تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ظلم الكافرين ومحاولات إطفاء نور الله

تتحدث الآيات عن ظلم الكافرين والمشركين بإفتراء الكذب على الله ومحاولاتهم إطفاء نور الله. يُظهر الله أنه متم نوره ولو كره الكافرون.

وصف أهل الكتاب والمشركين ومحاولات إطفاء نور الله

يصف المقطع حال الكافرين من أهل الكتاب والمشركين ومحاولاتهم إطفاء نور الله، ويؤكد أن الله متم نوره. يشبه ذلك بمحاولة إطفاء ضوء الشمس.

تمكين دين الإسلام وانتشاره بقوة الله

يؤكد المقطع على تمكين الله لدين الإسلام وانتشاره على جميع الأديان، وأن هذا الدين سيصل إلى كل بيت في الأرض. يشير إلى انتشار الإسلام وظهوره في جميع أنحاء العالم.

التفريغ النصي الكامل

﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. قال مُفَسِّرٌ رحمه الله: ومن أي لا أحد أظلم، أشد ظلمًا ممن افترى على الله الكذب، بنسبة الشريك والولد إليه، ووصف آياته بالسحر، وهو يُدْعَى إلى الإسلام، والله لا يهدي القوم الظالمين الكافرين. يريدون ليطفئوا نور الله شرعه وبراهينه بأفواههم بأقوالهم: إنه سحر وشعر وكهانة، والله متم، مظهر نوره، وفي قراءة: بالإضافة، ولو كره الكافرون ذلك. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره، يعليه على الدين كله، جميع الأديان المخالفة له، ولو كره المشركون ذلك. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه الآيات من هذه السورة العظيمة، وفيها ما ذكر الله عز وجل من حال الكافرين والمشركين وعدائهم لهذا الدين. فقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، قال مُفَسِّرٌ رحمه الله: أي لا أحد أظلم، قال: أشد ظلمًا؛ لأن صيغة أفعل تدل على المبالغة ممن افترى على الله الكذب، قال رحمه الله: بنسبة الشريك والولد إليه، ووصف آياته بالسحر، هذا الذي فعله أهل الكتاب، وهكذا كذلك المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، قال: الكافرين؛ لأن الظلم يأتي بمعاني، ومنه الكفر، وإذا وصف الكافر بالظلم دل على أنه فعل شيئًا زائدًا عن الكفر، وهو الظلم. فالكفر هو خروج عن الإسلام، فإذا زاد معه شيء من البغي فهو كافر ظالم. وقد ابتدأت الآية بالظلم وختمت بالظلم لتأكيد ما يفعله هؤلاء من عظيم الظلم، وذلك بقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ في أول الآية، ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فظلم هؤلاء من أشد الظلم، كما وصف في أول الآية من افترى على الله الكذب، ووصف آيات الله وأنبيائه ورسله بالسحر والسحرة. وهذا حال الكافرين من أهل الكتاب، وهكذا كذلك المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي هذا وصف لأهل الكتاب، وأن هؤلاء المشركين لم يختلفوا كثيرًا عن من سبقهم من كافري الأمم. وكذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن ما أصابهم وما ابتلوا به قد سبق أن ابتلي به الأنبياء وأتباع الأنبياء من قبل. ولهذا جاءت بعدها الآية في قوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾، قال: منصوب بأن مقدرة، واللام زائدة. كما تقدم معنى ليس هناك مزيد في القرآن. والمعنى أن هؤلاء وصفهم الذي كان منه كذلك الظلم أنهم حاربوا ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقوله: ﴿نُورَ اللَّهِ﴾، فُسِّرَ بتفسيرين: التفسير الأول: أنه ضياء الله في الشمس، فمثل من يريد أن يطفئ دعوة الأنبياء والرسل ودين الله وشرعه، كمثل الذي ينفخ بفمه ليطفئ ضوء الشمس، فهو ليس بفاعل. وكذلك ليس بفاعل مع دين الله عز وجل. وفسر كما ذكر رحمه الله: على منتهى نور الله شرع الله وبراهينه. وأكثر المفسرين على الأول: أنه أريد به التشبيه، كما أن هذا لا يمكن، فكذلك إطفاء نور الله عز وجل الذي هو دينه وشرعه لا يمكن. وهذا هو قوله: ﴿نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، أي كالذي ينفخ بفمه ليطفئ نور الشمس وشعلة الشمس، فكشبه فعلهم كمن يريد أن يطفئ الشمعة، وما كان بمعناها، فليس بإمكانهم ذلك. فكذلك ليس بإمكانهم أن يفعلوا هذا مع دين الله عز وجل. واستدل بعض أهل العلم بهذا أن نور الشمس نار، كما صحت به الأحاديث، بخلاف نور القمر. وهذا ما أثبته العلم الحديث. وقوله سبحانه: ﴿بِأَقْوَالِهِمْ إِنَّهُ السِّحْرُ وَالشِّعْرُ وَكِهَانَةٌ﴾، يعني هذه من مقولاتهم التي يريدون بها إطفاء نور الله عز وجل، وليس بفاعلين. وقالوا غير ذلك؛ لأن العبارات غير مذكورة، ولكن المقصود كل ما عورض به دين الله لإطفائه، وكذلك إخفائه، فإنهم ليسوا بفاعلين. والله متم، وفي قراءة: متم نوره، وهي قراءتان سبعيتان، كما أشار في التعليق، مشهورتان. وعلى الكيلتا القراءتين المقصود أن الله عز وجل تام هذا الدين، أي مكمله، مبقيه، حافظ له. وكذلك يقالها هنا، فسير بتفسيرين. كما أنهم لا يستطيعون إطفاء ضوء الشمس، فكذلك لا يستطيعون إطفاء دين الله عز وجل، بل الله متم نوره، ولو كره الكافرون، أي على رغم أنوفهم. فإن الله عز وجل سيتم هذا الدين. وفي هذا كذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن الله عز وجل سيتم هذا الدين، أي سيكمل أمره ويعلي شأنه، ولو وجد أمثال هؤلاء. وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ إلى آخره، قال: يعليه، أي في قوله سبحانه: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾. والإظهار والإعلاء وزيادة، ففيه معنى الغلبة والتمكين. فالله عز وجل سيجعل أمر أهل هذا الدين هو العالي والممكن والممكن والظاهر حسًا ومعنى على الدين كله. قال: جميع الأديان المخالفة له، أي مما هو موجود في الأرض، كدين المشركين الوثنيين والملحدين وأهل الكتاب الضالين والمغضوب عليهم. كل هؤلاء سيعلو دين الإسلام عليهم، ولو كره المشركون ذلك، يعني كرهوا هذا الضرور، إلا أن الله عز وجل ناصر دينه ومتمه ومعليه. وفي هذا البشارة لأهل هذا الدين بظهور هذا الدين حسًا ومعنى. أما معنى فهو كذلك من يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من أمة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، كما في حديث «ثوبان» ومعاوية رضي الله عنهما في الصحيحين وغيرها. وحسًا بما يكون من الظهور، فقد ظهر حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وشمالًا وغربًا. ولا يعرف في تاريخ البشرية ملكًا ما بلغ ملك أهل الإسلام. وإن حسر في بعض البلاد، إلا أنه ينتشر هذا الدين، ولو لم يكن بالسيف السلطان. وهذا هو الواقع، فإن دين الإسلام لا يزداد يومًا إلا هو يزداد ظهورًا بفضل من الله سبحانه وتعالى. وكل من يعرف تاريخ هذا الدين يقر بهذا، حتى من الكافرين، فإنهم يذكرون في الإحصائيات المعاصرة أن نسبة ظهور هذا الدين بالنسبة لسائر الأديان في الأرض هي أعلى نسبة، ولا توازيها ولا نسبها ولا معشارها سائر الأديان الأخرى. بل لا يزال هذا الدين في ظهور، وهذا واضح وظاهر. فدخول الناس في دين الله عز وجل، وكذلك انتشار المساجد في بطاح الأرض جميعًا من أكبر الشواهد. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين سيدخل كل بيت حجر ومدر، بفضل الله عز وجل وعزته، عزًا يعز الله عز وجل به الإسلام وأهله، ويذل المشركين والكافرين وأهله. وبوادئ وظواهر ذلك ظاهرة، أي تدل أن هذا الظهور بفضل من الله سبحانه وتعالى، بدأت بقوة، وأنه فعلًا سيكون ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.