تفسير سورة الحاقة من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الحاقة من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الحاقة من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أدب القرآن في التعامل مع المحرمات

يتناول القرآن الكريم المحرمات والمستقبحات بأسلوب رفيع يعكس خلقًا عاليًا، حيث يذكرها بشكل إجمالي دون تفصيل مثير للشهوة. هذا الأسلوب يربي الإنسان على التحدث بالأخلاق العالية والكلمات الرفيعة.

تحذير من تفصيل ذكر المعاصي

يحذر القرآن من تفصيل ذكر المعاصي بشكل مثير، ويشير إلى خطأ بعض العلماء والوعاظ في ذلك، مما قد يفتح باب الشر أكثر مما يغلقه. القرآن يستخدم ألفاظًا راقية تؤدي المعنى دون إثارة.

تفسير الآيات المتعلقة بطوفان نوح

يفسر المقطع الآيات المتعلقة بطوفان نوح عليه السلام، ويشرح معانيها مثل قوله تعالى ﴿إنا لما طغى الماء﴾ و﴿حملناكم في الجارية﴾. يبين أن الله أهلك الأمم السابقة بسبب تكذيبهم لأنبيائهم.

ختام الدرس والدعاء

يشير المقطع إلى انتهاء الدرس مع الدعاء لله تعالى بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر التزام المُتحدث بالتوجهات الدينية.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة، فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية. إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية؛ لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية. قال المفسر رحمه الله: بقوله تعالى: ﴿وجاء فرعون ومن قبله﴾ أتباعه، وفي قراءة تُفتح القاف وسكون الباء، أي: من تقدمه من الأمم الكافرة، والمؤتفكات أي: أهلها، وهي قرى قوم لوط، بالخاطئة: بالفعلات ذات الخطأ. فعصوا رسول ربهم أي: لوطًا وغيره، فأخذهم أخذة رابية: زائدة في الشدة على غيرها. إنا لما طغى الماء على فوق كل شيء من الجبال وغيرها زمن الطوفان حملناكم -يعني آباءكم إذ أنتم في أصلابهم- في الجارية: السفينة التي عملها نوح، ونجا هو ومن كان معه فيها، وغرق الباقون؛ لنجعلها -أي هذه الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين- لكم تذكرة وعظة، وتعيها ولتحفظها أذن واعية حافظة لما تسمع. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة العظيمة: سورة الحاقة، والتي فيها من المعاني العظيمة، كما استفتحت بها أول السورة بذكر الحاقة، وهو اسم من أسماء يوم القيامة. وتقدم معنا أن أسماء يوم القيامة بأوصافها الكثيرة التي يكون فيها، وقد مر معنا أنه ذكر ما كان عليه الأمم، وكيف أن الله عذبهم مع كفرهم وشركهم، فذكر قوم عاد وثمود، وهكذا أتبع بقوم فرعون، وهو قول: ﴿وجاء فرعون﴾، وفي ذكر هذه الأمم التنبيه على عظيم غضب الله عز وجل على من خالف أمره، وعقوبة الله سبحانه وتعالى في الدنيا قبل الآخرة؛ أي: أن لا يصيبكم -يا كفار قريش- ما أصاب الأمم السابقة. وذكر هذه الأمم على وجه الخصوص؛ لأن أمرها اشتهر، وكانت أعتى وأكبر، ومع ذلك أهلكها الله عز وجل. وقوله: ﴿والمؤتفكات﴾، قال: أي أهلها، وهي قرى قوم لوط، وسميت بذلك قيل: لأجل المكان، وقيل: لأجل وصف هؤلاء القوم وما كانوا عليه من الإفك بفعل الأفعال الخاطئة. والقدرة التي لم تعرف الأمم قبلهم، وفيه كذلك عدم تسمية الشيء الفاحش والتصريح به، وهذا من أدب القرآن؛ فإنه لا يسمى المستقبح بإسمه، وإنما يذكر بوصفه، فلم يذكر الفحش الذي كانوا يفعلون، ولكن ذكر وصفه بالخاطئة، وقرئ «بالخاطئة» قراءتان سبعيتان مشهورتان. كما أنه قرئ كما ذكر لفظة «قبله» بقراءتان سبعيتان مشهورتان، كما نبه كذلك في التعليق، وهذا الأدب ينبغي أن يسلكه أهل الإيمان، فيتأدب بأدب القرآن، ويتخلق بخلقه؛ فالشيء القبيح لا يذكر بلفظه الصريح، ولكن يذكر بما يناسبه من الكلمات والعبارات التي هي أوصاف فيها كنايات، وعدم التصريح في القبيح. فإذا كان هذا في الألفاظ، فتفصيل القبيح والشر من باب أولى. ومن استقرأ القرآن أخذ منه من الأدب الراقي، وكذلك الأخلاق والأفعال والأخلاق التي بلغت المنازل العالية الشيء العظيم والكثير. ومن ذلك ما نبه عليه غير واحد من أهل العلم، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله: أنه ليس من طريقة الكتاب والسنة التفصيل في ذكر المحرمات والفواحش والمستقبحات، وإنما تذكر على وجه الإجمال لا التفصيل. وأما الطاعات وما يتبع ذلك من تفاصيل وصفها وعظيم جزائها، فإنه يذكر بالتفصيل، وهذه طريقة القرآن والسنة. وهذا أولًا لأنه خلق عالٍ ومسلك رفيع، وثانيًا لأنه يربي اللسان والإنسان على أن لا يتكلم إلا بما هو رفيع من الأقوال والجمل والعبارات؛ فلا يخرج من لسان الإنسان إلا الأخلاق العالية والكلمات الرفيعة، وهي تربية يتربى عليها هذا الإنسان بما يراه في ألفاظ القرآن. فإذا قرأت قول الله عز وجل: ﴿أو لامستم النساء﴾، فإنك تنتبه لهذا المعنى: أن العبارة عبر بها بهذه الكلمة الراقية التي تبعد عن معنى قد يدخل في شيء من الألفاظ النابية. وكذلك حتى في تفصيل المحرمات، فإنه لا يفصل ذكر المحرمات كالزنا واللواط وغيره، لا يذكر بعين لفظه بأكثر المواضع، وإنما يذكر بشيء من العبارات المؤدية إليه. وثالثًا: أنه كذلك يصد أصحاب القلوب المريضة التي قد تهوى مثل هذه الألفاظ والعبارات، وربما تتتبعها نفوسهم الدنيئة؛ ولهذا لا يستفصل فيها. وخطأ العلماء مسلك بعض القصاص والوعاظ الذين يذكرون من تفاصيل فعل المعاصي ما يفتح باب المعاصي أكثر مما يغلقه. فإن بعض أهل القلوب الدنيئة والأمراض السيئة يتتبعوا مثل هذا، ويلتذ به أكثر مما ينزجر، أكثر مما ينزجر؛ ولهذا يسد عليهم هذا الباب بهذا المسلك، وهذا الأدب من أدب القرآن. فينبغي أن يكون في هذا عبرة للعلماء والدعاة والخطباء والوعاظ وغيرهم، ومن دونهم من باب أولى. إذا أراد أن يحذر من محرم من المحرمات، فلا يستقصي فيه، وإنما يذكره كما ذكره القرآن والسنة، لا يزيد على ذلك. فزيادة التفصيل فيه هذا ليس من مسلك القرآن، ولا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا ما كان عليه السلف الصالح، ولا أئمة الأعلام. فمثلًا يوجد شريط منتشر يسمى «توبة أحمد»، هذا الشريط عبارة عن قصة وحكاية برجل فعل الفاحشة ثم تاب، فتجد فيه من التفاصيل ما لا ينبغي أن يذكر، وما يترفع عن حكايته؛ ولذلك ربما كان ما فيه من التفاصيل يفتح باب الشر أكثر مما يغلقه. وهذا هو الذي ينبغي أن يحذر منه، فضلًا أن يذكر بعض القصاص بالوعظ أماكن الشر والفساد، فكأنك تقول لهم: مكان الشر والفساد هو في البلد الفلاني، وفي المدينة الفلانية، وبالشارع الفلاني، إيش بقي؟ يقطع التذكرة ويذهب، إذن كأنك تقول له: فقط ما عليك إلا أن تقطع التذكرة وتذهب، قد دللتك على المكان بالتفصيل. ومن غباء بعض الناس ربما يفصل أكثر من هذا، ولا شك أن هذا لا يغلق باب الشر بل يفتحه، ولا يعين على الإقلاع عن الذنوب والمعاصي بل يوقع فيها؛ ولهذا كان من طريقة الكتاب والسنة الإجمال في ذكر ما يستقبح مما هو بهذا المعنى. وقوله رحمه الله تعالى: ﴿فعصوا رسول ربهم﴾، قال: أي لوطًا وغيره؛ لأن العبارة عامة، والعبرة بعموم اللغة لا بخصوص السبب، وخص لوط؛ لأنهم المقصودون بالخاطئة. وكل الذنوب والمعاصي خطايا، لكن «الخاطئة» هنا للعهد، أي: الخطيئة الخاصة، وهي تلك الفاحشة القذرة التي وقعت فيها تلك الأمة والفئة الدنيئة. فأخذهم أي: أخذ هؤلاء بهذا الأخذ. وقوله: «زائدة في الشدة على غيرها» يعني كونه قال: «أخذة» ووصف هذه الأخذ بهذا الوصف، وهذا الوصف عبارة عن مبالغة في وقوع هذا الأخذ؛ فالله عز وجل أخذهم أخذًا عجيبًا، بعقوبة فريدة. رفع الله عز وجل أرضهم، وأطبقهم وأطبقها عليهم -يعني حصل لهم من الزلزال الشيء العظيم- مع ما وقع من رميهم بالحصباء الملتهبة كما جاء ذلك في آيات أخرى، إذن اجتمع لهم عقوبة غريبة فريدة: زلزال، وكذلك رجم بالحجارة، وكان بهذا تعذيبهم على هذا الوجه. ولهذا كان من فتوى الصحابة في عقوبة فاعل هذه الفاحشة: أنه يرمى من مكان عال منكسًا على رأسه، كما عذب الله عز وجل قوم لوط بهذه العقوبة. وبعضهم أفتى بأن يعذب بالنار كما عذبوا هؤلاء بالنار، ولكن الصحيح أن التعذيب بالنار منهي عنه في هذه الأمة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إنا لما طغى الماء﴾، قال: على فوق كل شيء من الجبال وغيرها زمن الطوفان، وهذا في حق قوم نوح عليه الصلاة والسلام، فيكون ذكر هنا ثلاث أمم: قوم فرعون، وقوم لوط، وقوم نوح، وعذبهم الله عز وجل بهذا العذاب العظيم، وكان هذا بسبب تكذيبهم لنبيه ورسوله نوح عليه الصلاة والسلام. وقوله سبحانه: ﴿حملناكم﴾، قال: يعني آباءكم إذ أنتم في أصلابهم، هذا وجه، والوجه الآخر: أن المراد قوم نوح، ومن ضمن قوم نوح من كان من ذرية آدم في صلب من نجا مع نوح؛ لأن أهل الأرض أغرقوا جميعًا، ولم يبق من ذرية آدم بعد نوح عليه الصلاة والسلام إلا من هم من ذرية نوح. ومعناه: أن كل من بقي اليوم هم فقط من أبناء نوح، من أبناء آدم، ولم يبق من أبناء آدم أحد من غير طريق نوح عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به أدلة كثيرة من الكتاب والسنة في هذا. أولًا: هذا الخبر وهو علم من أعلام نبوته، صدق رسالة عليه الصلاة والسلام، وفيه كذلك هذا التحقيق في هذه المسألة التي اختلف فيها أهل الكتاب، وكان في هذا التصويب لما اختلف فيه أهل الكتاب، وفيه ثالثًا: الزجر والتخويف: أن الله عز وجل أهلك كل من بقي من ذرية آدم، ولم ينجُ إلا من نجى مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة، وذريتهم من بعدهم. وقوله: ﴿في الجارية﴾: السفينة، وهذا وصف من أوصافها، وكما قلنا: أنه كثيرًا ما يأتي تسمية بعض الأشياء بأوصافها، وسميت كذلك؛ لأنها تجري في الأمواج الكبيرة العظيمة، وهذا وقع لسفينة نوح عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿التي عملها نوح ونجا هو ومن كان معه فيها وغرق الباقون﴾، أي: هذه السفينة الخاصة، فإذن هي ليست كل سفينة، ولكن سفينة نوح خاصة عليه الصلاة والسلام. وقوله: «أي هذه الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين» وذلك بما كان من صنع هذه السفينة، وجعلوا ذلك سببًا في إنجاء نوح ومن معه من المؤمنين، وإغراق الآخرين بما كان من طغيان هذا الماء: نبع من الأرض، ونزل من السماء، وفاضت الأنهار والبحار، فاجتمع عليهم الماء من كل مكان، ولم ينجُ إلا من أنجاه الله في هذه السفينة. وقوله: ﴿لنجعلها لكم تذكرة﴾، أي: عظة، التذكرة أوسع من العظة، والعظة بعض معاني التذكرة، والمقصود كما تقدم معنا: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، والمقصود بذلك ما يحصل به الادكار والتذكر، وذلك بهذه الأحداث العظيمة التي بقيت آثارها، وكل ذلك يذكر بهذا الحدث العظيم التي تحصل به الموعظة. ﴿وتعيها أذن واعية﴾، قال: لتحفظها، وهذا كذلك من بعض التفسير من التفسير ببعض المعنى؛ فتحفظ بعض معنى الوعي للشيء، فتعيها أي: تفهمها وتدركها وتحفظها، وهذا يكون بعدة أمور، وكلها وقعت فيما عذب الله عز وجل به الأمم السابقة، فبقيت بعض الآيات بما يكون به العظة والاعتبار. وقوله: «أذن واعية» أي: حافظ لما تسمع، والمراد: وهذا تفسير ببعض المعنى، ليس السمع المجرد، وإنما السمع الذي يكون به الاتعاظ والاعتبار؛ ولهذا قال: «واعية»، وهذا وصف من أوصاف السمع إذا حصل الانتفاع بهذا السمع. والمقصود هو أن ذكر هذه الأمم وما وقع لها وتاريخها وآثارها كلها مواضع اتعاظ واعتبار، فينبغي أن يستفيد من ذلك هذا الإنسان، والمقصود بذلك ليس فقط من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين، بل ومن يأتي بعدهم من الكافرين والمجرمين؛ ليعلم أنه ليس بين الله وخلقه نسب ولا صهر. فإذا عصوه أو كفروا به عاجلهم بالعقوبة سبحانه وتعالى، وفعل بهم كما فعل بالأمم السابقة المذكورة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.