الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتأمل في نعم الله مثل الماء والنار، ويبين كيف يستدل بها على إثبات البعث والنشور. يُظهر تفسير الآيات القرآنية ذات الصلة.
يشرح حكمة الله في خلق الماء المالح والنار، ويبين كيف يخلق الأشياء بحكمة ويجعل فيها منافع للناس. يضرب أمثلة على ذلك بخلق الماء المالح والنار.
يذكر أن الله يجعل النار نعمة للمقوين، وينتفع بها الناس، ويذكر بنار الآخرة. يُؤكد قدرة الله على إعادة الخلق بعد الموت، وينزه نفسه عن النقص.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أفرأيتم الماء الذي تشربون؟ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون. أفرأيتم النار التي تورون؟ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة ومتاعًا للمقوين، فسبح باسم ربك العظيم. قال المفسر رحمه الله: أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن - السحاب، جمع مزنة - أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجًا ملحًا لا يمكن شربه، فلولا - فهل لا - تشكرون. أفرأيتم النار التي تورون - تخرجون من الشجر الأخضر - أأنتم أنشأتم شجرتها كالمرخ والعفار والكلخ أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة لنار جهنم، ومتاعًا - بلغة - للمقوين - للمسافرين من أقوى القوم - أي صاروا بالقواء، بالقصر والمد، أي القفر، وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء. فسبح - نزه - باسم ربك العظيم - أي الله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. نزلنا في هذه الآيات في ذكر نعم الله عز وجل التي يذكر بها ويستدل بها سبحانه وتعالى على إثبات البعث والنشور، فالذي خلق هذه المخلوقات على عظمها بهذا الخلق العجيب والصنع البديع لا يعجزه سبحانه وتعالى أن يعيد خلقًا كان موجودًا. فقول المؤلف رحمه الله: أفرأيتم الماء الذي تشربون إلى آخره. قال: السحاب جمع مزنة، وجه إراد هذا، ومناسبته الآية في ذكر الماء الذي أصله عدم، فالله عز وجل جعل أسبابًا لإيجاد هذا الماء، فهذا ماء مالح يصعده الله عز وجل فيفنى بخارًا، يصير بخارًا، والشيء لا يبخر عدم، ثم يعيده سبحانه وتعالى بعد أن يصير سحابًا محملاً بالماء مرة أخرى إلى الأرض ماءً عذبًا زلالاً، وهو خرج من ذاك الماء المالح، فمن الذي فعل ذلك؟ هو الله سبحانه وتعالى وحده، لا يقدر المخلوق أن يفعل هذا. فإن كمية البخار الذي تصعد شيء عظيم، وهكذا كذلك الماء الذي ينزل شيء عظيم، وكونه ينزل عذبًا زلالاً بعد أن كان مالحًا هذا أعظم وأعظم، فالذي صنع هذا سبحانه وتعالى لا يعجزه أن يعيد الخلق جل وعلا، وهذا هو قول سبحانه: ﴿أم نحن المنزلون﴾ أي: هل يوجد أحد يستطيع أن يدعي أنه أنزله وأعاده بعد أن عدمه؟ فإن كان الجواب لا، وهذا هو الجواب: أنه سبحانه المتفرد بهذا، ولهذا ختمت هذه الآيات بالتسبيح. وهكذا قوله: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجًا﴾ قال: ملحًا لا يمكن شربه، لو أعاده الله كما صعد فصار ماذا؟ مالحًا، كما صعد، ما استفاد الناس من شربه، ولكن الله عز وجل لحكمة، فكذلك لحكمة أوجد الخلق، ثم سبحانه وتعالى يميتهم، ثم يبعثهم بعد نشورهم، فإماتة الخلق، إيجادهم، ثم إماتتهم، كل ذلك بحكم من الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك الماء المالح أوجده لحكم، ونعرف الكثير من حكمه بذلك، فما في البحار من أنواع المطعومات والمأكولات والمنافع في تنقل الناس وغير ذلك أشياء عظيمة، ويجعل الله عز وجل من هذا الماء ما يتبخر فيذهب، ثم يعيده مرة أخرى ماءً عذبًا زلالاً، كل هذا يجري على نظام بديع، وخلق الله سبحانه وتعالى الكامل في صنعه، المتقن في خلقته، ويرجع إلى الناس بهذه المنافع، فكذلك البعث والنشور. وقوله سبحانه: ﴿ولو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون﴾ أي: فهل لا تشكرون أن أعاد لكم ما أخذ منكم على هذا الوصف؟ وكذلك الناس يأخذ الله عز وجل أرواحهم ليعيدهم إلى حياة أفضل من الحياة التي هم فيها، لكن متى؟ متى ما أحسنوا وأعمروا هذه الحياة الفانية للحياة الباقية، فإن هم أعمروا الحياة الفانية للحياة الباقية كانت حياتهم الباقية أعذب من ذاك الماء الزلال الذي ينزله الله عز وجل بعد الماء المالح. فكأن حياة الناس في هذه الدنيا بالنسبة لما سيأتي مالحة، وما سيأتي زلالاً، وهذا هو الواقع، يؤتى بأنعم من كان في الدنيا، ثم يغمس غمسة في النار، فيقال له: هل رأيت من خير قط؟ فيقول: لم أر من خير قط، وهكذا العكس، البؤس الذي يراه الإنسان أبأس من في الدنيا، يغمس غمسة في نعيم الله فينسى كل بؤس كان قبله، وهذا تقريب للمعنى، ونعم الله لا تعد ولا تحصر. وقول سبحانه: ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ قال: تخرجون من الشجر الأخضر، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون؟ قال: كالمرخ والعفار والكلخ، خص هذه الأشجار الثلاثة رحمه الله، وإن كانت الآية عامة؛ لأن المقصود هو الأشجار التي تكون منها النار. والمعنى أن الله عز وجل الذي خلق هذه الأشجار وهي بطبيعتها لا تخرج النار؛ لأنها شجرًا أخضر، ولكن الله سبحانه وتعالى بعظيم قدرته ييبسها حتى تموت، فإذا ماتت وانتهت أعاد الله عز وجل النفع منها، فخرج منها النار التي ينتفع بها الناس، فمن الذي أنشأ هذا؟ هو الله سبحانه وتعالى وحده، فصار نفع الناس من هذه الأشجار بعد موتها بكونها حطبًا ينتفع به، وشجرًا يصطل بنارها من طبخ، تدفئة، وغير ذلك، أعظم نفعًا مما كانت قبل ذلك. وهذا مثل آخر لإعادة الخلق بعد موته وانتفاع الناس به، فإذا كان هذا في هذه المخلوقات، فإعادة كذلك الخلق بعد موتهم كذلك لا يعجز الله سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير، وهذا هو قوله سبحانه وتعالى: ﴿نحن جعلناها تذكرة ومتاعًا للمقوين﴾، جعل النار تذكرة - أي نار الدنيا تذكر بنار الآخرة - ولهذا قال المفسر رحمه الله: لنار جهنم، فمن رأى نار الدنيا إن كان في قلبه حياة تذكر نار الآخرة، ونار الدنيا كما جاء في الحديث: جزء من سبعين جزءًا من نار الآخرة، فنار الآخرة أعظم وأعظم، أعاذنا الله وإياكم السامعين منها. ومتاعًا قال: بلغة لأنواع المنافع التي ينتفع منها الناس لهذه النار، فالله عز وجل خلق النار لمنافع كثيرة للمقوين، قال: المسافرين من أقوى القوم، أي صاروا بالغوا بالقصر والمد، يعني: يجوزوا هذا وهذا، قال: أي القفر، وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء. والمقوون لفظ يتناول المسافر وغيره، فذكر المسافر ذكر المسافر من ذكر البعض الذي يراد به الكل، فهو أقرب وأكثر من يذكر في هذا المعنى، وإلا فالمقوين يدخل فيه كل منقطع ينتفع بهذه النار، سواء كان مسافرًا أو كان كذلك معتزلا في بادية أو رأس جبل أو غير ذلك. والمقصود أن الله عز وجل جعلها سببًا لانتفاع القريب والبعيد والحاضر والباد والمقيم والمسافر، وبعد التذكير بهذه النعم سبح نفسه سبحانه وتعالى ونزهها جل وعلا عما ظن به الكافرون من ظن السوء، وذلك زعمهم أنه لا يعيد الخلق بعد موتهم، وهذا هو قول سبحانه: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ أي: نزهه سبحانه وتعالى. وقوله: «باسم» زائدة، أي: الباء، الصحيح أنها ليست زائدة، بل أتي بها للتأكيد، ولا يوجد شيء في القرآن زائد، بل كل ما في القرآن أريد لفظه ومعنى، فيؤت به لتكميل المعنى، وكذلك لإتمام المبنى، فالمبنى والمعنى يتمان بوجود كل حرف، كما أنهما يتمان بحد في ما يحذف، فما حصل من حدث في بعض الكلمات على خلاف الأصل فهو لجمال المبنى، وهكذا كذلك لكمال المعنى. وهكذا كذلك ها هنا، فإن الله عز وجل ينزه نفسه العظيمة بأسمائه الحسنى وصفاته العلى جل وعلا عن كل نقص وعيب يرميه به الكافرون والمجرمون، وقول «ربك العظيم» قال: أي الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي وصف نفسه بهذه الصفات العظيمة وأسمائه الجليلة. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.