرة يوم القيامة. وهذا فيه تنبيه إلى أن حامل القرآن والتالي لكتاب الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة، وأن يكون على الخلال الكريمة التي عليها الملائكة: مع السفرة الكرام البررة. هذه أوصاف الملائكة، وينبغي أن يكون حامل القرآن وتالي كتاب الله سبحانه وتعالى كذلك. وهكذا الذي يتعتع ويتعب، له أجران: أجر التعتع وأجر القراءة. ولكن المتقن لتلاوته وحفظه أفضل من الذي يتعتع، أفضل من الذي يتعتع؛ فإن له أجورًا عظيمة، ووصف بهذا الوصف الذي لم يوصف به غيره: أنه مع السفرة الكرام البررة. فهذا فيه حث على حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، وفيه حث على تعلم كتاب الله تبارك وتعالى. فهذا هذه المهارة وهذا الحذق وهذا الإحسان وهذا الإتقان لم يصل إلا بعد جهد وبعد تعلم. ثانيًا: لمن وفقه الله سبحانه وتعالى لتعلم كتابه وحفظ ما تيسر من كتابه. ثم قالوا: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر». رواه البخاري ومسلم. يقول الإمام النووي رحمه الله: قال أبو موسى الأشعري، اسمه عبد الله بن قيس، سبل الأشعر: جد القبيلة. وقوله: الأترجة. قال: الأترجة بضم الهمزة والراء، الأترجة وهي معروفة. قال الجوهري: قال أبو زيد. قالوا في صحيح البخاري في كتاب الأطعمة في هذا الحديث: مثلوا، قال: أترجة. نعم. هذا الحديث أيضًا من حديث فضائل القرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضرب المثل لتقريب الفهم. قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة». بضم الهمزة. والأترجة: بأيضًا تشديد الجيم، تشديد الجيم: الأترجة، وتخفف الجيم ويزاد قبلها نون، فتكون ماذا؟ تخفف الجيم وتزاد قبلها نون فتكون الأترنجة، وتحدث الهمزة مع التشديد بدون نون ومع تخفيف الجيم بالنون فتكون ترجة وترنجة. هذه أربع لغات: الأترجة، والأترنجة، ترجة، ترنجة. فقسم النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن والمنافق إلى أقسام. أما المؤمن الذي يقرأ القرآن، في صفة المداومة على تلاوة القرآن، مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، في رواية للبخاري: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل بما فيه». فهذه الفضيلة إنما ينالها من قرأ كتاب الله سبحانه وتعالى وعمل بما فيه، أحل حلاله وحرم حرامه، ووقف عند حدوده، وتخوف وعيده، وتخلق بأخلاقه. مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، كما يعني تقدف معنا في دروس ماضية شرح بعض الإخوة الذين رأوا هذه الأترجة، وهم كثير. فاكهة من أفضل أنواع الفواكه، لها طعم طيب ولها ريح طيب. المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل بما فيه مثل كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب. شبه الإيمان بالطعم، وشبه التلاوة بالريح. لماذا؟ لأن الإيمان ألزم من تلاوة القرآن، فيوصف الإنسان بأنه مؤمن وإن لم يقرأ القرآن. ولأن الطعم هو الثابت، فقد تأتي أمور تذهب الريح، لكن قلما يذهب الطعم لعضة الفواكه أو بعض المأكلات بسبب سوء الخزن أو لشيء آخر، ممكن أن تذهب الرائحة لكن الطعم لا يذهب. فلهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالطعم: طعمها طيب، والقراءة بالريح. فعناية للمؤمن الذي وفقه الله سبحانه وتعالى لتلاوة كتابه والعمل بما فيه، فهو طيب في ذاته وطيب في ظاهره وطيب في باطنه: باطنه طيب بالإيمان، وظاهره طيب بالعمل الصالح، من ذلك تلاوة القرآن. قال: «مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو». المؤمن الذي لا يقرأ القرآن: هذا قصر، هو مؤمن لكنه ليس له عناية بتلاوة كتاب الله وتعلم كتاب الله سبحانه وتعالى. له فضيلة لكنها فضيلة أقصر وأدنى من فضيلة المؤمن المقبل على تلاوة وتعلم كتاب الله سبحانه وتعالى. كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو. من حيث الذات والباطن هو حلو، ولكن قصر، فكان لا ريح لها كالتمرة. قالوا: «مثل المنافق»، في رواية البخاري ومسلم: «مثل»، يعني رواية أخرى: «مثل الفاجر»، ويحمل الفاجر هنا على المنافق. «مثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر». ومثل المنافق الذي لا يقرأ: «كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر». المنافق خبيث الباطن وخبيث النفس، فهو مهما حاول أن يطيب هذا الخبث فإنه لا يصل ولا يستطيع. قال الله سبحانه وتعالى في المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. المنافق الذي يقرأ القرآن ما ينتفع، يقرأ في القرآن لماذا؟ لأنه لا يقرأ القرآن تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى وطلبًا لما عند الله عز وجل، وإنما يفعله لغرض آخر وهو الرياء والسمعة. فلو قرأ ما قرأ، لو حفظ ما حفظ، لو تعلم ما تعلم، ما ينتفع؛ لأنه خبيث الباطن، لا بد من تغسيل هذا الخبث وإزالة لهذه النجاسة التي في قلبه. ومع ذلك: «مثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر». هذا فيما يظهر للناس، فإنهم يمدحونه ويحسنون به الظن، ويتزين في ظاهره. قالوا: «مثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر». هذا في حث للمسلم على أن يكون من أهل القسم الأول الذين يقرأون القرآن مع الإيمان به. ثم قال رحمه الله: عن عمر الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». رواه مسلم. هذا حديث نقرأه في ليالي قريبة في صحيح مسلم، وله سبب: وهو أن عامر بن واثلة قال: إن نافع بن عبد الحارث استحمله عمر على أهل مكة، فخرج عمر حاجًا، فخرج نافع لاستقباله، فلقيه بالعَرْج (أو بالعسبان؟ النص يقول بالعسبان) فقال له: «من استحملت على أهل الوادي؟» قال: «استحملت عليهم ابن أبزى». قال: «ومن ابن أبزى؟» قال: «مولى من موالينا». فقال: «فتستحمل عليهم مولى؟» قال: «يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب الله وعالم بالفرائض». فقال عمر: «صدق نبيكم، إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». ونأخذ إن شاء الله هذا الحديث ما بعد في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.