تفسير سورة الطلاق من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الطلاق من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الطلاق من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير الآية ودلالتها على أحكام الإمساك والطلاق

المقطع يشرح الآية الكريمة ويبين دلالتها على أحكام الإمساك والطلاق، ويتناول تفسير المفسرين للآية ودلالتها على العمل بغير ظاهر اللفظ إذا دل عليه السياق والسباق والقرينة اللفظية أو المعنوية.

أحكام الإمساك والطلاق في الإسلام وتوجيهات بعد الطلاق

يتناول المقطع أحكام الإمساك والطلاق في الإسلام، ويشير إلى ضرورة أن يكون الإمساك أو التفريق بمعروف وبدون إضرار، ويؤكد على أهمية الإحسان في التعامل مع الزوجة المطلقة وتقديم العون لها.

التوكل على الله والرضا بقضائه بعد الطلاق والابتلاء

الآية تشير إلى ضرورة عدم اليأس بعد الطلاق، والتوكل على الله لتحصيل الخير، وتؤكد أن الله يكفي من يتوكل عليه، وأن ما يختاره الله خير مما يختاره الإنسان لنفسه، مع أهمية الثقة بالله والرضا بقضائه.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال المفسر رحمه الله: «فإذا بلغْنَ أجلهن قاربْن انقضاء عدتهن، فأمسكوهن بأن تراجعوهن بمعروف من غير ضرار، أو فارقوهن بمعروف، اتركوهن حتى تنقضي عدتهن ولا تضاروهن بالمراجعة، وأشهدوا ذوي عدل منكم على المراجعة أو الفراق، وأقيموا الشهادة لله لا للمشهود عليه أو له. ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا من كرب الدنيا والآخرة، ويرزقه من حيث لا يحتسب، يخطر بباله. ومن يتوكل على الله في أموره فهو حسبه كافيه. إن الله بالغ أمره مراده». وفي قراءة من الإضافة: «قد جعل الله لكل شيء قدرًا». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات بهذه السورة التي فيها من الأحكام والحكم الشيء الكثير، وفيها من الآداب ما ينتفع به المؤمنون في الدنيا وفي الآخرة. ففي هذه الآية يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. قال المفسر رحمه الله: قال ابن عباس «انقضاء عدتهم». وعلم هذا بسياق وسباق وقرينة ما ذكر في الآية؛ لأنه لو انتهى الأجل لم يصح أن يمسكها، فقوله «فأمسكوهن» من السياق والقرينة التي تدل على أن معنى «بلغْنَ أجلهن» أي قاربن بلوغ انقضاء العدة. استدل العلماء من أهل الفقه والأصول وغيرهم بمثل هذه الآية على العمل بغير ظاهر اللفظ إذا دل عليه السياق والسباق والقرينة اللفظية أو المعنوية التي تدل على ذلك. وهذا مثال من أمثلة كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فيه معنى ذلك. وهذا مذهب لكثير من أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما كان كذلك فيما فيه خلاف ما هو ظاهره لا بد من قرينة لفظية تساعد على ذلك، فلا يمكن أن يؤخذ اللفظ الصريح على خلاف ظاهره بحجة القرينة غير الصريحة. فلذلك قالوا في مثل هذه الآية قولُه سبحانه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، القرينة اللفظية فيه قولُه: «بلغْن»، فبلوغ الشيء لا يلزم منه انتهاؤه، البلوغ لا يلزم منه الانتهاء، فقد يكون فيه معنى الانتهاء، وقد يكون فيه معنى المقاربة. ولهذا نظائر كثيرة في كتاب الله، في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك قول جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، «بالغ» و«بالِغ» قراءتان سبعيتان، كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله، وهو كذلك فيه هذا المعنى. وقوله سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾، قال رحمه الله: «بأن تراجعوهن». وهذا معناه -كما تقدم- أن العدة لم تنتهِ، فيكون الإمساك قبل انتهاء العدة. ولكن لأن الإمساك قد يكون فيه إضرار -كما كان على أهل الجاهلية- كانوا إذا أرادوا أن يعذبوا امرأة أمسكوها قبل أن تنتهي عدتها، ثم راجعوها، ثم يطلقونها، إذا قاربت العدة أمسكوها، وهكذا تصير المرأة لا هي بالمطلقة ولا هي بالتي رجعت إلى زوجها. فلذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي أن يكون الإمساك بغرض المعروف، فالمراد بالمعروف ها هنا المعروف شرعًا مما يحبه الله ويرضاه، والمعروف عرفًا مما يرتضيه الناس ويقتضيه كذلك عُرفهم وأحوالهم وخلق الله، فلا يكون به ضرار. ولهذا قال بعدها: «من غير ضرار»، أن يكون الإمساك بمعروف، «أو فارقوهن بمعروف»، قال: «أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن»، والمعنى تستمر ولا تراجع، «ولا تضاروهن بالمراجعة». كذلك الإضرار قد يكون بالمراجعة بأن يراجع لا بنية المراجعة ولكن بنية الإضرار، حتى تصير المرأة معلقة، وهذا حرام لا يجوز. ولهذا جعل الإسلام أن الطلاق يكون كم مرات؟ ثلاث، لا زيادة على ذلك، حتى لا يحصل مثل هذا الإضرار ولا تعليق المرأة. وأما في الجاهلية فلم يكن للطلاق عدد، فمن محاسن هذا الدين ومواضع جماله وكماله، وكذلك عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى بشرعه ودينه: أنه جعل للطلاق حين يكون حلًا عددًا معدودًا، حتى لا يحصل به الإضرار. وهذا الإضرار كما قلنا: بالإرجاع بغير نية الخير والمعروف وإنما للإضرار، فهذا لا يجوز. وكذلك المفارقة ينبغي أن تكون بمعروف، أي لا يكون معها إضرار، لا قولي بالسب والشتم، ولا فعلي بالضرب وغيره. بل ينبغي أن يكون كما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ولهذا جاءت السنة فزادت التأكيد على هذا الإحسان، ما جاء في حديث علي وغيره؛ لأن المرأة المطلقة إذا طلقت يستحب أن تعطى نفقة وتعطى متعة، تمتع بها إكرامًا للعشرة والحياة الزوجية التي كانت. فإذا كان كذلك فمن باب أولى أن لا يؤذيها بسب ولا شتم، مثل ما يفعل بعض العامة فيلعن ويسخط ويغضب ويضرب وغير ذلك، هذا كله من الإضرار وتعدي الحدود التي حرمها الله، والتي لا تجوز في دين الله عز وجل. بل ينبغي أن يكون الإمساك بمعروف، وذلك أن يكون هناك مصلحة في رجوع الزوجين حفاظًا على الحياة الزوجية والأسرية وبقاء مصلحة الأبناء بالاجتماع وعدم الحاق الضرر بهم بالتفرق، فيراجعون أنفسهم فيرجعون إلى الحياة الزوجية بأحسن ما كانت من قبل. أو يصلون إلى قناعة أن هذه الحياة لا يمكن أن تستمر لوجود مفارقات، فإنه عند ذلك يكون التسريح بإحسان، بغير سب ولا شتم ولا أذية ولا ضرب ولا غير ذلك، بل يكون بإكرام المرأة تخرج بأدب وباحترام وبتقدير، والرجل بإكرام وإحسان. ومن ذلك أن يعطيها شيئًا هدية من مال أو لباس أو غير ذلك، ويكون بهذا الفراق كما أمر الله سبحانه وتعالى: «تسريح بإحسان ومفارقة بمعروف»، كما جاء في هذه الآية والآية الأخرى. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، قال: «على المراجعة أو الفراق». والمسألة فيها خلاف: هل الإشهاد على الفراق فقط أم على المراجعة فقط أم على الأمرين جميعًا؟ والصحيح أنه يستحب في الأمرين جميعًا، وقد يجب إذا وجدت مظنة المشاحة والخصومة والخلاف. ويدل على ذلك عمومات الأدلة من الكتاب والسنة، وقد جاء عن عدد من الصحابة الفتوى بالوجوب، والتابعين. وهي أحد الروايتين عن الإمام الشافعي رحمه الله وأحمد، وجماعة من أهل العلم القول بالوجوب في الإمساك، وفي الطلاق، يعني في الإرجاع وفي التطليق، حتى تدفع باب الخصومات والمشاحة وغير ذلك مما قد يقع بين الأزواج إلا من رحم الله. وقوله سبحانه: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، قال: «يخطر بباله». ومناسبة هذه الآية بعد ما سبق هو أن لا ييأس الزوج من الحياة الزوجية بهذا الطلاق فيبقى من غير زواج، فلينبغي أن يعلم أن الله عز وجل رزقه واسع في المال وفي النساء، فإذا لم يكن له حظ طيب ولم يوفق مع المرأة التي طلقها، فيبحث عن غيرها يسر الله عز وجل له بزوجة أخرى يكون فيها الخير والبركة وتكون مناسبة له. وهكذا كذلك المرأة لا ينبغي أن يصيبها القنوط واليأس من الزواج والحياة الزوجية بعد الطلاق، فإذا ابتليت بزوج لم يناسبها لسبب أو لآخر، فينبغي أن تعلم أن رزق الله واسع وعظيم، فتحسن الظن بالله عز وجل، ولا تنظر إلى ما يأتي بعد هذه الحادثة والقضية -وهي قضية الطلاق- إلى الدنيا بنظرة سوداوية، بل ينبغي أن تحسن الظن بالله وترجو فضل الله؛ لأن يرزقها الله عز وجل زوجًا صالحًا يعوضها ويغنيها عما سبق مما ابتليت به في الزوج السابق. فالآية فيها تربية، وهذا الدين العظيم دين يتناول الأحكام والآداب، ويتناول كذلك الأوامر وكذلك المواعظ. وهذا من عظيم محاسن ومواضع جمال هذا الدين. وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، قال: «أي في أموره كافيه». والمعنى أن الله عز وجل يكفي من يتوكل على الله، فالمطلوب من الزوجين أن يتوكل كل منهما على الله حق التوكل حتى يرزقهما الله سبحانه وتعالى ويخلف لهما بخير. فمن أصيب بمصيبة فقال: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها»، أخلف الله عز وجل له بخير منها. وقد صحت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بعدة أحاديث، منها ما وقع لأم سلمة رضي الله عنها وارضاها، ووقع نحو ذلك لعدد من نساء الصحابة رضي الله عنهم، فكان في ذلك الخير. فينبغي للمسلم أن لا ينظر إلى الحياة بنظرة سوداوية إذا أصيب بمصيبة، بل يحسن الظن بالله ويتوكل على الله حق توكله، فالله كافيه وهو حسبه سبحانه وتعالى. ومن كان حسبه الله العظيم الكريم الرحيم فلا ينتظر إلا كل خير. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، هكذا قرأ سائر القراء، وقرأ بعض السبعة -وهي قراءة حفص المشهورة في قراءتنا- بالإِضافة: «بالغ أمره». قراءتان سبعيتان مشهورتان، ومعنى القراءتين متقارب. «بالغ أمره» فيه تأكيد أن ما أراده الله لا بد أن يكون، ومن ذلك أن يخلف الله عز وجل الخير لكلا الزوجين بهذا الشرط والقيد، وهو أن يتوكل على الله حق التوكل، عند ذلك يبلغ أمر الله. وهكذا كذلك «بالِغ أمره» -أي بالإِضافة- أي إرادته التي أرادها في هذا المصاب، إرادته التي أرادها بهذا المصاب، ففيه إشارة إلى قضاء الله وقدره، وعظيم حكمة الله سبحانه وتعالى فيما يصيب الإنسان من خير وشر، ورخاء وشدة، وكل ما أصاب الإنسان وهو بحكمة. فينبغي للمسلم والمسلمة أن يكونا على يقين بأن ما اختاره الله لهما خير مما يختاران لأنفسهما، سواء كان رخاء أو كان شدة، سواء كانت عطية أو كان منعا، فكان خيرًا أو كان شرًا، فالخير فيما اختاره الله سبحانه وتعالى. وفي الآية بالقراءة الثانية -بالإِضافة- إشارة إلى القدر، ووجوب الإيمان به، الرضا به سبحانه مما جاء منه سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، تأكيد في بلوغ أمره في هذا، وأنه من قدر الله الذي يجب أن يؤمن به ويرضى به، ويعلم أن له كذلك ميقاتًا وحدًا. فالمصائب لا تدوم، والابتلاء لا يستمر، ولكن لله حكمة فيما يمضيه ويجريه على عباده وخلقه، فليحسن العبد ظنه بربه وخالقه، وليعلم أن الخير فيما اختاره الله له. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.