الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 10، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستعرض المقطع وجوب إخلاص النية لله وحده عند تلاوة القرآن، مستدلاً بالآية الكريمة والحديث النبوي، وينقل تعريفات السلف للإخلاص بأنه إفراد القصد لله دون رياء، مع ذكر علامات صدق الإخلاص.
يؤكد المقطع أن الإخلاص هو أعظم آداب طالب العلم وحامل القرآن، مبيناً أنه واجب في كل عبادة وأن مجاهدة النفس عليه أشد المجاهدات، مع التحذير من الرياء في فعل الطاعة أو تركها.
يختتم المقطع بالتأكيد على ضرورة مجاهدة حامل القرآن لتحقيق الإخلاص، وينبه إلى أن المصنف سيتناول في الفصل القادم الأمور التي تضاد الإخلاص وتنافيه.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: «فصل: أول ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصد بذلك رضا الله تعالى». قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ أي الملة المستقيمة. قال: في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وهذا الحديث من أصول الإسلام. قال: وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إنما يحفظ الرجل على قدر نيته». الذي نعم عند الدارمي: «إنما يحفظ حديث الرجل على قدر نيته»، وسنده ضعيف كما قال المحقق. قالوا عن غيره: «إنما يعطى الناس على قدر نياتهم». قال: وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله قال: «الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى». قالوا: يصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. هنا تعليق للنوع: أولاً: حنفاء. قال: جمع حنيفة، والمستقيم، وقيل: المائل إلى الحق المعرض عن الباطل. قالوا: عن حذيفة المرعشي. قال المرعشي: بفتح الميم وإسكان الراء وفتح العين المهملة وبالشين المعجمة. قال: «الإخلاص استواء أفعال العبد في الظاهر والباطن». وقالوا عن ذي النون رحمه الله قال: «ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، واقتبال ثواب الأعمال في الآخرة». قالوا عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال: «ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما». قالوا عن سهل التستري: قال النووي رحمه الله: التستري بضم التاء وفتح الثانية وإسكان السين المهملة، نسبة إلى تستر المدينة المعروفة. قال: «نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركة وسكون في سره وعلانية لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء، لا نفس، ولا هوى، ولا دنيا». قالوا عن السري رحمه الله قال: «لا تعمل للناس شيئا، ولا تترك لهم شيئا، ولا تستر لهم شيئا، ولا تظهر لهم شيئا». وعن القشيري قال: «أقل الصدق استواء السر والعلانية». وعن المحاسبي: قال المحاسبي بضم الميم، قال السمعاني: «قيل له ذلك لأنه كان يحاسب نفسه، وهو ممن جمع له علم الظاهر والباطن». قال: «الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله، ولا يكره اطلاع الناس على السيء من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم، وليس هذا من أخلاق الصديقين». وعن غيره قال: «إذا طلبت الله تعالى بالصدق أعطاك مرآة تنظر فيها كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة». قال: وأقوال السلف في هذا كثيرة، اقتصرنا على هذه الحروف منها تنبيها على حال المطلوب. وقد ذكرت جملا من ذلك مع شرحها في أول شرح المهذب، وأرشد إليها من آداب المعلم والمتعلم والفقيه والمتفقه ما لا يستغنى عنه طالب علم، فالله أعلم. على كل، هذا الفصل فيه بيان أدب من الآداب العظيمة التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم عموما، وحامل القرآن معلمه ومتعلمه، وهو الإخلاص لله تبارك وتعالى. إن أعظم ما ينبغي أن يعتني به طالب العلم وحامل القرآن أن يسعى في إخلاص نيته لله تبارك وتعالى، لأن تعلم القرآن وتعليمه عبادة من العبادات الجليلة، فإذا كانت عبادة فإنها تفتقر إلى حسن النية. ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾، ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾، ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾. فالإخلاص يكون في العبادات، ويكون في القرب، لا يكون الإخلاص في المباحات المحضة إذا لم يتوصل بها إلى تأدية طاعة الله تبارك وتعالى لأنها ليست بقربة، ولا يكون الإخلاص في مكروه ولا في محرم لأنها ليست بقرب ولا بطاعات. إنما الإخلاص لله تبارك وتعالى في كل عبادة أمر الله بها وأحبها وأثنى على أصحابها. وكل ما صحت أن يكون عبادة فواجب على العبد أن يخلص نيته. وإخلاص النية بمعنى أنه يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، لا يطلب بعمل ذلك إلا ثوابا من الله ونيل رضا الله تبارك وتعالى. فهذا لا ينبغي أن يحرص على هذا الأمر في جميع أموره، وفي جميع الطاعات والعبادات، يجاهد نفسه، فليس هناك شيء أشد على العبد من مجاهدة نفسه على الإخلاص. وفي هذا يقول سفيان الثوري رحمه الله: «ما عالجت نفسي على شيء ما عالجتها على الإخلاص». فالإنسان تعتريه عوارض ويكون عنده الخلل والنقص، لكن هذا لا يمنعه من مجاهدة نفسه. والله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾. فيحرص حامل القرآن، ويحرص متعلم القرآن ومعلم القرآن، على أن يخلص نيته لله تبارك وتعالى في ذلك، وهو أن يفعل ذلك، أن يعلم وأن يتعلم وأن يقرأ، امتثالا لأمر الله تبارك وتعالى، لأن الله أمر بتلاوة القرآن، وأمر بتعلم القرآن، وأمر بتعليم القرآن، وهكذا رسوله صلى الله عليه وسلم. فهو يفعل هذه الأمور امتثالا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ورغبة في نيل الثواب الجزيل والأجر العظيم بتعلم وتعليم القرآن، وينوي بذلك أيضا أنه يفيد المسلمين، وأنه يتحصل على الأجور العظيمة. فذكر رحمه الله تعالى آثارا يعني عن السلف في ذلك، وكما هو معلوم أن هذه الأسماء هم من الصوفية، أكثر من ذكرهم هنا في هذا الفصل هم من الصوفية، ذكروا عبارات يعني حول الإخلاص. وعندنا كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن هذه العبارات قول الفضيل بن عياض: «ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما». يعني أن الرياء قد يكون في العمل، تعمل عملا رياء، بل وقد يكون الرياء في ترك العمل. من عمل لأجل الناس وقع في الرياء، ومن ترك العمل لأجل الناس هذا أيضا وقع في الرياء. لا، هذا لا ينبغي أن يترك الإنسان العمل الصالح لأجل أن لا يراه الناس. إذا ترك العمل الصالح في حضرة الناس لأجل أن يعمل به في الخلوة فهذا لا بأس، لكن أن يترك العمل بالكلية خوفا من أن يراه الناس، إذن هو راعى حال الناس. وينبغي للمخلص أن لا ينظر إلى الناس حضورا أو يعني غائبين. لكن إذا كان العمل على هذا التفصيل: إذا ترك العمل الصالح لأجل أن يعمله في الخلوة فهذا أمر جيد وهذا أمر مستحب، لكن لو كان سيترك العمل بالكلية خوفا من رؤية الناس فهذا مذموم. لكن إذا كان هذا العمل عبارة عن فريضة، وكان هذا العمل ممن يقتدى به، فلا بأس أن يفعل هذا العمل ظاهرا ويجاهد نفسه. هذا معنى عبارة فضيل بن عياض. وذكر أيضا يعني عبارات عن هؤلاء الذين ذكرهم، لكن حسبنا أن نعرف ما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم وحامل القرآن من مجاهدة نفسه على الإخلاص لله تبارك وتعالى. وهناك أمور تضاد الإخلاص وتنافي الإخلاص سيذكرها المصنف رحمه الله في الفصل الذي بعده. وفق الله الجميع، والحمد لله.