تزكية النفوس بشريعة الله

تزكية النفوس بشريعة الله

الخطبة بعنوان تزكية النفوس بشريعة الله، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

الافتتاحية: الحمدلة والصلاة على النبي

يستهل الخطيب كلامه بحمد الله تعالى والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، متبعين السنة في افتتاح الخطب. تُعد هذه الافتتاحية تمهيداً روحياً لما سيتبع من مواضيع التزكية.

أهمية تزكية النفس والقلب وفق الشريعة

توضح الخطبة أن تزكية النفوس وإصلاح القلوب من مقاصد رسالة النبي، وأن الفلاح مرهون بسلامة القلب من الشرك والكبر والنفاق. يُؤكد أن طريق التزكية الصحيح هو اتباع شرع الله لا المناهج المبتدعة.

أثر العبادات والذكر في تزكية النفوس وإصلاح القلوب

يبيّن المقطع أن الإقبال على الصلاة والزكاة والصوم والحج يطهر النفس ويصلح القلب، وأن ذكر الله وقراءة القرآن بتدبر يورث الخشوع والطمأنينة. يُستحضر هلاك الأمم السابقة كعبرة وتحذير.

تذكر الموت ومنهج أهل السنة في تزكية النفوس

يشدد الخطيب على تذكر الموت والمصير إلى الله لرقّة القلب، وينبه إلى أن التزكية تكون بالكتاب والسنة لا بالبدع أو التشدد. يُضرب المثل بهدي النبي في الجمع بين العبادة والاستمتاع بالطيبات، محذراً من مناهج الغلاة والصوفية.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: تزكية النفوس بشريعة الله، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله عز وجل بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً. بعثه الله عز وجل لإصلاح البشرية، ومن عليهم بذلك، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فمن مقاصد رسالة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: تزكية هذه النفوس، وإصلاح هذه القلوب، واستقامة هذه الجوارح على طاعة الله تعالى تبارك وتعالى. أقسم الله عز وجل في كتابه الكريم أحد عشر قسماً: أنه لا يفلح إلا من زكاها، وأنه لا يخيب إلا من دساها. فقال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. نعم، عباد الله، تزكية هذه النفوس، وإصلاح هذه القلوب التي هي محل نظر الله عز وجل من العبد. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو القائل، كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فالقلب هو محل نظر الله من العبد، القلب محل الهوى والإيمان والخير، القلب محل الإخلاص والصدق واليقين، القلب هو ملك الأعضاء. متى ما صلح هذا الملك صلح سائر الجوارح، فبصلاح القلب تصلح الجوارح والأعمال، وبفساد القلب تفسد الجوارح والأعمال. فلذلك علينا عباد الله أن نعتني بتزكية نفوسنا وإصلاح قلوبنا، إذا أردنا السعادة والنجاح، وأردنا السلامة في الدنيا والآخرة. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. يوم القيامة لا يقي من عذاب الله عز وجل مال ولا ولد ولا عشيرة ولا قبيلة، إلا من وقى الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، سليم من الشرك والكبر والنفاق، سليم من الشر والحسد والعجب والرياء والسمعة، سليم من التعلق بغير الله تبارك وتعالى في قليل أو كثير، سليم من الآفات والأمراض. وهكذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾. بقلب تائب، رجاع إلى الله سبحانه وتعالى، منيب، أواب، آناء الليل وآناء النهار. فع علينا عباد الله أن نعتني بقلوبنا كما اعتنى الأنبياء بقلوبهم. قال الله عز وجل في شأن إبراهيم: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. ويقول الله عز وجل في شأن المؤمنين: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. علم الله ما في قلوبهم من الصدق والإخلاص والتعلق والتوكل عليه سبحانه وتعالى، والخشية والإنابة. فالواجب علينا عباد الله أن نعتني بقلوبنا، وأن نحرص على صلاحها، وأن نحذر من موتها وفسادها، فإنه إذا مات القلب ماتت الجوارح، وحصل الشر العظيم. واعلموا عباد الله أن تزكية أهل الإسلام والسنة لنفوسهم وقلوبهم لا يكون بمناهج يكتدعونها من عند أنفسهم، بل يزكون قلوبهم بما زكى الله عز وجل به قلوب الأنبياء، وبما زكى به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلوب أصحابه. ما علينا عباد الله إذا أردنا صلاح قلوبنا إلا بالإقبال على الله والاستسلام لشرع الله. فشرع الله عز وجل كله زكاة لأنفسنا، زكاة لنفوسنا. فما عليك إلا أن تقبل على شرع الله تبارك وتعالى. فالأمر كما قال الشاعر: من الله الرسالة *** وعلى الرسول البلاغ *** ومنا التسليم. فالتوحيد جعله الله عز وجل لأجل زكاة النفوس، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال ابن عباس: لا يقولون لا إله إلا الله. وهكذا جعل الله عز وجل الصلاة سبباً للصلاح والتقوى والاستقامة. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. فمن أقبل على الله بقلبه في صلاته، حافظ على شرائعها، وأدى واجباتها، وتقرب إلى الله بفعل مستحباتها، فإنه ينتفع بهذه الصلاة، ويخرج بحال على غير الحال التي كان عليها قبل الصلاة. ولهذا لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: يا رسول الله، إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه سينهاه ما يقول». رواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة. فهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس». وهكذا جعل الله عز وجل الزكاة سبباً للطهارة وسبباً لحصول التزكية. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل في شأن الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهكذا في شأن الحج، يقول الله عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من الذنوب كيوم ولدته أمه». فهكذا عباد الله، في الإقبال على شرع الله سبحانه وتعالى تكون زكاة هذه النفوس وإصلاح هذه القلوب. وبالإقبال على ذكر الله سبحانه وتعالى، فإنه من أعظم الأسباب في خشية الله وإنابة القلوب إلى الله عز وجل. أليس الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. حقيق بهذه القلوب، وجدير بهذه القلوب، ألا تطمئن بشيء إلا بذكر الله تبارك وتعالى. فإذا ذكر العبد ربه سبحانه وتعالى، ذهب ما في القلوب من قلق واضطراب وتشويش، وحصلت له محبة الله والخشية من الله عز وجل، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شأن أولئك السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». فع علينا عباد الله أن نكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، وأن نعلم أن ذكر الله عز وجل من العبادات العظيمة والعبادات الجليلة التي تحمل على الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وعلى إصلاح القلب وإنابة القلب إلى الله تبارك وتعالى. وكذلك عباد الله، من هذه الأمور التي تعين على صلاح القلوب: قراءة القرآن، وتدبر القرآن، وتفهم معاني كتاب الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل جعل في كتابه الكريم أعظم العبر وأعظم التأثير، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. لو قدر أن الله عز وجل أعطى هذه الجبال الصم الراسيات الصماء أعطاها عقولاً تفهم وتعي بكلام الله عز وجل، لتخشع وخشعت ولانت من عظم تأثير هذا القرآن الكريم. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. وكذلك من الأمور التي تعين على ذلك: النظر فيما فعله الله عز وجل بالأمم المتقدمة من أنواع العذاب والنكال. فربنا تبارك وتعالى دمر عليهم وأهلك القرى العامرة بسبب ذنوبهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وهكذا عباد الله، تذكر الموت، وأن المصير إلى الله سبحانه وتعالى، وأن الموعد مع الله عز وجل، وأنه مع ما يتمتع الإنسان ويتمتع ويفعل ما فعل في هذه الدنيا، فإن مصيره إلى أن يموت. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. فمن استحضر أنه ميت، وأنه قادم على الله، وأن الله عز وجل سائله عن كل صغير وكبير، ومحاسب عن كل فتيل وقطمير، لا بد أن يخشع قلبه، وأن يلين قلبه. وكذلك عباد الله، مصاحبة الأخيار، وهكذا حضور مجالس الخير والذكر. أسأل الله تبارك وتعالى للجميع التوفيق والسداد. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فهكذا عباد الله، نزكي أنفسنا بما وجدناه في كتاب الله عز وجل، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأهل السنة لا يكتدعون مناهج من عند أنفسهم لصلاح قلوبهم وتزكية نفوسهم. لا تكون التزكية لهذه القلوب بالبدع والخرافات، وتحريم ما أحل الله سبحانه وتعالى من أنواع المباحات والملذات المباحة من المآكل والمشارب والمناكح، كما هي طريقة الغلاة والصوفية والمتشددين، الذين شددوا على أنفسهم. فتجد من هؤلاء من يزعم أنه يصلح قلبه بتحريم كثير من هذه المآكل وهذه المباحات. والله عز وجل ذم هؤلاء، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، إمام المتقين، وسيد الأولين والآخرين، وأزهد الناس بهذه الدنيا، ومع ذلك كان يتمتع بما أباح الله عز وجل له. وهو القائل: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». كان النبي عليه الصلاة والسلام يأكل ويشرب ويتمتع بما يسره الله عز وجل له. وحينما جاء ثلاثة نَفَر إلى بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يسألون عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبروا بها، فكأنهم تقالوها، ورأوها قليلاً. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام فأخبروه بالخبر، فأتى إليهم وقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» قالوا: نعم. قال: يعني هم تقالوها. وقال أحدهم: والله إني لأصلي الليل ولا أرقد. وقال الآخر: لا أتزوج النساء. وقال الثالث: لا آكل اللحم. فأتى إليهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال لهم: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني، فمن رغب عن سنتي فليس مني». نعم عباد الله، علينا أن نحذر، أن نحرم على أنفسنا أو على غيرنا ما أحل الله سبحانه وتعالى، فهذا خلاف التقوى، وهذا نوع من الاعتداء، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. نعم عباد الله، هكذا تجد من الناس من يحاول أن يحبب الدين إلى الناس، وأن يصلح من أحوال الناس بمناهج مبتدعة: من التمثيليات، والمسرحيات، والرحلات، وإشغال الشباب في الكرة والضياع، والله المستعان. وهكذا من الناس من يزعم أنه يصلح قلبه بالأذكار المبتدعة والعبادات المبتدعة. فمنهم من يقتصر على لفظ الجلالة، ومنهم من يقتصر على «هو». وهكذا. قيل لهم: ما الدليل؟ قالوا: ربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلِ اللَّهَ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه. فالله عز وجل يقول في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾. أي: ربنا عز وجل هو الذي أنزل الكتاب، وهو الذي فعل ذلك. فهكذا عباد الله، أهل السنة: خرج منهم العلماء، وخرج منهم الأتقياء، وخرج منهم الأخيار والصالحون، بخلاف المناهج المبتدعة، فإنها تخرج الزنادقة، والمبتدعة، والأضلال، والمنحرفين. فع علينا عباد الله أن نحرص على صلاح قلوبنا بالاستقامة على شرع الله تبارك وتعالى. فما هذه الواجبات، وما هذه المنهيات، إلا لصلاحنا، إلا لصلاح قلوبنا. نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق الجميع لطاعة وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يرزقنا صلاح قلوبنا. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعصمنا وإياكم من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.