الدرس في تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تفسير الآيات التي تشير إلى خلق الإنسان ومعرفة الله بما توسوس به نفسه، موضحًا قرب الله من خلقه بمعنيين: القرب العام والقرب الخاص. يبين هذا الفصل معاني هذه الآيات ودلالاتها.
يفسر هذا الفصل قوله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، مبينًا أن القرب المذكور له معنيان: القرب العام الذي يشمل إحاطة الله وقدرته، والقرب الخاص لخواص خلقه. يشمل هذا القرب الحفظ والنصر والتأييد.
يفسر هذا الفصل الآيات القرآنية المتعلقة بالموت والبعث، موضحًا معانيها ودلالاتها، ويبين أنها تحمل تهديدًا ووعيدًا للمشركين والكافرين. يشرح كيف أن الموت يكشف الحقائق للإنسان.
يفسر هذا الفصل معنى قوله تعالى «فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد»، بكونه إزالة للغفلة وإظهارًا للحقيقة بوضوح تام. يبين أن الرؤية يوم القيامة ستكون حقيقية وواضحة دون شك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تحيد، ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، لقد كنت في غفلة من هذا، فكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد. قال المفسر رحمه الله: «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم حال بتقدير، نحن ما مصدرية، توسوس وتحدث به، ألباء زائدة أو للتعنية، والضمير للإنسان نفسه، ونحن أقرب إليه بالعلم من حبل الوريد، الإضافة للبيان، والوريدان عرقان بصفحتي العنق، إذ منصوبة بإذكار مقدر، يتلقى يأخذ ويثبت، المتلقيان الملكان الموكلان بالإنسان بما يعمله، عن اليمين وعن الشمال منه قعيد، أي قاعدان، وهو مفتعل، خبره ما قبله، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب حافظ عتيد حاضر، وكل منهما بمعنى المثنى. وجاءت سكرة الموت غمرته وشدته بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عيانًا، وهو نفس شدة ذلك، أي الموت، ما كنت منه تحيد تهرب وتفزع، ونفخ في الصور للبعث، ذلك أي يوم النفخ يوم الوعيد للكفار بالعذاب، وجاءت كل نفس إلى المحشر معها سائق ملك يسوقها إليه، وشهيد يشهد عليها بعملها، وهو الأيدي والأرجل وغيرها، ويقال للكافر: لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا النازل بك اليوم، فكشفنا عنك غطاءك أزلنا غفلتك بما تشاهده اليوم، فبصرك اليوم حديد، أي حاد تدرك به ما أنكرته في الدنيا». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، لازلنا في هذه السورة العظيمة سورة قاف، والتي فيها الجواب على جدال وإنكار المشركين لأمر البعث والنشور، ومرت معنا الآيات الأولى في أوائل هذه السورة في هذا المعنى، وكذلك هذه الآية وما بعدها. فقوله سبحانه: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ كذلك في محاجة المشركين الذين ينكرون البعث والنشور، فذكر خلق الإنسان من باب أولى، كذلك ذكر الأولى، فإذا كان خلق الإنسان على ما فيه من عجائب خلقه سبحانه وتعالى، فيه قد خلقه الله عز وجل، بل وعلم من ذلك وسع علمه أن يعلم ما خفي من أمر هذا المخلوق الضعيف، فيعلم ما توسوس به النفس، أي ما تحدث به في الخفاء وفي داخل القلب، فضلًا عما تلفظت به الألسن. ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، فإذا كان كذلك فمن باب أولى أمر البعث والنشور وإعادة خلق هذا الإنسان، فهو أيسر وأسهل، وليس بأمر صعب على الله سبحانه وتعالى. وقوله جل وعلا: «ونحن أقرب إليه»، قال رحمه الله: «بالعلم»، والصحيح في هذا التفصيل، وقبل هذا قوله: «الباء زائدة أو للتعدية والضمير للإنسان»، الصحيح أنه ليس في القرآن شيء زائد، بل الباء فيه صلة وتوكيد لهذا المعنى، فهو يؤكد هذا المعنى، فـ«توسوس به نفسه» أي توسوس بهذا الإنسان نفسه، كأنه قال: توسوس الإنسان حقًا، فهو من باب التعدية والتأكيد. وكما تقدم قوله: «ونحن أقرب إليه» أي بالعلم، هذا بالنسبة لإضافة الضمير إلى الله سبحانه وتعالى، والصحيح أن الآية تتناول معنيين اثنين، المعنى الأول هو أحد معنيي قرب الله سبحانه وتعالى من خلقه، والله عز وجل قريب من خلقه بمعنيين اثنين. المعنى الأول قربه العام من جميع الخلق، قرب الإحاطة والقدرة والاستطاعة من البطش والانتقام وغير ذلك من معاني قدرته وإحاطته وسعته، كذلك هذه القدرة والإحاطة، فهذه أو هذا القرب قربٌ عام لجميع الخلق، المؤمن والكافر والبر والفاجر، وهو بهذا المعنى أقرب إلى كل أحد، فإذا أراد شيئًا إنما قال له: «كن فيكون»، ولا أحد يفر من إحاطته أو يفلت من قدرته سبحانه وتعالى، وهو أقرب إلى الخلق في قدرته وإحاطته وسعة علمه من حبل الوريد. وأما المعنى الآخر من القرب، فهو قربه من خواص خلقه من الصالحين من عباده، وهذا هو قرب الكناية والنصر والتأييد والتوفيق والحفظ وغير ذلك من معاني قربه سبحانه وتعالى من عباده الصالحين، وهذا القرب خاص بالصالحين من عباده، من الأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، ومن اتبعهم على هذا الصراط المستقيم. وهذا القرب كذلك قرب يقتضي كمال قدرته في الحفظ والكلاء والنصر والتأييد، وهو كذلك فيه هذه المعاني التي منها العلم، لكنه شيء زائد عن القرب العام، شيء زائد عن القرب العام، كما قال الله عز وجل لموسى وأخيه: ﴿إنني معكم أسمع وأرى﴾، فهي معية خاصة جعلها الله عز وجل لخواص عباده، وهو قرب خاص جعله الله عز وجل لخواص عباده. وهكذا كذلك: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، هذه المعية فيها معنى ماذا القرب الخاص، فيها معنى القرب الخاص الذي فيه الحفظ والكلاء والنصر والتأييد ونحوه. وأما هذه الآية، فكما تقدم فيها معنيين اثنين، المعنى الأول قربه العام بإحاطته وقدرته وسعة علمه، فهو سبحانه وتعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد بهذه الإحاطة وهذا العلم وهذه القدرة. وأما قرب الذات، فليس في الآية قرب ذاته، وقد ذكر هذا بعض أهل العلم، والصحيح والصواب، وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه، وتلميذ ابن القيم، وجماعة من المحققين من أهل العلم، أن القرب بالذات إنما هو لمن لملائكته، فالله عز وجل له ملائكة يباشرون ما أراد سبحانه وتعالى، وهؤلاء الملائكة بذواتهم أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد، وفعل الملائكة هو من أمر الله، ولذلك يضاف إلى الله سبحانه وتعالى. فمثلًا: «ولله المثل الأعلى»، تقول: «دخل الملك المدينة فحطمها»، هل دخل بذاته بجنوده؟ دخل الملك المدينة بجنوده فحطموا تلك المدينة، فنسب هذا الفعل لمن هو يأمر أولئك الجنود، ومن الجنود تحت أمره ونهيه، فأضيف إلى الآمر وليس إلى الفاعل، وهكذا كذلك هاهنا، ولله المثل الأعلى، «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» أي بملائكتنا وجندنا. وكذلك كل من يأمرهم الله عز وجل، حتى جسد الإنسان، جسد الإنسان يصير عدوًا لهذا الإنسان إذا أراد الله، إذا أراد الله جعل جسد هذا الإنسان عدوًا لهذا الإنسان، يقتل بعضه بعضًا وينهش بعضه بعضًا حتى يعذبه الله سبحانه وتعالى، فالفعل يضاف إلى مالكه وآمره لا إلى مباشره، وهذا في هذا الموضع من هذا الباب. وهذا المعنى الثاني في تفسير هذا القرب، وهو الصحيح من أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية، إذن معنا الآن تفسيران اثنان، من يعيدهما آت وجدان واحد. التفسير الأول: القرب العام، قرب الإحاطة والقدرة والعلم، التفسير الثاني: القرب لا نريد في هذه الآية تفسير الآية، ليس القرب بالنسبة لله قرب الملائكة، وهو قرب الذات. فإذا قيل: هل في الآية قرب الله؟ نقول: نعم، قرب الله بعلمه وإحاطته وقدرته، وإن قيل: هل في الآية قرب ذاته سبحانه؟ نقول: لا، ولكن قرب ملائكته وجنده ومن شاء من خلقه، فإنه إذا أراد شيئًا قال له: «كن فيكون»، وهذا من إضافة فعل المباشر للآمر الذي بيده الأمر والنهي والقدرة. ولهذا نضائر في كتاب الله عز وجل كثيرة، من يذكر لنا بعض هذه النضائر؟ نعم، هو نزل، لكن ما بعده؟ ما بعده؟ الله عز وجل تكفل بأسباب حفظه، تكفل بأسباب حفظه بأن جعل من جنده وخلقه من يكونون حفظة لهذا الذكر لهذا الذكر. وهكذا كذلك يعني نزول جبريل بالقرآن، أضافه الله عز وجل لنفسه، وتلاوة هذا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ ماذا بعده؟ ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾، ومن الذي يجمع ويتلو هذا القرآن؟ وجبريل عليه الصلاة والسلام يتلوه على النبي صلى الله عليه وسلم، يتلوه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من إضافة ماذا المباشر للآمر، للآمر والذي بيده والمالك الذي بيده هذا الأمر. وقوله رحمه الله تعالى: «من حبل الوريد»، قال: الإضافة للبيان، والوريدان عرقان بصفحتي العنق، هذان العرقان المشهوران عن جانبي العنق، يسير منهم الدم الذي يصعد إلى الرأس، وزوالهما زوال الحياة، والمعنى أن الله عز وجل قادر، وقدرته أقرب من الإنسان لنفسه، أن يزيل حياته إذا أراد، هذا التهديد ووعيد للمشركين الذين عارضوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروا البعث والنشور وغيرها مما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: «إذ يتلقى»، قال: منصوبة بإذكار مقدرًا، يعني اذكر إذ يتلقى، ومعناه كذلك تأكيد لما سبق من تهديد المشركين بما هم عليه من التكذيب بأمر ملائكته وقدرتهم عليهم سبحانه وتعالى. وقوله: «المتلقيان» أي الملكان الموكلان بالإنسان وما يعمله، وهذا يدل عليه ما بعده في قوله: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، ولهذا قال في آخره: «وكل منهما بمعنى المثنى»، لأن المثنى ذكر في أول الآية. وقوله: «وجاءت سكرة الموت»، السكرة كما قال رحمه الله: «غمرته وشدته»، لأن للموت شدة تدخل الإنسان في غمرة تشبه السكرة، فيكون الإنسان ضعيف القوى وضعيف التركيز من شدة سكرات الموت، فللموت سكرات، أي شدة تضعف الجسد وتضعف التركيز، فتجعل صاحبه كحال السكران. فالمراد بالتشبيه تقريب المعنى، ليس حقيقة المعنى، وإنما السكر الذي يصيب الميت أو من دخل في بداية الموت هو ألم وشدة هذه السكرات، ولهذا جاء في الحديث: «أن للموت سكرات»، أي مراتب يتدرج فيها الإنسان حتى تخرج روحه. وجاء معنى في حديث البراء وغيره من الأحاديث الأخرى، وقوله: «وجاءت سكرة الموت بالحق» أي الذي أخبر الله عز وجل به، وهكذا حال الإنسان يكذب، ولكن إذا رآه بعينه انتهى ذاك التكذيب، لكن للأسف حين لا ينفع الندم. وقوله: «ذلك ما كنت منه تحيد» أي تهرب وتفزع، هذا هو حال المشرك والكافر والفاجر، فإنه يصر على الجحود لأجل أن يكذب على نفسه الأمارة بالسوء، فتستمر على ما هي عليه، ولكن ينتهي ذلك حين يهجم عليه الموت، وعند ذلك يعرف أن كل ما أخبر به حق وصدق. وقوله: «ونفخ في الصور إلى آخره»، كذلك كل هذه الآيات فيها ذكر وتأكيد البعث النشور وإعادة الخلق ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى، وإثبات ذلك كله مع ما فيه من التخويف والتهديد والوعيد الشديد للمشركين والمجرمين في جحودهم لهذا الأمر، وهكذا كذلك إنكارهم لرسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالأجساد تبعث والشهود تشهد كما أخبر سبحانه وتعالى في هذه الآية، وكما فسرها رحمه الله تعالى، وهذا هو قوله: «كل نفس» أي إلى المحشر، معها سائق أن يسوقها من الملائكة، وشهيد أن يشهد عليها، والشهيد جنس، ليس المراد به واحد، ولكن المراد به جنس الشهادة، وهي كثيرة، فالأجساد تشهد والأرض تشهد والسماء تشهد، وكل المخلوقات تشهد على هذا الإنسان بما كان منها في هذه الدنيا. وعند ذلك ينكشف الغطاء، قال: الغفلة لماذا؟ لأن هذه الغفلة ولها أسباب كثيرة، من أسبابها الكفر، ومن أسبابها حب الدنيا، ومن أسبابها حب الرئاسة والجاه وغير ذلك من الأسباب التي تغطي الحق فتجحده وتنكره وتكابر فيه. بينما لو أنصفت النفس نفسها، لا أيقنت أن ما جاءت به الرسل جملة وتفصيلًا هو الحق والصدق، وكل هذا يزول حين تقع هذه الحقائق، فتكون عين يقين بما تراه معاينة، وأولها من سكرة الموت، وآخرها إلى البعث النشور، ومصير كل طائفة إلى ما تستحقه بعدل الله سبحانه وتعالى أو بفضله. وهذا هو قوله: «فكشفنا عنك غطاءك»، قال: أزلنا غفلتك بما تشاهده اليوم، «فبصرك اليوم حديد» أي لا تشك فيما تراه، فكل ما تراه تراه رؤية واقعية حقيقية واضحة، كأنك ترى البصر الحاد الذي كنت أحسن ما ترى في الدنيا وزيادة، وهذا من زيادة التعذيب والتوبيخ لهؤلاء المشركين. فالآية جمعت بين التهديد والوعيد والتوبيخ للمشركين. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.