المحاضرة بعنوان الأصول الثلاثة التي ينبغي التمسك بها، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تؤكد المحاضرة أن السعادة في الدنيا والآخرة تتحقق بالتمسك بالقرآن الكريم، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح. ويبين الشيخ أن القرآن هو الهدى والنور والشفاء والروح التي تحيي القلوب، داعياً للاعتصام به في زمن الفتن.
يشير المقطع إلى أن القرآن والسنة هما مصدر الحياة والنور والهدى، وأن التمسك بهما سبيل النجاح والرفعة. ويحذر من الاقتداء بأهل الكتاب والمشركين الذين هم شر البرية، مبشراً بفضل الله على من ثبت على دعوة الحق.
يبيّن المقطع أن التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة والتابعين يجلب السعادة والرفعة في الدنيا والآخرة. ويكفي المؤمن شر البدع ويضمن نصر الله، مؤكداً أن خير القرون هم السلف وأن العلم النافع سبيل الطاعة.
يختتم المتحدث حديثه بالدعاء بالتوفيق والسداد للجميع، والحمد لله رب العالمين. ويصلي ويسلم على النبي محمد وصحبه أجمعين.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الأصول الثلاثة التي ينبغي التمسك بها، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنحن عباد الله في أمس الحاجة إلى أن نعرف قدر نعمة الله عز وجل علينا وإلى منته، وأن ننظر إلى منته الكبيرة علينا، فإن أجل النعم وأكبر المنة أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب. وهذا الله سبحانه وتعالى من كتب له بهذا النور وبهذا الخير... كانت البشرية في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء، فأرسل الله سبحانه وتعالى هؤلاء الرسل مبشرين ومنذرين، وبعثهم بالحجج والموعظة والبينات، فاستجاب من كتب الله له الخير والتوفيق، فطابت قلوبهم واستقامت جوارحهم، وحسنت أخلاقهم، وزكت نفوسهم، واستعدوا للقاء الله سبحانه وتعالى، وكانوا خير البرية. إنا نرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لطاعة الرسول والعمل بما أمر الله سبحانه وتعالى، فهم خير البرية، سعادة في الدنيا وسعادة ورفعة في الآخرة. وهكذا من أعرض عن هذا النور وتنكب الطريق وأدبر عن هذا الخير فهو شر من الحمير والخنازير، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك في كتابه الكريم: أنهم شر البرية، وأنهم شر الدواب. فلنحمد الله عز وجل عباد الله بهذا الخير الذي ساقه الله عز وجل إلينا وهدانا إليه، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. فهكذا عباد الله، الزموا الطريق، وسألوا ربكم سبحانه وتعالى المزيد من فضله والثبات على دينه، فإن الأمر قصير والأيام قلائل، ثم الموعد واللقاء مع الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الوقت الذي يموج بالفتن، أنت في أمس الحاجة يا عبد الله أن تعتصم بما أمرك الله عز وجل بالتمسك به، وأنت بصير بهذا النور الذي بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أصول ثلاثة، من وفقه الله عز وجل للتمسك بها والسير عليها فإنه يظفر بسعادة الدنيا والآخرة: كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وطريق سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمة هدى ونجوم الإسلام ومصابيح الإسلام. من وفقه الله تبارك وتعالى للسير على هذا الطريق، التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، والسير على ما سار عليه سلف الأمة، فهو من أهل السنة، وهو من الفرقة الناجية، وهو من الطائفة المنصورة الذين نصروا الحق فنصرهم الله، الذين نجوا في الدنيا من البدع والخرافات والضلالات، فنجاهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة من النار. نعم عباد الله، هذه أصول السنة: كتاب الله الهادي، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونهج منهج السلف الصالح. ما أكثر الدعايات على دعوة أهل الحق، وأنهم يأتون بدين جديد، وأنهم أصحاب مذهب جديد! لكن إذا عرف المسلم أن دعوة أهل السنة من لدن رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى هذه الساعة، بل إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، قائمة على هذه الأصول العظيمة: الحث على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، والحث على السير على ما سار عليه سلف هذه الأمة الذين أثنى الله عليهم ومدحهم وزكاهم. كتاب الله فيه الهدى والنور، كتاب الله فيه الشفاء والرحمة، كتاب الله فيه المخرج من الفتن، كتاب الله الذي جعله الله روحا، كتاب الله الذي جعله نورا. نعم عباد الله، ربنا تبارك وتعالى وصف كتابه الكريم بأوصاف عظيمة وأوصاف جليلة، ليعرف قدره المسلمون فيعظموه ويقدروه ويتمسكوا به ويستنيروا بنوره ويعتصموا عليه حتى الممات، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وكما قال الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وكما قال الله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وكما قال الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، وكما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وكما قال الله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾، وكما قال الله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. جعل الله كتابه روحا تحيا به القلوب، قلوب أهل الإيمان والهدى والتقى، كيف تهتز وكيف يسري فيها الحياة؟ فالقرآن حياة، وهذه الشريعة حياة، وهذا الدين حياة، بخلاف الذين يتخبطون في ظلمات الجهل والغواية، فهم في موت. ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. فالله جعل كتابه حياة لتقوم الحياة الحقيقية عليه، وجعله نورا يستضاء به في ظلمات الزندقة والإلحاد والبدع والخرافات والضلالات والجهالات، وجعله هدى للقلوب يميز به العبد بإذن الله سبحانه وتعالى بين الحلال والحرام، وبين النافع والضار، وبين الصواب والخطأ، وبين الهدى والضلال، وبين الغي والرشاد، إلى غير ذلك. فتمسكوا عباد الله بكتاب الله عز وجل فهو سبيل النجاح، كما أمرنا الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وهكذا سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، جعل الله سبحانه وتعالى نبيه مهتديا في نفسه وهاديا لمن سار على طريقته، كما في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وكما قال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وكما قال الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. نعم عباد الله، التمسك بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام والاقتداء بأثره، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقف في خطب الجمعة ويكرر هذا الكلام: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». إذا كان أحسن الحديث كتاب الله فأنت تؤثر كلام الله على كلام غيره كائنا من كان، وإذا كان خير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام فأنت تؤثر هديه عليه الصلاة والسلام على هدي كائن من كان. فهكذا يبعث في نفسك القناعة والطمأنينة للتمسك بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. هناك أناس يأخذون بمذاهب أهل الشرق والغرب، إخوة القردة والخنازير الذين يتخبطون في الجهالات وفي الظلمات، فيقتدون بهم ويتشبهون بهم ويعظمونهم وينظرون إليهم نظرة احترام وإعظام وإجلال، وهم شر البرية كما قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، وكما قال الله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. شر من وطئ الأرض هم هؤلاء الذين أعرضوا عن الله وكفروا بالله ولم يستجيبوا لرسل الله سبحانه وتعالى في كل زمان ومكان، شر من الحمير والخنازير والدواب وهذه الحيوانات، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم. فعجبا لأناس من الله عليهم بنور القرآن والسنة ثم يلتمسون الهداية ويرتحلون عن السعادة في مذاهب أهل الشرق والغرب! ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فاحرصوا عباد الله على التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. نحمد الله سبحانه وتعالى إذ أوجد بيننا وفينا من يدعون إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ليس أهل السنة علماء يدعون الناس إلى التقليد وإلى التعصب أو إلى الطائفية أو إلى المذهبية أو إلى العنصرية أو إلى حزبية أو إلى تكتلات وتجمعات، لا. أهل السنة كبيرهم وصغيرهم، عالمهم والمحب للعلم والعامي والجاهل، كلهم كلمتهم سواء: نتمسك بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، نعظم القرآن والسنة، نرجع إلى القرآن والسنة، نأخذ منهما العقيدة والعبادة والسياسة والمعاملة والآداب والأخلاق والدعوة والمنهج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاقتصاد. كل ما يحتاج إليه المسلم فهو في كتاب الله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وهكذا الرسول عليه الصلاة والسلام بلغ البلاغ المبين، لم يترك شيئا أن يقرب إلى الله إلا ودل عليه، ولم يترك شيئا أن يباعد عن الله إلا وحذر منه. فماذا نريد بعد ذلك عباد الله؟ فلنحمد الله سبحانه وتعالى. لو مشيت إلى أقطار الدنيا وأمم أهل الأرض ممن ينتمي إلى الإسلام، لو وجدت الشركيات المنتشرة والبدع الغليظة والمعاصي الكثيرة، فلنحمد الله عز وجل في بلادنا اليمنية إذ أقبل الله سبحانه وتعالى بقلوب أهلها على دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام. كثير من الناس من فضل الله لا يعدلون بدعوة السنة أي دعوة أخرى، هذا فضل من الله سبحانه وتعالى حرمه كثير من الناس. أنت تحمد الله إذ أوجدك في بيئة مسلمة وفي مجتمع فيه من ينادي إلى التمسك بالقرآن والسنة، حرم هذه النعمة كثير من الآباء والأجداد، أوجدهم الله في بيئة مليئة بالتصوف والخرافات والبدع والشركيات، وعبدوا الله سبحانه وتعالى على ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، ومنهم من مات فهو على دعوة القبور وعلى التمسك بأثر الموتى وعلى البدع والخرافات. فأنت تحمد الله سبحانه وتعالى إذ وفقك لدعوة الحق، فعليك أن تحرص على الثبات عليها، وأن تعلم أن ثوابا حسنا وخيرات كثيرة يجعلها الله سبحانه وتعالى لمن اتبع رسوله عليه الصلاة والسلام. له نصيب وافر من قول الله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. لا شك أن الله سبحانه وتعالى رفع نبيه عليه الصلاة والسلام رفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، وهكذا من اتبع رسوله عليه الصلاة والسلام له نصيب من هذه الرفعة، وله نصيب من هذه السعادة. أما ما خصه الله به من النبوة والرسالة فلا يشاركه فيها أحد، لكن ما أكرمه الله سبحانه وتعالى به من سعادة الدنيا والآخرة وعلو المنزلة والثناء الحسن، فلكل متبع نصيب من هذا، من هذه الرفعة ومن هذا الخير. ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، بقدر تمسك الإنسان بسنة رسول الله يرفعه الله عز وجل ويمنحه ويعطيه ويكرمه. وهكذا عباد الله، من حسنات وبركات الاتباع للرسول عليه الصلاة والسلام أنه يستغني بهذا الشرع، أما سواه فمن وفقه الله سبحانه وتعالى لأداء الصلوات الخمس وللاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الرواتب والنوافل على الوجه المطلوب بقلب حاضر ومعرفة بهدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه يستغني عن كل بدعة في باب الصلاة. وهكذا في باب الأذكار، من وفقه الله لمعرفة هدي الرسول عليه الصلاة والسلام كيف كان يذكر الله وما هي الأقوال، فإنه يستغني عن الأمور المحدثة الكثيرة التي أحدث الناس في باب الذكر. وهكذا في باب العلم، من أصغى بسمعه وأقبل قلبه لكلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام فتفهم وتدبر، فإنه يستغني عن كلام كل أحد على خلاف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام. وهكذا من بركة الاتباع عباد الله، أن الله سبحانه وتعالى ينصر من اتبع رسوله عليه الصلاة والسلام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام بعثه الله ينصر به دينه، فكل من قام بنصرة الدين والتمسك بما عليه المصطفى عليه الصلاة والسلام كان له نصير من قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. لا تحزن إن الله معنا، لأبي بكر الصديق الذي صاحب الرسول عليه الصلاة والسلام ونصر ودافع. ولكل متبع للنبي عليه الصلاة والسلام فله نصير من هذه الآية. من قام بنصرة وإحياء ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، لو خالفه القريب والبعيد، لو خالفه الصديق والعدو، وهو واثق في الله ومحسن الظن بالله ومحتسب الأجر عند الله، فالله عز وجل ناصره ومؤيده: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، وكما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. فهكذا عباد الله أيضا السير على ما كان عليه سلف الأمة الذين أثنى الله عز وجل عليهم ومدحهم. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، كما في حديث الإرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». وقال الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أثنى الله عليهم ومدحهم، وأمرنا باقتفاء آثارهم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، وكما قال الله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ويقول عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فخير الناس بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الصحابة، ثم التابعون، ثم أتباع التابعين. هذه القرون هي خير الناس، ما من فضيلة ولا علم ولا خير ولا هدى ولا حسنة فيمن جاء بعدهم إلا وهي فيهم أكثر وأعظم. لا يمكن أن يوجد شيء بعده فاتهم جميعا أبدا، ما من خير ولا فضيلة ولا منقبة ولا رفعة إلا وكان للسلف النصيب الأوفر والحظ الأكبر. علينا أن نعرف لهم قدرهم وفضلهم ومنزلتهم، فنحبهم في الله وندعو لهم ونترحم عليهم ونترضى عليهم ونواليهم في الله، ونحرص على أن يوفقنا الله سبحانه وتعالى لسلوك طريقتهم. والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. هذا الواجب على المسلم عباد الله: أن يعتصم بكتاب الله، وأن يتمسك بسنة رسول الله، وأن يسير على ما سار عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم. وهكذا أئمة عباد الله الذين رفعهم الله، كأيوب وابن سيرين ومالك والأوزاعي والسفيانين والحمادين والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم كثير وكثير من أئمة الإسلام ونجوم الهدى، ما رفعهم الله سبحانه وتعالى إلا لما تمسكوا بكتاب الله، وتمسكوا بسنة رسول الله، وساروا على ما سار عليه سلف الأمة. فهذه هي دعوة أهل السنة والجماعة، يتخلون عن التعصبات، وعن التمسك بالآراء والأهواء، وعن النبذ والجفاء لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتمعون جميعا ويعتنون بالعلم النافع. فالعلم النافع عباد الله أثر عظيم في المعونة للعبد على طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، والأمر كما قال الإمام مالك: «إذا قل العلم حصل الجفاء، وإذا قلت الآثار حصلت الأهواء». نسأل الله سبحانه وتعالى الجميع التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وصحبه أجمعين.