الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 9، الدرس التاسع : ( القول في الإيمان زيادته ونقصانه ... لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مسألة الإيمان وهل هو قول وعمل ويزيد وينقص أم لا، ويستدل على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. يُذكر أن هذا القول هو قول عامة الصحابة والتابعين.
الإيمان هو قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. يستدل على ذلك من القرآن والسنة النبوية.
الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو قول وعمل واعتقاد، وقد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة وأجمع عليه الصحابة وأئمة الدين.
المقطع يشير إلى وجود أدلة كافية لدى المتحدث، مما يجعل الحاجة إلى آثار أخرى ذات أسانيد ضعيفة غير ضرورية. الإجماع المنقول يعتبر دليلاً قوياً يكفي للاستدلال.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: القول بالإيمان زيادته ونقصانه. قال: وأما القول بالإيمان، هل هو قول وعمل، وهل يزيد وينقص، أم لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن الصواب فيه قول من قال: قول وعمل، يزيد وينقص، وبه جاء الأثر عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سألنا أبا عبد الله أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان، فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي يعفور، عن أبيه، عن جده، عمر بن حبيب -وفي نسخة عندنا: عمير بن حبيب- قال: الإيمان يزيد وينقص، فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه، فذلك زيادته، وإذا أهملنا وضيعنا ونسينا -وفي نسخة: عصينا ونسينا- فذلك نقصانه. قال: وحدثنا علي بن سهل الرملي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز -رحمهم الله- ينكرون قول من يقول: إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان. أراد الإمام الحافظ بن الجوزي -رحمه الله تعالى- هذا المبحث بالكلام على مسألة الإيمان، وابتدأ به بقوله: أما القول بالإيمان، أهو قول وعمل، ويزيد وينقص؟ ثم ذكر ما سمعناه من نقله أن ذلك قد ذهب إليه من الصحابة ومن بعدهم من التابعين ومن بعدهم، من أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، وهذا هو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهو الذي نقل به إجماع الأمة، ولم يقل في ذلك إلا شذوذ من أهل البدع، وإلا فهو قول عامة الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وقد نقل ذلك غير واحد، كالآجري -رحمه الله-، وهكذا البخاري، وهكذا الإمام الشافعي، وهكذا من جاء بعد هؤلاء، نقلوا هذا المعنى، وإن كانت العبارات ليست منطبقة من حيث الألفاظ، لكنها متطابقة من جهة المعنى. وروي أنه قول وعمل، وروي أنه قول وعمل ونية، وروي: قول وعمل ونية واستقامة على السنة، وهي عبارات متقاربة تؤدي إلى معنى واحد. فالإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وأما قولهم: الإيمان قول باللسان، فلأدلة الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب الكثيرة التي فيها أن الإيمان قول، ما قرره الله عز وجل في عدد من آيات كتابه، منها أن شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله باللسان، يكون ذلك سببًا للدخول في الإيمان، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فإن سمع كلام الله وقال كلمة التوحيد دخل في الإيمان. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأسامة بن زيد -كما في الصحيحين-: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟»، فعلم أن لا إله إلا الله التي هي قول باللسان من الإيمان. وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله»، فصح أن الإيمان قول، وهو كذلك فعل. والآيات كثيرة في تسمية أعمال من هذا الدين بإيمان، ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: عملكم وصلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا، فعلم أن العمل من الإيمان. ومن الحديث لأبي هريرة -الذي مر معنا- فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، فعلم أن إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، وهو عمل، والحياء من الإيمان، وهو عمل. فالإيمان قول وعمل، وهو كذلك اعتقاد، لا بد أن يكون اعتقاد في القلب، كما قال الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فعلم أنه لا بد من دخول الإيمان إلى القلب. فالإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، كذلك يزيد بالطاعة، يزيد بالطاعة. ولهذا دل كثير من الكتاب، ومن السنة. ومن ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، وهكذا كذلك في السنة. فما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للرجل الذي قرأ القرآن حين نزلت عليه السكينة، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ذلك بسبب قراءته، فيزداد إيمانه ويقرب من ربه جل وعلا بقدر كثرة طاعته. وهكذا على العكس، كل الأعمال التي فيها زيادة الإيمان، فترك ذلك العمل سبب لنقصان الإيمان. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -كما في الصحيح- كذلك من حديث غيره: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب حين ينتهب وهو مؤمن». وفي رواية خارج الصحيح: «أن الإيمان يرفع فوقه، فالذنب يرفع فوق الزاني وفوق السارق وفوق المنتهب»، فوقه فالذنب. فهل يكون في تلك الحال كافرًا؟ الجواب: لا، لا يكون كافرًا، ولكن يكون الإيمان منه بمنزلة العقل من النائم، هل النائم عاقل أو غير عاقل؟ الجواب: عنده عقل، لكنه لا ينتفع بذلك العقل في ذلك الوقت. وهكذا المؤمن حال المعصية، عنده أصل الإيمان، لكنه لا ينتفع به في حال تلك المعصية. فعلى هذا أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا هو القول الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهو الذي أجمع عليه الصحابة ومن بعدهم من أئمة الدين إلى يومنا هذا. وكان قول أهل السنة هو قول الوسط بين قول طائفتين ضالتين في هذا الباب. المرجئة الذين زعموا أن الإيمان إنما هو الاعتقاد، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية، فعندهم أن الاعتقاد أو التصديق هو الإيمان، وما بعد ذلك فهو فضل، وهذا هو قول المرجئة، وهم درجات. ويقابل هؤلاء الخوارج والمعتزلة، فجعلوا على هذا أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين، اتفقوا على ذلك، ولكن اختلفوا: هل يسمى كافرًا أو لا يسمى كافرًا؟ لكن الفرقة اتفقوا أنه ليس بمؤمن، وأنه خالد مخلد في النار يوم القيامة. والحاصل أن أدلة الكتاب والسنة تدل على خلاف ذلك، فالإيمان قول وعمل واعتقاد، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما ذكره -رحمه الله-، وأشار إلى بعض الآثار. ولكن عندنا من الأدلة ما يغني عن هذه الآثار التي في بعض أسانيدها شيء من الضعف، ولكن كما قلنا: أنه قد نقل إجماع يغني عن ذلك.