شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 35

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 35

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 35، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

قضاء الورد الفائت من الليل بين الفجر والظهر

يشرح الشيخ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يشرع قضاء الورد الفائت بين الفجر والظهر، مؤكداً أن المحافظة على القرآن تتحقق بالمداومة وقضاء ما فُوت بعذر. ويستشهد بأقوال السلف وقصصهم في الحرص على الأورد، مفرقاً بين العبادات التي تقضى وتلك التي لا تقضى بعد فوات وقتها.

قضاء النوافل الفائتة وآداب تلاوة القرآن والإخلاص فيها

يؤكد المقطع على مشروعية قضاء النوافل الفائتة لحفظ الاستمرار على العبادة وحماية الفرائض، ثم ينتقل إلى آداب تلاوة القرآن مشدداً على الإخلاص لله تعالى كشرط أساسي. ويحذر من الرياء وطلب الدنيا في طلب العلم وتعليم القرآن.

خطر فساد النية وضرورة الإخلاص في العمل الصالح

يحذر المقطع من أن الأعمال الصالحة بنية فاسدة تؤدي إلى خسارة الدنيا والآخرة، مستدلاً بآيات قرآنية وحديث عن أول من تسعر بهم النار. ويؤكد أن الإخلاص هو أساس قبول العمل، وعلى طالب العلم مجاهدة النفس لتحقيقه باستمرار.

خاتمة الدرس وإعلان المواصلة

يختتم الشيخ الدرس الحالي معلناً عن مواصلة الموضوع في الدرس القادم، مختتماً بالحمد لله. وتكون هذه الخاتمة تمهيداً لاستكمال الحديث في الجلسة المقبلة.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: «فصل في من نام عن ورده». قال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل». رواه مسلم. قال عن سليمان بن يسار قال: قال أبو أسيد رضي الله عنه: «نمت البارحة عن وردي حتى أصبح، فلما أصبحت السرجعة، وكان وردي سورة البقرة، فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني». رواه ابن أبي داود. وهنا فائدة في التحقيق: سليمان بن يسار لم تذكر له رواية عن أبي أسيد. قالوا: عن ابن أبي الدنيا عن بعض حفاظ القرآن أنه نام ليلة عن حزبه، فرأى في منامه كأن قائل يقول: «عجبت من جسم ومن صحة *** ومن فتى نام إلى الفجر والموت لا تؤمن خطفاته *** في ظلم الليل إذا يسري». نعم، هذا الفصل في من نام عن ورده. تقدم ما يتعلق بأمر حافظ القرآن أو حامل القرآن أن يواظب على تلاوته، وأن يحرص على إبقائه والحفاظ عليه، وأن يحذر من هجرانه ونسيانه. ومما يعين -كما تقدم- على المداومة وعلى بقاء الحفظ هو الصلاة، قراءة القرآن في الصلاة؛ فإن قراءة القرآن في الصلاة من أهم الأشياء وأعظم الأمور في المحافظة على القرآن الذي يتفلت. ثم بيّن أن هذه المحافظة دائمة مستمرة، حتى لو كان عنده ورد من الليل، عنده شيء يداوم على قراءته في صلاة الليل، فقدر أنه نام، فيشرع له أن يقضي وأن يأتي بهذا القدر الذي تركه، وسدّل بالحديث: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل». في المحافظة على العمل الصالح، من وفقه الله تبارك وتعالى لعباده، وهذه العبادة مما تقضى، يشرع له أن يقضيها في الرواتب. الرواتب لها أوقات معلومة: ركعتان قبل الفجر، وأربع بعدها، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء. فمن شغل عن شيء من ذلك فيشرع له أن يصلي ولو بعد خروج الوقت المعلوم. وهكذا من كان مداومًا على قراءة القرآن في صلاة الليل، من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه، ظاهر الحديث أنه ليس أيضًا من شرط هذه القراءة أن تكون في صلاة، بل من كان عنده ورد من الليل يقرأ في اليوم جزءًا أو يقرأ نصف جزء، فيشرع له أن يقرأ هذا القدر ولو من اليوم الثاني في الصباح ما بين الفجر إلى الظهر. «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل». من كان حريصًا على عبادة وفاتته بعذر، فيشرع له أن يأتي بها إذا كان هناك متسع ويمكن الإتيان بها. أما مثلًا صلاة الكسوف إذا فاتت فلا يستطيع أن يصليها بعد انكشاف الكسوف أو الخسوف. وهكذا مثلًا تحية المسجد، السنة عند دخول المسجد أن تصلي، فلو نسي الإنسان وبقي فترة طويلة فهنا لا يستطيع، هنا لا يستطيع. وهكذا الصلاة المرغب فيها قبل الطهارة، يعني نسي وتشاغل بأمور وأكل وشرب إلى غير ذلك، فهنا لا يشرع. لكن هناك بعض العبادات يشرع أداؤها، مثل هذا: من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فلا يترك حفاظًا على القرآن واستمرارًا في المداومة في تلاوة القرآن. من استمر على هذه الطريقة فإنه بإذن الله تبارك وتعالى يحافظ على أعماله الصالحة، النفرة إذا فاتت وهناك مجال لأدائها يؤديها. القراءة إذا فاتت في وقتها الذي رُسم هذه العبادة فيه، فإنه يشرع له أن يأتي بصلاته أو يأتي بقراءته في وقت آخر. هذا يدل على أن العبد المسلم في خير، وأنه معمور بالمداومة على هذا الخير، وإن الإنسان لو فتح لنفسه باب التساهل تفوته النافلة فيقول: فات وقتها، تأتي النافلة الثانية تفوته ويقول: ذهب وقتها، ثم يؤدي مع الأيام إلى أن ينتف النتف من هذه العبادات وهذه النوافل، ثم قد يتركها ويتساهل في أدائها بالكلية. لكن إذا فاتته ركعتان ذهب يصليهما بعد فترة، فهذا أدعى للمحافظة على هذه النوافل. ولعل الذين يجهلون أو يغفلون أو يتساهلون في تطبيق مثل هذه الإرشادات، يكون السبب في تركهم النوافل بعد المحافظة عليها أنهم لم يراعوا مثل هذه الأمور. النوافل تعتبر سياجًا حول الفرائض، من حافظ على النوافل فإنه في المحافظة على الفرائض، من باب أولى. والنوافل أيضًا وضعت لها الاحتياطات التي تعين صاحبها على الاستمرار فيها، أنه لو فتر أو فرط أو نسي أو كذا يشرع له أنه يصلي في وقت آخر. «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه» هنا بسبب عذر وهو النوم، وللأحاديث الأخرى قد يحصل هذا بسبب نسيان، فيشرع له أن يأتي بهذا الحزب. ما شاء الله، لو بقي العبد على هذه الصفة فإنه يكسب خيرًا كثيرًا، ويحافظ على كثير من العمل الصالح، يحافظ على كثير من العمل الصالح، تجده فترة طويلة وهو بإذن الله محافظ على ما وكله الله عز وجل إليه. فهذه إرشادات عظيمة مأخوذة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أن الإنسان يحافظ على العمل الصالح ويحرص أن لا يهمل وأن لا يترك. ثم قال رحمه الله: «الباب السادس في آداب القراءة». قال: هذا الباب هو مقصود الكتاب، ومنتصر جدًا، وأنا أشير إلى أطراف من مقاصده. أولاً: قبل الانتقال، وتعليق: أبو أسيد بضم الهمزة وفتح الصاد. صلاة الضحى هل فيها فائدة؟ ما شاء الله، العلم لم يقل: صلاة الضحى هل فيها فائدة؟ نعم فيها فائدة. قال صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تحمل له متاعه عليها صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وتعدل بين الاثنين صدقة، وفي كل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وأمر بمعروف صدقة». ونعم، ممكن الصدقة. قال: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». فضيلة كبيرة، بارك الله فيك. قال سليمان: أين حمله الخمسة؟ لا، قفزنا الذي قبله. سليمان بن يسار بالمثنى تحت ثم بالسين المهملة. وقال: «تنطحني» بكسر الطاء، «تنطحني» بكسر الطاء وفتحها، «تنطأ»، «تنطي». نعم. قال رحمه الله: في آداب القراءة، هذا الباب هو مقصود الكتاب، وهو منتشر جدًا. قال: «منتصر جدًا» بكسر الجيم وهو مصدر. قال: «وأنا أشير إلى أطراف من مقاصده كراهة الإطالة وخوفًا على قارئه من الملالة». فأول ذلك: أنه يجب على القارئ الإخلاص، كما قدمنا. مراعاة الأدب مع القرآن، فينبغي أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حالة من يرى الله تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه. نعم، سبحان الله، ما أكثر ما يكرر المصنف رحمه الله ما يتعلق بالإخلاص لله تبارك وتعالى. هذا يدلنا على أهمية الإخلاص في العمل الصالح. العمل الصالح فائدته عظيمة وثمرته كبيرة، يسعد بها صاحبها في الدنيا والآخرة. لكن ما هو العمل الصالح؟ هو الذي توفّر فيه شرط الإخلاص لله تبارك وتعالى والمتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا الشأن في كل عبادة، ومن هذه العبادات تلاوة القرآن، تعلم القرآن، تعليم القرآن، طلب العلم النافع. هذه عبادات من أجل العبادات، فينبغي لطالب العلم ومتعلم ومعلم القرآن أن يحرص على إخلاص النية لله تبارك وتعالى، أنه لا يريد بعمله الصالح هذا إلا وجه الله تبارك وتعالى، لا يريد شيئًا من أعراض وأغراض الدنيا، لا يريد بعمله الصالح مالًا ولا جاهًا ولا رئاسة ولا شهرة ولا صدارة ولا رياء ولا سمعة، ولا يريد أن يتعلم العلم لأجل أن يماري به السفهاء أو يباهي به العلماء، يتعلم أو يقرأ أو يدرس حتى تكون له الوجاهة والصدارة في المجالس، يثير مسائل ويناقش ويلفت الوجوه إليه ويقولون: فلان ما شاء الله. فإنه مهما بذل ومهما عمل ومهما حصل، طالما النية فاسدة، فإنه لا يصل إلا إلى خسارة في الدنيا والآخرة. فإن من أراد بعمله الصالح غير وجه الله تبارك وتعالى ليس له نصيب ولا حظ في الآخرة. ليس له نصيب ولا حظ في الآخرة. يدلنا على ذلك ثلاث آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى في الشورى وهود والإسراء: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]. ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة هود: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16]. ويقول سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّ رِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 18-19]. فليحذر المسلم وطالب العلم ومتعلم القرآن ومعلمه من فساد النية. إذن مع الحديث المشهور، حديث المغيرة في أول من يقضى عليه يوم القيامة، أولئك الثلاثة، منهم ذلكم الذي تعلم العلم وعلمه، تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن وعلم القرآن، فلما وقف بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم تُبلَى السرائر، عُرِّف بنعمه فعرف، قال: ماذا عملت فيها؟ قال: يا رب، تعلمت فيك العلم وعلمته. يعني لا تسأل عن الأوقات، لا تسأل عن الاجتهاد، لا تسأل عن السهر، لا تسأل عن الجهد، لا تسأل عن الأمراض والأسقام، لا تسأل عن النفع، قد يحصل نفع على يد هذا العبد، نفع وسهر وتحصيل ومذاكرة وتعب، وترك للذيذ المآكل ولذيذ النوم ولذيذ المجالس مع الزملاء والأصدقاء، لكن كانت النية مدخولة، كانت النية فاسدة، يأتي يوم القيامة ويكون أول من تُسعر به النار. فهذه خسارة، خسارة الدنيا والآخرة، فاتت لذات الدنيا ولم يظفر بنعيم الآخرة. وإن وجد شيئًا من لذات الدنيا من مدح أو ثناء أو شيئًا من المال أو الجاه، فإنها لذات عاجلة، ما أسرع ما تذهب وتضمحل وتنتهي وتتلاشى. فنسأل الله السلامة والعافية. هكذا يقول سلفنا الصالح، منهم سفيان الثوري: «ما عالجت نفسي على شيء ما عالجتها على الإخلاص». ما عالجت نفسي على شيء، ما عالجتها على الإخلاص. هؤلاء جاهدوا أنفسهم على إصلاح نياتهم. وتجد الكلام منتشرًا والكلام مكررًا ومعادًا في مواطن كثيرة، لأن هذا هو الأساس، هذا هو الأساس الذي يبنى عليه العمل الصالح. أنت لو أردت أن تبني عمارة طويلة، كلما نظرت إلى أعلى تريد أن تطولها، لا بد أن تنظر إلى أسفل، كيف تنزل بحفرة، لأن طول العمارة بقدر الأساس الذي في الأرض. وهكذا بالنسبة للعمل الصالح، يعني مقارنة بالإخلاص، فالإخلاص هو الأساس. إذا لم يكن هناك إخلاص، فالله يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، كسراب بقيعة. فهكذا ينبغي لطالبي العلم وحامل القرآن أن يجاهد نفسه كثيرًا وكثيرًا. ليست المسألة هي فترة وجيزة ثم لا، لا يزال عدوك بين جنبيك يجري من ابن آدم مجرى الدم، لو بلغت ما بلغت من الإخلاص، فطالما روحك في نفسك وعدوك يجري في دمك، فلا تأمن مكر الله. سبحانه وتعالى، قال حمد بن سلم: «من طلب الحديث لغير الله مكر الله به». قد يمكر بك في آخر حياتك، قد يمكر بك، وينتفع بعلمك الحاضر والبادي والقريب والبعيد. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «إن الله لا يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». رجل فاجر، فجور على نفسه، ومع هذا ينتفع به الحاضر والبادي. فحصول النفع بالشخص لا يدل على أنه يأمن، لا، لا يأمن. إن الله لا يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، رجل فاجر ليس عنده صدق ولا إخلاص، وينصر الله به الدين، ويكون كالشمعة التي تحرق نفسها لتضيء لغيرها. قال: فينبغي أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حالة... إلى آخرين إن شاء الله. نواصل في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.