الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 17، الدرس السابع عشر : من : (فصل:وأما ما احتج به من الأحاديث الواردة ... حتى إنه يحرم أن يبنى عليه مسجد). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية استدلال بعض الناس بحديث الغاردة على استحباب زيارة القبور ويقدم أجوبة على هذا الاستدلال. يبين أن الأمر بالزيارة لا يستلزم السفر إليها وأن المقصود هو الدعاء للميت.
يشرح المقطع زيارة القبور والصلاة عليها ويبين أن المقصود بالصلاة هو الدعاء. يفرق بين زيارة قبور المؤمنين وقبر النبي صلى الله عليه وسلم ويبين النهي عن اتخاذ قبر النبي عيدًا.
يشرح الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق في سياق زيارة القبور. يبين أن الأمر بمطلق الزيارة لا يعني الإطلاق مع شد الرحل والسفر ويستدل على ذلك بأمثلة من الأحاديث.
يرد على من يستدل بحديث لينفي شد الرحل للزيارة ويبين أن الحديث لا يدل على ما يريده. يشير إلى أن الزيارة المذكورة مطلقة وليست مخصوصة وأن الله تعالى أعلم بالصواب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في "رد الأقناع": قال فصل: وأما محتج بهم إلى حديث الغاردة في زيارة القبور، فعنها أجوبة. أحدها أن يقال: ليس فيما ذكرته ما يدل على استحباب زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا غيره من القبور. وأما قوله: "فزوروا القبور"، فالأمر بمطلق الزيارة أو استحبابها أو إباحتها لا يستلزم السفر إلى ذلك، لا استحبابًا به ولا إباحته. كما أن ذلك لا يتناول زيارتها لمن ينوف عندها ويقول: الوجر، ولا زيارتها لمن يشرك عندها ويدعوها ويفعل عندها من البدع ما نهي عنه. كما أن قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ لا يتناول أيام الحيض ولا يوم العيدين. وقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في مسجده تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة"، لا يقتضي أن يسافر إلى المسجد ليصلي، بل يقتضي إتيانه من بيته ومكان قريب بلا سفر. وقوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، وقوله: "إن إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها"، لا يقتضي أنها تسافر من غير زوج ولا ذي محرم، ولا على أن على زوجها أن يأذن لها إذا أرادت السفر إلى أحد المساجد، ولو كان مع زوج أو ذي محرم. إنما عليه الإذن في الفرض، وهو الحج. مع قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يقال: إذا هو عام في السفر وغيره". وقوله: "هذه المواضع قد عرف أنه أراد الإتيان إلى المسجد من البيت، لم يرد السفر؛ لأن هذا هو المعروف بينهم". وكذلك زيارة القبور، لم يكونوا يعرفونها إلا بالمدينة إلى بقاعرها. وإذا جاوزوا بها لم يعرف قط أن أحدًا من الصحابة والتابعين وتابعيهم سافروا لزيارة قبر، لا قبر نبي ولا صالح ولا غيرهما، لا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم ولا إبراهيم عليه السلام ولا غيره. بل هذا إنما حدث بعد ذلك. ولا كان في الإسلام مشهد على قبر أو أثر نبي أو رجل صالح يسافر إليه، بل ولا يزار للصلاة والدعاء منه. بل هذا كله محدث. بل ولا كانوا يزورون القبور للتبرك بالميت ودعائه والدعاء به. وإنما كانوا يزورونه إن كان مؤمنًا للدعاء له والاستغفار، كما يصلون على جنازته. وإن كان غير مسلم زاروه رقة عليه، كما زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله. وقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: "استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي". ومن هنا يظهر الجواب الثالث، وهو أن الزيارة التي أذن فيها الرسول أو ندب إليها أو فعلها، مقصودها نفع الميت والإحسان إليه بالدعاء له والاستغفار. ومقصودها تذكر الموت أو الرقة على الميت. لم يكن مقصودها أن تعود بركة الميت المزور على الحي الزائر، ولا يدعوه ويسأله ويستشفع به. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما زار قبور أهل البقيع وقبور الشهداء، لم يكن هذا مقصوده. ومن قال هذا فقد أعظم الفرية على الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعله مستشفعًا بأصحابه الموتى داعيًا مستغيثًا مستجيرًا بهم. وهذا لا يقوله مسلم. بل جعله مستغيثًا مستجيرًا بأمه التي منع من الاستغفار لها. بخلاف المؤمن، فلم يكن في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم التي شرعها لأمته بقوله وفعله، طلب حاجة من الميت والقصد بها تعظيمه وعبادته أو التوسل به أو دعائه. بل المقصود بها نفعه كالصلاة على جنازته، والصلاة على قبره حيث شرع ذلك. وكذلك ما علمه لأصحابه أن يقوله إذا زار القبور، إنما فيه السلام عليهم والدعاء لهم والاستغفار، كما في الصلاة على جنائزهم. في صحيح مسلم وغيره عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام على أهل الديار...". وفي رواية: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإن إن شاء الله بكم لاحقون. نسأل الله لنا ولكم العافية". وفي رواية أخرى عن أبي واقد رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم المؤمنين، وإن إن شاء الله بكم لاحقون". وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها في حديث طويل: "قال: إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قال قلت: يا رسول الله كيف أقول؟ قال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، وإن إن شاء الله بكم لاحقون". وفي حديث حسن المنمقة في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بالبقيع فقال: السلام عليكم دار قوم المؤمنين، أنتم لنا فرط ونحن بكم لاحقون. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم". وفي "النسائي" والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم. أنتم سلف لنا ونحن بالأثر". قال الترمذي: حديث حسن غريب. فجاءت القبور المشروعة من جنس الصلاة على الميت. أما الصلاة عليه إذا كان ظاهرًا أو على قبره، لكن الصلاة عليه هي صلاة ذات تحليل وتحريم وتكبيرات. والزيارة المطلقة دعاء لهم. وفي الصحيحين أنه صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين كصلاته على الميت. قال أبو بكر: "لا بأس بزيارة القبور، ويستغفر للميت، ويرق قلب الزائر، ويذكر الآخرة. فهذا الذي سنه الرسول لأمته بقوله وفعله في موتى المسلمين". وأما هو نفسه فلقبره حكم آخر، فإن قبور المؤمنين ظاهرة بارزة، وهو دفن في حجرته، ومنع الناس من الوصول إلى قبره. وقال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني". وكذلك قال في السلام: "إن لله ملائكة سياحين يبلغون عن أمتي السلام". وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد". واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ولهذا لم يصل أحد على قبره، ولا شرع الصلاة على قبره عند أحد من العلماء. بل أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أنه يصلى على قبور المؤمنين دائمًا. وأما هو فلا يصلى على قبره بالإجماع. لأن المقصود بالصلاة على القبور وزيارتها هو الدعاء. والرسول قد أمرنا بالصلاة والسلام عليه، وطلب الصلاة له وغير ذلك في جميع المواضع. وهذا أعظم مما يفعل عند قبر غيره. وأمر الناس أن تكون محبته وتعظيمه وما يقوم بقلوبهم معهم أينما كانوا، فلا ينقص ما يستحقه من المحبة والتعظيم والصلاة والتسليم إذا كانوا في سائر المواضع عما يفعل في بيته وعند قبره من ذلك. ولهذا نهى عن اتخاذ بيته عيدًا في وضع قبره، فلا يخص بيته وقبره بشيء من ذلك، فيكون في سائر البقاع ناقصًا عما يكون عند القبر. فإن ذلك يتضمن نقص حقه وبخسه إياه. وهذا من تنقيص حقه المنهي عنه. والجهال ظنون أن النهي عنه تنقيص لحقه، ولا يعلمون أن هذا أعظم لقدره ولحقه من وجوه متعددة. فهذا فيه مفسدة اتخاذ قبره عيدًا ووثنًا ومسجدًا. فنهى صلى الله عليه وسلم عنه لما فيه من المفسدة وعدم المصلحة. فهو صلى الله عليه وسلم له خاص في علو قبره وحقه، لا يشرك فيها غيره. الزيارة التي شرعها لعموم المؤمنين، وهو إنما قام أن يتخذ قبره وثنًا وعيدًا. بخلاف قبور عموم المؤمنين. لكن ما عظم من القبور حتى صار وثنًا وعيدًا، فإنه ينهى عن ذلك، ويزال ما حصل به، حتى إنه يحرم أن يبنى عليه مسجد. هذا الفصل جعله الشيخ رحمه الله تعالى كذلك لبيان جهل المعترض فيما يستدل به، مع فساد فهمه لهذه الأدلة، وسوء تدينه. فقد تناول خمسة معاني في هذا الفصل. المعنى الأول: بيان معنى الحديث الذي استدل به "فزوروا القبور"، وأن المراد من زيارتها ليس هو تعظيمها، وإنما الدعاء لها إن كان مسلمًا، وكذلك الرقة إن كان كافرًا. وهو قريب. فإن القريب الكافر يزار، ولكن لا يستغفر له، كما أذن للنبي عليه الصلاة والسلام في أمته كما أشار إلى الحديث. وأما المعترض فظاهر كلامه يستدل بالحديث على أن ذلك فيه تعظيم للمزار، ولهذا جعل المانع من هذا النوع من الزيارة أي بشد الرحل مجاهرًا للأنبياء بالعداوة ومعاندًا. وما كان هذا الفهم إلا لأنه فهم الزيارة بمعنى غير الفهم الشرعي الصحيح كما أبان الشيخ رحمه الله تعالى. المعنى الثاني من معاني هذا الفصل: أنه بين أن هناك فرق بين مطلق الشيء وبين الشيء المطلق. مطلق الشيء أي مسمى الشيء. فقوله في الحديث "زوروا القبور"، الأمر بمطلق الزيارة يعني لمسمى الزيارة، ليس للزيارة المطلقة. وفرق بين الأمرين كما يقولون: فرق بين مطلق الإيمان أي مسمى الإيمان والإيمان المطلق. فرق بين المعنيين. ثم مثل بأمثلة كثيرة تدل على هذا المعنى. فقوله "فزوروا القبور" أبدًا لا يفيد الإطلاق الذي يكون معه زيارتها بشد الرحل والسفر. كما أنه في الأمثلة التي ذكرها رحمه الله ليس فيها هذا المعنى، بل فيها مطلق ذلك الشيء أي مسمى. ليس عموم مسمى. فمثل المثال الأول في صيام ثلاثة أيام، فقال: لا يتناول أيام الحيض ولا يومي العيدين. لماذا؟ لأن الآية فقط لذكر المسمى، ليس للمسمى مطلقًا. لأنه وردت أدلة تنهى عن ذلك. فأيام الحيض لا يصح بها الصيام، ويومي العيد نهي عن الصيام ولا يصح كما جاءت الأحاديث. وهكذا كذلك ما أشار إليه من حديث أبي هريرة في الصحيحين، حديث ابن عمر وغيره: "صلاة الرجل في مسجده تفضل إلى آخره". قال: لا يقتضي أن يسافر إلى المسجد ليصلي. لأنه نهي أن يسافر إلى المساجد إلا الثلاثة المساجد. فهو يدل على مطلق مسمى ذلك الشيء، للمسمى مطلقًا. فذهاب الرجل إلى المسجد وصلاة فيها فضل، لكن بغير سفر ولا شد رحل لورود أدلة أخرى تمنع. وهكذا يقال في زيارة القبور. صحيح الحديث فيه معنى زيارة القبور والحث عليه، لكن بغير شد رحل ولا سفر. وهكذا كذلك المثال الذي بعده: "لا تمنع إماء الله مساجد الله". حديث ابن عمر في الصحيحين، والرواية الأخرى التي في مسلم: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". قال: لا يقتضي أنها تسافر مع غير زوج أو ذي محرم، ولا أن على زوجها أن يأذن لها إذا أرادت السفر إلى أحد المساجد. لماذا؟ لأن هذا مما يخالف الشرع. فالإذن لمسمى الذهاب إلى المسجد، لا ذهاب مطلق إلى المساجد. وإذا ذهبت وهي مخالفة للشرع تمنع، متبرجة أو تريد أن تسافر إلى مساجد لا يجوز السفر إليها غير المساجد الثلاثة، أو تسافر إلى المساجد الثلاثة من دون محرم. هذا كله لا يجوز. فالشاهد يريد أن يفرق وأن يبين لهذا المعترض ومن اغتر بكلامه أنه ينبغي أن يفرق بين مطلق الشيء أي مسمى وبين الشيء مطلقًا. المعنى الثالث: أبان الشيخ رحمه الله تعالى فهم كلام أهل العلم فهم أهل العلم لمسألة الزيارة، وذكر كلام الإمام أحمد رحمه الله وغيره مما يدل أن الزيارة إنما تشرع للدعاء إذا كان مسلمًا، وللرقة والرحمة بالقريب إن كان كافرًا. وذكر الأدلة على ذلك، وكذلك الأدعية الواردة التي تدل على هذا المعنى. المعنى الرابع: أبان الشيخ رحمه الله تعالى أن الزيارة الشرعية هي التي يحصل فيها الدعاء فقط للميت، ليس من الميت. وذكر الأدلة منها ما هو في الصحيح، كما أشار إلى مجموعة من الأحاديث، ومنها ما هو خارج الصحيح، وبعضها ضعيف لكن معناه صحيح. كحديث عائشة الذي في سنن ابن ماجة، فسنده ضعيف، لكنه يصح بمجموع طرقه. فجاء معناه من حديث بريدة عند النسائي وهو صحيح. وهكذا الحديث الذي بعده، حديث ابن عباس، هو ضعيف به قابوس بن أبي ظبيان، لكن كذلك معناه صحيح. وفي ضمن ذلك أشار إلى المسألة التي مرت معنا، وهي أن زيارة القبور تكون للدعاء لها. وأما الصلاة عليها بعد دفنها، وهو يكون لمدة شهر على أقصى ما روي في هذا الباب. وهو أثر سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بعد شهر، وهو مرسل صحيح. يدل عليه آثار وعمل به الإمام أحمد رحمه الله وجماعة. وأن قبر النبي عليه الصلاة والسلام أجمع على أنه لا يصلى عليه لما سبق من الأدلة بسد ذريعة الافتتان به. وهكذا كذلك الزيادة على ذلك إنما هي خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، كصلاته على شهداء أحد يعني أنه صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنين كصلاته على الميت. وهو حديث عقبة الذي أشار إليه في الصحيحين. فالحاصل أن قبر النبي عليه الصلاة والسلام يزار لأجل أن يسلم عليه، ومن دون شد رحل. وأشار إلى حديث: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام". وهو حديث المسعود، وقد مر معنا عند النسائي وهو صحيح. والرواية الأخرى مرت. فإذا كان هذا فكيف بعد هذا يقول قائل: إن المانع من شد الرحل بالسفر معادل للأنبياء، وأنه كذلك يخالف الأحاديث. والحديث الذي استدل به حديث ليس به دلالة على المقصود، بل فيه مطلق الزيارة، ليس الزيارة المطلقة كما أبانه رحمه الله من هذه الأوجه الكثيرة. والله تعالى أعلم.