تعليق - الرد على الأخنائي 32

تعليق - الرد على الأخنائي 32

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 32، الدرس الثاني والثلاثون : من : (ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع ... فهذا الجواب على ما ادعاه من التناقض في نقل الخلاف والإجماع ), ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين

يناقش حكم شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، ويستعرض آراء العلماء في ذلك. يُوضح أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم مشروع ومستحب بإجماع المسلمين.

آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية السلام عليه

يتناول آراء الفقهاء حول كيفية السلام على النبي صلى الله عليه وسلم عند زيارة قبره، واختلافهم في استقبال القبلة أو الحجرة أثناء السلام. يبرز روايات متضاربة حول كيفية سلام ابن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم.

التنازع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين وتطبيقاته

يناقش آراء العلماء حول زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن السلف كانوا يكرهون مس القبر أو التمسح به. يشير إلى أن السفر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة والسلام عليه سنة مجمع عليها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رد على الأخنائي: «قال: ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من السيارة حتى يرى المسجد والحجرة، بل يسمع لفظ زيارة قبره فيظن ذلك كما هو المعروف المعهود من زيارة القبور أنه يصل إلى القبر ويجلس عنده ويفعل ما يفعله من زيارة شرعية أو بدعية. فإذا رأى المسجد والحجرة تبين له أنه لا سبيل لأحد أن يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده والصلاة فيه وفعل ما يشرع للزيارة في المسجد لا في الحجرة عند القبر، بخلاف قبر غيره. فإذا عرف معنا أول الجواب، فالمجيب لما ذكر القولين وحجة كل منهما وذكر أنه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم «لا تشد الرحال» على نفي الاستحباب، وأن أصحاب القول الآخر يجيبون عنه بوجهين: أحدهما أن هذا تسليم لكون هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قرب ولا طاعة ولا هو من الحسنات، فإذا من اعتقد أن السفر لقبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع. وإذا سافر لاعتقاد أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز، ليس من ذاك. الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم. فهذا الإجماع المحكي هنا هو فيمن اعتقد أن ذلك طاعة وقربة وسافر لاعتقاد أن ذلك طاعة. فإن الذين قالوا بالجواز قالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم «لا تشد الرحال» إلى آخره يقتضي أن السفر إليها ليس بمستحب، وليس هو واجبًا بالاتفاق، فلا يكون قربة وطاعة، فإن القربة والطاعة إما واجب وإما مستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب فليس قربة ولا طاعة بالإجماع. فما اعتقد أن ذلك قربة وطاعة، أو قال: إنه قربة وطاعة، أو فعله، أو فعله لأنه قربة وطاعة فقد خالف هذا الإجماع. ولكن من علم أن الفعل ليس بطاعة ولا قربة امتنع أن يعتقده قربة وطاعة، فإن ذلك جمع بين اعتقادين متناقضين، وامتنع من أن يفعله بذلك، وإنما يعتقده قربة ويفعله على وجه التقرب من لا يعلم أنه ليس بقربة، ويكون مخطئًا في هذا الاعتقاد، وإن كان خطؤه مغفورًا له. وهذا لا يعاقب على هذا الفعل لأنه لم يعلم تحريمه، كسائر المتقربين لما نهي عنه قبل العلم بالنهي، كمن كان يصلي إلى بيت المقدس قبل العلم بالنهي، وكمن صلى في أوقات النهي ولم يعلم بالنهي، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. لكن الأفعال التي ليست واجبة ولا مستحبة لا ثواب فيها، فهؤلاء لا يثابون ولا يعاقبون. وهذا الإجماع المذكور فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، لم يدخل فيه السفر لزيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم على الوجه المشروع، فإن هذا السفر مستحب لإجماع المسلمين. فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحب سفر أحد إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مسجده ولا قبره فقد غلط، فإن هذا لم يقل أحد. والقولان في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهما قولان معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد. قال: ومالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر لغير المساجد الثلاثة، كقبور الأنبياء وغيرها، محرم، حتى قبر نبينا كما صرح به مالك، ونهى الناذر عن الوفاء به. وابن عبد البر من فقهائهم جعلوا ذلك جائزًا لا يجب بالنذر، لكن لو فعله جاز. وسلكوا بإتيان مسجد قباء، وكذلك الطائفة من أصحاب أحمد، كأبي محمد المقدسي، وطائفة من أصحاب الشافعي، كأبي المعالي والغزالي والرافعي، حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة. وكذلك أبو حامد الاسفرائيني وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما. قال أبو المعالي: «كان شيخي يعني أبا محمد الجويني يفتي بالمنع من شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة، وربما كان يقول: يحرم». قال: «والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا ترجيح». وبه قال شيخنا أبو علي، ومقصود الحديث تخصيص القربة بالمساجد الثلاثة. وقال شيخنا أبو حامد لتوجيه أحد قولي الشافعي: «إنه لا يجب بالنذر». قال: «يحتمل أن يريد به: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبًا، ويحتمل أن يريد به: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع مستحبًا، ويحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر أو نفي الاستحباب». وأما قدماء أصحاب أحمد، فقولهم بقول مالك، وعليه يدل كلام أحمد. وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي. قال: وأبو محمد الجويني من أصحاب الوجوه، والوجهان بمذهب الشافعي، ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما، كما ذكر القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم. قال: «اختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك. فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار إليه القاضي عياض إلى أنه يفتي به». قال: «والصحيح عند أصحابنا، وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون: أنه لا يحرم ولا يكره». قلت: والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرم، كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: «إن زيارة قبره سنة مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها». أراد به الزيارة الشرعية، كما ذكره مالك وأصحابه: من أنه يسافر إلى مسجده، ثم يصلي عليه ويسلم عليه، كما ذكره في كتبهم. وقد قال القاضي عياض لهذا الفصل فصل في الزيارة. قال بعضهم: «رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فوقفت ورفع يديه حتى ظننت أنه أراد الصلاة، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف». قال: «وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا، يقف الوجه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم، ولا يمس القبر بيدك». قال في المبسوط: «لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي». فهذا مالك لم يستحب السلام خاصة كما كان ابن عمر يفعل. قال نافع: «رأيت ابن عمر يسلم على القبر، رأيتهم مئة مرة أو أكثر، يجيء إلى القبر فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتي، ثم ينصرف». قال مالك في رواية ابن وهب: «يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته». قال القاضي عياض: «وعليه عمل السلف، والقعنبي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا المسجد سواء مسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون». فهذا المنقول عن الصحابة: أنهم كانوا يدعون في الغالب من ناحية المنبر لا من ناحية الحجرة، ويمسكون بميامنهم رمانة المنبر. وقد ذكرنا في مواضع اختلاف العلماء اختلاف العلماء عند السلام عليه: هل يستقبل الحجرة ويستقبل القبلة كما قال مالك، أو يستقبل القبلة كما قال أبو حنيفة؟ وفي بذلك نزاع قاله المشهور عند أصحابه كما قال مالك. وفي منسك المروزي: «الذين قالوا عن أحمد: أنه قال في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم: ولا تستقبل الحائط، خذ مما يلي صحن المسجد، فسلم على أبي بكر والنعمان». قال: «فإذا أردت الخروج فأتى المسجد وصلي ركعتين، واجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل سلامك الأول، وسلم على أبي بكر والنعمان رضي الله عنهما، وأحول وجهك إلى القبلة، وسل الله حاجتك متوسلًا إليه برسول الله صلى الله عليه وسلم، تقضى من الله عز وجل». فقد نهاه عن استقبال حائط القبر، وأمره إذا سلم على الشيخين أن يأخذ مما يلي صحن المسجد. وهذا يقتضي أن يسلم عليهما مستقبل الحجرة بحيث يكون مستقبلًا للمغرب، مستقبلًا للمسجد والقبلة عن يمينه، ويسلم عليه عند رأسه. فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد، لا يستقبل حائط المسجد من جهة القبلة، بل ينصرف عن يساره إلى رأسيهما فيسلم عليهما هناك. وهذا السلام واستقبال القبلة هو الذي يفهم من سلام عمر، فإنه كان يسلم قبل أن تدخل الحجرة في المسجد، ولم يكن حينئذ يمكن أحد أن يستقبل الحجرة ويستقبل القبلة، فإن قبلي الحجرة لم يكن من المسجد، ولا كان منفصلًا طريقًا، بل كان متصلًا بحجرة حفصة وغيرها. وعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم يكن يمكنهم السلام من جهة الوجه، بل كانوا يكونون إما مستقبلًا أحدهم من القبلة والحجرة النبوية عن يساره كما قال أبو حنيفة، أو يستقبل الحجرة ويستقبل المغرب كما قال أحمد. وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من الصحابة، فإنهم لم يكونوا يسلمون عند الوجه. وما ذكره القاضي عياض عن أنس بن مالك لا يد على هذا القول، بل يد على قول أبي حنيفة، فإنه ذكر عن بعضهم قال: «رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقفت ورفع يديه حتى ظننت أنه أراد الصلاة، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف». فقول الراوي: «إنه رفع يديه حتى ظننت أنه أراد الصلاة» دليل على أنه كان مستقبل القبلة، فإن المصلي لا بد أن يستقبلها. ولو كان يستقبل الحائط من ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي، فإن أحدًا لا يصلي إلى الشمال ولا إلى الشرق. روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الذي له في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حدثني إسحاق بن محمد الفروي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: حدثنا نافع أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلى السجنتين في المسجد، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فيضع يده جمع على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويستقبل القبلة، ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسلم على أبي بكر وعمر». فهذه الرواية فيها نظر، فإن فيها خلاف ما قد جاء عن مالك وأحمد بالفعل عن ابن عمر: أنه كان يدنو إلى القبر ولا يمسه. وحديث ابن عمر هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد الله بن دينار، ورواه عن نافع أيوب السختياني وغيره، وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر. وقد ذكر ذلك مالك وغيره: أنه لا يمس القبر، وكذلك كان سائر علماء المدينة، وكذلك قال أحمد: أن ابن عمر فعل ذلك. قال أبو بكر الأسرم: «كنت لأحمد بن حنبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به». فقال: «ما أعرف هذا». قلت له: «بل من مر». قال: «أما من مر فنعم، فقد جاء فيه». قال أبو عبد الله: «الشيء يرونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر: أنه كان يمسح على المنبر». وقال: «يرونه عن سعيد بن مسيب: الرمانة». قلت: «يرونه عن إحب سعيد: أنه حيث أراد القروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعاه». ورأيته استحسنه. ثم قال لعله عند الضرورة. والشيء هي لأبي عبد الله: «إنهم يلتفون بطولهم بجدار القبر». وقلت له: «رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يرونه، ويقومون ناحية يسلمون عليه». قال أبو عبد الله: «نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل». ثم قال أبو عبد الله: «بأبي وأمي صلى الله عليه وآله وسلم اسليما». وقد يقال: «هذه الرواية لا تخالف ما عليه الأئمة من أنه لا يتمسح بالقبر، فإن ابن عمر لم يكن يتمسح بالقبر، بل كان يريد أن يسلم من جهة الوجه، فلا يمكنه أن يستقبل الوجه، فكان يحاذي ما يكون مستقبل الوجه ليكون أقرب إلى الاستقبال، ويبعده على الحائط ليعتمد عليها، ويكون أبعد في القرب إلى القبر». ولكن هذه الرواية خالفت ما قيل: «إنه كان يقف ناحية». إلا أن يقال: «كان يتقدم إلى القبر فيكون ناحية بهذا الاعتبار». وبسط هذا له موضع آخر. والصواب أن هذه الزيادة انفرد بها إسحاق بن محمد الفروي عن عبيد الله بن عمر، وغلط فيها، وخالف فيها من هو أوثق منه عن ابن عمر. فإن أيوبًا رواه عن عبيد الله عن عبد الله بن عمر خلاف ما رواه إسحاق، مع أن رواية أيوب عن نافع رواه حماد بن زيد ومعمر وغيرهما، ورواية مالك عن نافع مشهورة. وكذلك رواية عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ليس في شيء منها ما ترى إسحاق بن محمد الفروي. ولا يقال: «إنه ثقة، فرد بزيادة لوجهين: أحدهما أنه قال: فمن هو أوثق منه؟ كما رواه يحيى بن معين قال: حدثنا أبو أسامة أن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم». وممن ذكر هذا الشيخ الصالح الزاهد الشيخ العراقي في زمنه، عند العامة والقاصة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه. قال: «قرأت على عبيد الله الزهري حدثك أبوك قال: حدثنا عبد الله بن جعفر عن أبي داود الطيالسي عن جحي بن معين فذكره». وهذا أبو أسامة يروي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ابن عمر، كما دلت عليه سائر الروايات. لو لم يكن إلا معارضة هذه برواية إسحاق الفروي، وكلاهما عن عبيد الله، لوجب التوقف فيها. كيف وهو أبو أسامة أوثق من الفروي؟ فقد روى ما وافقته العلماء عليه، ولم يحدث شيئًا انفرد به كما في رواية الفروي. الثاني: أن الفروي وإن كان في نفسه صدوقًا، وكذبه صحيحًا، فإن له أضرارًا، فإنه أضر في آخر عمره، فكان ربما حدث من حفظه فيغلط، وربما لقن فيلقن. ولهذا كانوا ينكرون عليه رواية أولي الحديث على خلاف ما يرويه الناس، مثل ما روى حديث الإفك على خلاف ما رواه الناس، وكذلك حديث من عمر هذا رواه على خلاف ما رواه الناس. وقد روى عنه البخاري بصحة فقال أبو حاتم الرازي: «كان صدوقًا وذهب بصره وربما لقن وكتبه صحيحة». قال مرة: «متنطع». وقال أبو عبيد الآجري: «سألت أبا داود عنه فوهاه جدًا». قال النسائي: «ليس بثقة». وذكره أبو حاتم نحبان في كتاب الثقات. وقال الدارقطني: «لا يترك». ومما أنكر عليه حديث الإفك، فإنه رواه غير ما رواه الناس. فهذا كلام الأئمة يبين ما ذكرناه فيه من التفصيل. وبذلك يعرف ضعف ما ذكره من حديث ابن عمر، يبين ذلك اتفاق العلماء على كراهة مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون ابن عمر قد مسه ولا يعرفون ذلك؟ كما عرفوا مسه من برك. وقد ثبت عن ابن عمر أنه كره مسه. وروى أبو الحسن علي بن عمر القزويني أيضًا في أماليه قال: «قرأت على عبيد الله الزهري قلت: لو حدثت أبوك قال: حدثني عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: سمعت أبا زيد حماد بن دليل قال: لسفيان يعني ابن عيينة قال: أكان أحد يتمسح بالقبر؟ قال: لا، ولا يلتزم القبر، ولكن يدنو». قال أبي: «يعني إلا عظامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبا». قال ابن دليل: «عظامًا عظامًا». قال أحمد بن دليل: «هذا الذي سمعه أحمد يسأل ابن عيينة هو معروف من أهل العلم، روى عنه أبو داود، وكان قاضي المدائن». وروى أيضًا أبو الحسن القزويني عن الزهري عن نوح بن يزيد قال: «أخبرنا أبو سحاط عن إبراهيم بن سعد قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يكره إتيانه». ونوح بن يزيد بن سنان المؤدب هذا الراوي عن إبراهيم بن سعد هو ثقة معروف بصحبة إبراهيم، ولا اقتصاص به، روى عنه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما. قال أبو بكر الأثرم: «ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال: هذا شيخ كبير، أخرج إلي كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظًا». وقال محمد بن المثنى: «سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: اكتب عنه، فإنه ثقة، حج مع إبراهيم بن سعد، وكان يؤدب ولده». وذكره ابن حبان في الثقات. وأما إبراهيم بن سعد هو من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علمًا وأوثقهم. وكان قد خرج إلى بغداد، روى عنه الناس أحمد بن حنبل وطبقته. ومن سعة علم روى عنه الليث بن سعد، وهو أقدم وأجل منه. وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عم الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم: أنه قال: «ما رأيت أبي قط أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يكره إتيانه». وهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين، ومن أصلحهم وعبدهم. وكان قاضي المدينة في زمن التابعين في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله. وهو أدرك بناء الوليد بن عبد الملك المسجد، وإدخال الحجرة فيه، وأدرك ما كان عليه السلف قبل ذلك من الصحابة والتابعين. قال أبو حاتم الرازي: «وهو من جلة أهل المدينة وقدماء شيوخهم، كان على القضاء». وقد ذكروا أنه رأى عبد الله بن عمر، وروى عن عبد الله بن جعفر، وفي سماعه منه نظر. ومات قديمًا بعد القاسم بن محمد بقليل، فإن القاسم توفي سنة إحدى وعشرين ومئة، وهذا توفي سنة ست وعشرين ومئة. وقد خرج من المدينة غير مرة، تارة إلى الحج وتارة إلى الكوفة قد استعبل على الصدقات، ومرة خرج إلى العراق وإلى واسط. وروى عنه سفيان الثوري وشعبة وعراقيون. وهو الذي روى حديث: «من نحدث في أمرنا هذا ما ليس منه». فورد عن القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أدرك بالمدينة جابر عبد الله وسهل بن سعد السعدي وغيرهما من الصحابة، ورأى أكابر التابعين مثل سعيد بن مسيب، والسائر الفقهاء السبعة. ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، فلقد يخالف ابن عمر، فإنه ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه كان لا يأتيه إلا لا يأتيه لا عند السفر ولا غيره، بل يكره إتياله مطلقًا، كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وأنه أمر بالصلاة والسلام عليه في كل زمان ومكان. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا». وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». كما قد بينا هذا في مواضع. أن سعد بن إبراهيم هذا في دينه وعبادته وصيامه وتلاوته للقرآن، حيث كان يختم اليوم والليلة كثيرًا. وأبو الحسن علي بن عمر القزويني وغيره من أهل العلم والدين ذكروا هذه الآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ليبينوا للناس كيف كان السلف يفعلون في مثل ذلك. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود أن ما حكاه القاضي عياض الإجماع فيه لم ينه عنه في الجواب، بل السفر إلى مسجده وزيارته التي يسميها بعضهم زيارة، وبعضهم يكره أن يسمى زيارة على وجه المشروع، سنة مجمع عليها كما ذكر ذلك القاضي عياض. ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كالسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، ولا من سافر لمجرد قبره فلم يزور زيارة شرعية بل بدعية. هذا لا يقول أحد أنه مجمع على أنه سنة. ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس، فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون وما قاله علماء المسلمين ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه. فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها، لكن لم يتنازعوا في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده. ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور بأن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب، لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا لغير ذلك. فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تشد الرحال» حديث منبت على صحته، وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور ذاكر فيه. فإما أن يكون نهيا وإما أن يكون نفيًا للاستحباب. وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحًا، فتعين أنه نهي. هذان طريقان لأعلم فيهما نزاعًا بين الأئمة الأربعة والجمهور. والأئمة الأربعة وسائر العلماء لا يجبون الوفاء بالنذر على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء، إلى أثر نبي من الأنبياء قبورهم أو غير قبورهم. وما علمت أحدًا أوجبه إلا ابن حزم، فإنه أوجب الوفاء على من نذر مشيًا أو ركوبًا أو نهوضًا إلى مكة أو إلى المدينة أو بيت المقدس. قال: «وكذلك إلى أثر من أثر الأنبياء». قال: «فإن نذر مشيًا أو نهوضًا أو ركوبًا إلى مسجد من المساجد غير الثلاثة لم يلزموا». وهذا عكس قول الأئمة، فإنهم قالوا: «من نذر المشي إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد». وابن حزم فهم من قوله «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» أي لا تشد إلى مسجد، وهو لا يقول بفحو الخطاب وشبهه، فلا يجعل هذا نهيا عما هو دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى. بل يقول: «في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول أن أحدكم في الماء الذائد ثم يغتسل منه: أنه لو بالك ثم صب البول فيه لم يكن منهيا على التغتسل فيه». وداود الظاهري عنه في فحو الخطاب روايتان، وهذه إحداهما. وابن حزم ومن قال بإحدى الروايتين عن داود يقولون: «إن قوله فلا تقول لهما أف لا يدل على تحريم الشتم والضرب». وهذا قول ضعيف جدًا في غاية الفساد عند عامة العلماء، فإنهم يقولون: «إذا كان البائل الذي يحتاج إلى البول قد نهي أن يبول فيه ثم يغتسل فيه، فالذي بال فيه إناء ثم صبه فيه أولى بالنهي». كما أنه لما نهي عن استجماره بطعام الجن وطعام دوابهم العظام والروث، كان ذلك تنبيهًا على النهي عن استجماره بطعام الإنس بطريق الأولى. وكل ما نهي عن استجمار به فتلطيخه بالعذر أولى بالنهي، فإنه لا حاجة إلى ذلك. فلهذا فهم الصحابة من نهى أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة: أن السفر إلى الطور سيناء داخل في النهي وإن لم يكن مسجدًا، كما جاء عن بصرة من أبي بصرة وأبي سعيد وأبن عمر وغيرهم. والصحابة الذين سمعوا هذا الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرهم أدخلوا هذا المسجد، أدخلوا غير المساجد الثلاثة في النهي، ونهوا أن تشد الرحال إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى. مع أن الله لم يعظم في القرآن جبلًا أعظم منه، وسماء الوادي المقدس والبقعة المباركة. فإذا كان مثل هذا الجبل لا تشد الرحال إليه، إنه لا تشد الرحال إلى ما يعظم من الغيران والجبال مثل جبل لبنان وقاسيون ونحوه ما بالشام، وجبل الفتح ونحوه بصعيد مصر، بطريق الأولى. بل إذا كان الصحابة لم يكونوا يسافرون إلى الطور ونحوه، بل ولا يزورون، إذا قدموا مكة لا جبل حراء الذي نزل فيه الوحي، امتجاءًا، ولا غار ثور المذكور في القرآن الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، الله ثالث أثمامه. وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «لا تحزن إن الله معنا». والنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الوحي عليه لم يقرب ذلك الغار ولا غيره مما بمكة إلا المسجد الحرام والمشاعر. وكذلك لما حج إنما ذهب إلى المسجد الحرام والمشاعر. وقد ثبت في الصحيح: «أن أحب المقاعد إلى الله تعالى المساجد». وأغنى ذلك عن غيرها. ولهذا لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد باتفاق الأمة. ولو نذره في غير مسجد لم يوفي من نذره، فإنه غير جائز. وقد تقدم عن الصحابة أبي سعيد وابن عمر وبصرة من أبي بصرة: أنه نهى عن السفر إلى الطور بقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». ورفض أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم وغيره «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» بصيغة النهي الصريحة. ورواه أحمد في المسند من حديث أبي وغيرة في الطريقين. والأماكن التي ينبغي الصلاة فيها، كأعطان الإبل والحمام، يماء والشياطين. وكذلك ما يسافر إليه بعض الناس من المغارات ونحوه من الجبال، قاصدين لتعظيم تلك البقعة بالشام ومصر والجزيرة وفرسان وغيرها. وكل موضع تعظمه الناس غير المساجد ومشاعر الحج، فإنه مأوى الشياطين، وتصورون بصورة بني آدم أحيانًا، حتى يظن كثير من الناس أنهم من الإنس، وأنهم رجال غير. ويقولون: «الأربعون الأبدال في جبل لبنان أو غيرهم من الجبال». وهي مأوى الجن، وهم رجال غير، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. سمعهم الله رجالًا، وسموا جنا لأنهم يجتنون عن الأبصار، أي يستترون. كما يسمى الإنس لأنهم يؤنسون، أي يبصرون. كما قال موسى عليه السلام: «إني آنست نارًا» أي أبصرت نارًا. والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة معروفة، لكن كثير من الناس يعتقد أنهم من الإنس، وأنهم صالحون يغيبون عن الأبصار، الخلائف. ولا ريب أن بعض الإنس قد يحجبه الله أحيانًا عن أبصار بعض الناس، إما إكرامًا له أو منعًا له من ظلمهم إن كان وليًا. وأما احتجاب إنسي طول عمره عن جميع الإنس، فهذا لم يقع، بل هذا نعت الجن الذين قال الله فيهم: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونه». والمسافرون إلى هذه الجبال إنما يسافرون إلى ما هو مأوى الشياطين. وما يرونه من الخوارق هناك هو من إضلال الشياطين لهم، كما تفعله الشياطين عند الأصنام، فإنهم يظلون عابديها بأنواع حتى يظن حتى قد يظن أن الصنم كلمه. وقد يظهرون للسدنة أحيانًا كما كانوا في الجاهلية. وكذلك يوجد عند النصارى من هذا كثير. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا أن الصحابة كأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وبصرة من أبي بصرة فهموا من الحديث شموله لغير المساجد كالطور. وحديث بصرة معروف بالسنن والموطأ. قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: «لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت». سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى». وأما ابن عمر فروى أبو زرعة عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار المدينة قال: «حدثنا ابن أبي الوزير قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزع قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: لا، إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته». رواه أحمد بن حنبل في مسجده. وهذا النميري من مصر. وابن عمر ثم موافقة أبي هريرة يدل على أنهم فهموا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم النهي، فلذلك نهوا عنه، لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة. وكذلك أبو سعيد الخدري وهو راوي أيضًا. وحديثه في الصحيحين. فروى أبو زرعة قال: «حدثنا هشام بن عبد الملك قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال: حدثنا شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة بالطور فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يرغب فيه إلى الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد هذا». فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شد الرحال إليه. مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي عنها. والطور إنما يسافر فن يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله سماه الوادي المقدس والبقعة المباركة، وكلم الله موسى هناك. ومع الإسلام بنا هناك مسجد، فإنه ليس هناك قرية للمسلمين. وإن كان هناك مسجد، فإذا نهي الصحابة عن ذلك عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد، فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى. وهذا ظاهر لا يخفى على أحد. فالصحابة الذين سمعوا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فهموا منه النهي، وفهموا منه تناوله لغير المساجد. فهم أعلم بما سمعوه. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا ذكر ما تنازع فيه الأئمة وغيرهم، وما لم يتنازع فيه. فإن بين الطوائف الذين لم يتنازعوا فيهما مسائل متعددة فيها نزاع. ولكن طائفة من المتأخرين يستحسنون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ويفعلون